لم يكن أحد يعتقد أنه سيأتي يوم وتغني فيه فنانة أوروبية الأغاني الأمازيغية، ليس من باب المجاملة، أو المشاركة أو التقاسم، بل من باب الاحتراف. هذا ما وقع مع كارين دانفير الفتاة الشقراء الجميلة ذات الأصل المزدوج، برتغالية الأب وفرنسية الأم، حين وصلت إلى المغرب مع عائلتها من أجل السياحة في أواخر الثمانينيات. غير أن ترددها على بساتين الجنوب واستماعها لأغاني الأمازيغ في الحقول والسهرات جعلها تنجذب إلى هذا الفن وتتحول إلى أحد رموزه، منذ بداية التسعينات إلى مطالع الألفية الجديدة.

ولدت كارين في بلدة بلوا في فرنسا سنة 1976، لكنها مع أول ألبوم لها ستوقعه باسم «الرايسة كيلي». في وقت مبكر، انتبه إلى صوتها ورغبتها في الغناء الفنان الأمازيغي الرايس حسن أكَلاو، الذي اعتبرها منذ البداية فرداً من أسرته الصغيرة. كان أول ظهور رسمي لها سنة 1991 على خشبة مسرح محمد الخامس في الرباط، وتوالت بعدها إصداراتها الغنائية على شكل دويتوهات في الغالب، معظمها مع الرايس أكَلاو.
كان صوت كيلي جميلاً وقريباً من الأصوات النسائية الأمازيغية الرقيقة والدافقة بالأنوثة. لذلك لم تبدُ غريبة على الميدان، ولم يكن أداؤها خارجاً عن دائرة الفن الأمازيغي العريق، خصوصاً أنها استطاعت ضبط مخارج الحروف، تلك الحروف التي تُحرِجُ عادةً القادمَ من لغة أخرى لا تتداولها، مثل القاف والحاء والعين. فضلاً عن الصوت، كانت كيلي تملك قدرة التناغم مع الكورال، وموهبة التماهي مع لحن الأغنية، ومع الإيقاع الأمازيغي الفريد.
أصدرت كيلي العديد من الأشرطة الغنائية، وأحيت الكثير من السهرات، وكان يحلو لها أن ترتدي الأزياء الأمازيغية التقليدية في حفلاتها، لكنها أحياناً كانت تظهر بفساتين قصيرة، مزيّنة بالحلي الأمازيغية التراثية. ولم تكن تغني للأمازيغيين ومحبّي هذا اللون فحسب، بل انخرطت أيضاً في حياتهم وتماهت مع أشكال عيشهم، واحتفلت معهم بمناسباتهم الاجتماعية والوطنية.
ومثلما تختفي كل الأشياء الجميلة بسرعة، اختفت الرايسة كيلي عقب وفاة الفنان حسن أكلاو، الذي اكتشفها ودعمها وغنى معها، وجعلها تضع قدمين راسختين على أرض الغناء الأمازيغي الجميل طيلة سنوات حضورها. خرجت الرايسة كيلي من الوسط الفني، ولم يعرف محبّوها لا سبب هذا الخروج، ولا مكان تواجدها ولا أي تفاصيل أخرى عن حياتها الجديدة، وإن كان بعضهم يقول إنها غادرت المغرب واستقرت في لبنان. لكن المؤلم في حالة كيلي أن خروجها من الوسط الفني واختيارها أن تعيش في الظل، كان أيضاً خروجاً من الذاكرة الفنية للمغاربة.
يمكن اعتبار الرايسة كيلي نموذجاً للوافد الذي ينتصر لتراث وثقافة بلد عاش فيه وأحبّه، غير أن اختفاءها جاء في زمن صار فيه هذا الفن نفسه، الذي يستند في غالبية مكوناته إلى التراث والماضي، يعيش حالة ضيق وحصار، وسط ألوان فنية جديدة صارت تصل إلينا من الجهات الأربع للبلاد.

أعطت للأغنية الأمازيغية أبعاداً جمالية جديدة بصوتها العذب وحضورها المذهل


يسمى اللون الغنائي الذي تؤديه كيلي «فن الروايس» ويطلق لقب «الرايس» على الرجل و«الرايسة» على المرأة، وهو نقل للكلمة العربية «الرئيس». وغالباً ما يكون الرايس عزفاً على الرباب أو على آلة وترية، وهو من يقود العزف والغناء، فيما تكتفي الرايسة بالغناء من دون عزف، لكنها هي من يغنّي القصيدة الموزونة، فيما تكتفي المردّدات اللواتي معها في المجموعة بإعادة اللازمة، وبالرقص الذي يبدأ خفيفاً ثم يتصاعد مع تصاعد إيقاع العزف.
يتغنى الروايس في الغالب بقصائد الحب وبالظواهر الاجتماعية والإنسانية، فضلاً عن غنائهم لقصائد ذات طابع ديني ووطني. ويعتمد هذا الفن في العزف على الرباب والناقوس والآلات الإيقاعية الخفيفة. ومن أشهر رموزه النسائية: الرايسة الدمسيرية، فاطمة تبعمرانت، فاطمة تحيحيت. ويعتبر فن الروايس أحد أبرز أنواع الغناء الأمازيغي في المغرب إضافة إلى نوعين آخرين، هما: أحواش الذي يمتد عبر مرتفعات الأطلس الكبير والصغير جنوب المغرب، وهو لون أمازيغي ضارب في التاريخ، يعتمد في إيقاعه على طبل واحد (كَانكَا) وبعض الدفوف (تيلونا). يقف الرجال في صف والنساء في صف مقابل له، ويقومون بحركات متماثلة. الملابس تقليدية وهي بالضرورة منتوج محلي، والنصوص التي يتغنى بها الفنانون تندرج في الغالب ضمن الحكمة والموعظة. تقام ليالي أحواش في الأعياد الدينية والمناسبات الوطنية والمواسم و الأعراس، ولا تتطلب في الغالب وجود فرق محترفة، فالأمازيغيون يتحولون من ساكنة إلى فنانين مجيدين بحكم عراقة هذا الفن وتجذره في قبائلهم. أما الثاني فهو أحيدوس الذي يتمركز بالأساس في الأطلس المتوسط، وهو أداء جماعي يعتمد على الاستعراض عبر الحركة السريعة، حيث يقف الرجال والنساء في شكل دائري مرددين الأهازيج الأمازيغية، ويستخدمون نوعاً واحداً من الآلات الإيقاعية وهي الدفوف، مع الضرب بالأكف عبر ما يشبه التصفيق، لكن بشكل متناغم تصاحبه حركات خاصة وخفيفة بالأكتاف والأرجل. أما النصوص المغناة فهي غالباً متوارثة وتعنى بطقوس العيش في الجبال والتغني بجمال الطبيعة ومفاخر القبيلة. كان آخر ألبوم جمع بين كيلي وحسن أكلاو قد صدر سنة 2000 وضمّ أغنيات عدة: الأولى اسمها «تنضامت» أي القصيدة، «تايري/ الحبّ»، و«أوردي لعدو» ومعناها «لا عدوَّ لي». وكيف يكون لكيلي أعداء وهي التي أعطت للأغنية الأمازيغية أبعاداً جمالية جديدة بصوتها العذب وحضورها المذهل في بلاد ليست بلادها، وفي زمن أهمل فيه أهل هذه البلاد تراثها الأمازيغي وانساقوا مع تيارات أخرى وافدة؟