رفض الرجل المسنّ الجالس على مرفأ جبيل، الدعوة المجانية التي عرضتها عليه الصبية التي كانت توزِّع رزمةً من بطاقات الدخول إلى أمسية عازف التشيلّو يو ــ يو ما في ختام «مهرجانات بيبلوس الدولية» مساء السبت الفائت. فالساعة تخطت الثامنة والنصف والأمسية ستنطلق بين لحظةً وأخرى. بعد التشاور مع زميلها ومحاولاتها العدّة لإيجاد من قد تهمّه آخر بطاقتَين في حوزتها، لم تجد سوى عامل البلدية الذي كان يرتاح من نهار عملٍ طويل يبدو أنه سيطول بعد، مع تدفّق المئات إلى هذه البقعة من مدينته. بالتالي، من الطبيعي أن تعرض عليه بطاقة، ومن الطبيعي أكثر أن يرفض. هذا المشهد، تلاه بعد نحو ربع ساعة من بدء الأمسية، مشهد الهامّين بالمغادرة، لأنهم على ما يبدو أتوا ليسجّلوا حضورهم، فثمة دعوات وصلتهم مجاناً، وأرادوا تلبيتها لياقةً لا أكثر. هذا «النزوح المعاكس» لم يتوقف طوال الأمسية التي انطلقت في تمام التاسعة، واستمرت لساعتَين وربع الساعة تماماً. بالتالي، إن المشهد الذي رآه الموسيقي الصيني ــ الأميركي عند اعتلائه المسرح ليس «حقيقياً» إذا صح القول. لا، بالتأكيد لم تُبَع كل البطاقات، ولا الشغوفون بالموسيقى والمولعون برمزها العالمي هم من ملأوا المدرج الضخم. لكن لا بأس بالصورة المفتعلة والمركبة من جهة الحضور، إذ تبدو مناسبة تماماً لتلك المركبة أيضاً من جهة المسرح. فزائرنا لا يهتم بحقيقة الأمور أكثر مما يهتم بظاهرها.

الأمسية تخللها أداء لمتتاليات التشيلّو المنفرِد الست للمؤلف الألماني باخ. ساعتان وربع من العزف شبه المتواصل. ستة أعمال من تركيبة واحدة. 36 مقطوعة موسيقية من النوع الصعب. هذا إنجاز كبير لأي موسيقي، لكن لكي يعدّ إنجازاً، يجب ألّا يعتريه هذا الكم من الأخطاء الذي شاب أداء يو-يو ما للعمل. لا شك في أنّ الظروف المناخية عاكست العازف البارع تقنياً، فالحرارة أو الرطوبة هما عدوا الآلات الوترية، فكيف إذا اجتمعتا في تلك الليلة الحارة على بعد أمتار من البحر. هذا يغفر للعازف نصف أخطائه، لكن ألّا تسمع إلّا المديح المكال من كعب الـ «لاروس» (قاموس اللغة الفرنسية) في دردشات أرستوقراطيي الموسيقى الكلاسيكية الخارجين من الأمسية باتجاه المطاعم القريبة، فهذا ما لا تفسير له في أي قاموس. طبعاً، هذا الكلام يعُدّه هؤلاء هراءً آتياً من جَهَلة حاقدين: الموسيقي الأميركي الكبير أخطأ؟ من يجرؤ؟!
حسناً. أولاً، ناهيكم بـ «الخطأ» الذي لا يمكن المرافعة بشأنه بسهولة، ألا وهو الإحساس في الأداء، وهو بنظرنا معدومٌ في حالة يو-يو ما، يمكننا أن نفيدكم بلائحة من عشرة أخطاء واضحة على الأقل وردَت في الأمسية ككل، وهي، بالمناسبة، ليست كلّها من النوع الذي يتحمل مسؤوليته العازف، بمعنى أنها ليست ناتجة من ضعف تقني أو وضعية أصابع خاطئة أو استبدال نوطة بأخرى غير صحيحة بسبب خلل في الذاكرة (بما أن الأداء حصل بدون مدونة، كما تفرض الأصول)، بل أن معظمها آتٍ مما يسمّى بـ«خيانة الآلة»، أو ما كان يزعج الراحلة جاكلين دوبريه في تشيلّو الستراديفاريوس (أشهر وأثمن اسم في صناعة الآلات الوترية) المسمّى «دافيدوف»، والذي كانت تشتكي ممّا يمكن ترجمته بـ «مفاجآته غير المتوقّعة» (unpredictability). وبالمناسبة، تشيلّو «دافيدوف» هو ملك يو ــ يو ما، منذ رحيل الأسطورة الإنكليزية، ولكن لسنا متأكدين من أنه اصطحبه معه إلى موعده الجبيلي (بالمناسبة، صوت التشيلّو كان ساحراً في الأمسية)، فهو يملك غيره من آلات التشيلّو المحترمة. لكن في كل الأحوال، النتيجة واحدة: كم هائل (نسبياً) من الأصوات الناشزة، بالإضافة إلى تلك التي يتحمّل مسؤوليتها العازف بالكامل والناتجة عن وضعية خاطئة للأصابع.



ثانياً، إن وجدتم إجحافاً أو افتراءً في هذا النقد، نحن على استعداد للمراهنة بأن هذا التسجيل مستحيل أن يصدر بشكل رسمي. فبعض التسجيلات الحية (ونادراً في الاستوديو) تشوبها أخطاء بشرية تزيدها سحراً، لكن هكذا إصدار لن يرحمه النقاد الأجانب (يتمتعون بمصداقية عالية عند جمهور الكلاسيك اللبناني). هذا لا يعني أن الرجل لم يبرع في بعض ما قدّم، بالأخص في المتتالية الخامسة (باستثناء ختام مقدِّمتها)، مقابل المتتالية الرابعة التي كانت الأسوأ، بالأخص في المقطع المسّمى Bourrée، هذا اسم رقصة، وللمفارقة فإنه يعني أيضاً «محشوَّة»… وهنا، بالأخطاء!
بعد تقديم ساعتَين من موسيقى باخ، خرج يو ــ يو ما، ثم عاد ليعلن «بصدقٍ» قل نظيره بأنه سيعزف لنا «غنّية لبنانية بحبّها كتير»… قال هذا الكلام بالعربية (كما فعل خلال الأمسية). بالكاد فهمنا عليه (كما حصل معنا خلال الأمسية) وانطلقت الأغنية التي لم «يتعرّف عليها» أحد… صدر فقط بعض الصراخ من بضعة حاضرين (ربما ادّعوا بأنهم حذروا ما هي، لا أكثر!)، لكن الغالبية انقسمت بين مَن خجِلَ مِن «جهله» ومن تجرّأ على سؤال «جيرانه» عنها من دون أن يلقى سوى ارتياحهم لحقيقة أننا نبدو «بالهوا سوا». علمنا لاحقاً، من الخبر الذي نشرته وسائل الواصل الاجتماعي الخاصة بالمهرجان (!)، أنها كانت أغنية لفرقة «مشروع ليلى».
النقلة من باخ إلى «مشروع ليلى» سيسجّلها التاريخ، لا شك. لكن، بما أن السيّد يو ــ يو انضمّ إلى جوقة مروّجي مشروع «مشروع ليلى»، وبما أنه لا يزال ركيكاً جداً بلغة الضاد، فرجاءً من مطلقي هاشتاغ #مع_مشروع_ليلى_ضد_القمع، الذين يناضلون ضد تأليه الأشخاص والذين ينتفضون في وجه من يهين الناس بمفردات تمسّ مشاعر ذوي الاحتياجات الخاصة والذين لا يتساهلون في قضية تعنيف المرأة والذين يقدّسون احترام الآخر ورأيه، أن يترجموا له كلام حامد سنّو العلنيّ والآتي عن سابق تصوّر وتصميم، لا نتيجة انفعال آني (بدليلَين: الاتفاق على «الكلمة الفصل» التي تنطلق عندها الموسيقى ونشر الفيديو لاحقاً بشكل رسمي) في قلعة بعلبك (الفيديو مُرفق على موقعنا)، كي لا يسجّل التاريخ نقلة موسيقية وأخلاقية ثانية بهذا الحجم، مع أننا لا ننتظرها لنرمي، وفي وجه الجميع، الهاشتاغ الذي لن يتبناه أحد (وهذه نعمة) في هذا المجتمع العدو: #ضد_القمع_ضد_مشروع_ليلى.