القاهرة | يكمل معرض الفنان التشكيلي حامد عبد الله (1917 ــ 1985) الذي تستضيفه «غاليري أجيال» في بيروت الهدف الذي سعت اليه أسرته في القاهرة قبل أسبوعين، أي إعادة تقديمه للحياة التشكيلية عبر معرض كبير انطلق في «متحف الفن الحديث» في دار الأوبرا، واحتفال لتدشين كتاب (مونوغرافيا) «عين الروح ـــ الرسام عبد الله» عن أعماله. المعرض البيروتي هو أيضاً مناسبة لإثارة أسئلة كثيرة عن موقعه في مسار الحداثة التشكيلية العربية.


ظلّت تجربته التي يمكن تلخيصها في مفارقة «المجهول/ المعلوم» بعيدة عن الفحص النقدي، لأنّها لم تعرض كاملة بهدف إدراك العلامات الفارقة فيها بحسب ابنه سمير الذي تولى حملة إعادة الاعتبار للأب. هو الهدف الرئيسي أيضاً الذي يتبناه كتاب «عين الروح ـــ الرسام عبد الله» (متوافر في «أجيال») الذي حرّرته رلى الزين وصدر في طبعة فخمة بثلاث لغات، هي: العربية والفرنسية والإنكليزية. العمل لا يهدف إلى «الإنصاف الدعائي فحسب، بل أيضاً إلى ترميم الفجوات القائمة في مسار النظر الى تجربته».
ولد عبد الله عام 1917 والتحق بمعهد الفنون والزخارف (فنون تطبيقية) عام 1931، ودرس الطرق على الحديد. عند تخرجه عام 1935، أظهر تميزاً في المعارض التي قدمها منذ عام 1941. ورغم أنّه عاصر السورياليين المصريين، إلا أنّه عارضهم في نماذج تشكيلية أقرب الى «الباروديا» حيث شاعت في أعماله أنماط من المحاكاة الساخرة أو ما يسميه إدوار الخراط «التشويه الجميل».
في الخمسينيات، أدرك الفنان الثمن الفادح الناتج من إشاعة الواقعية الاشتراكية بقيودها المتعلقة بمفهوم الالتزام. اتسمت لوحاته التشخيصية بـ«الفورم» الأقرب إلى الكتلة النحتية في تناوله نماذج شعبية، مثلما هي الحال في لوحات «زلطة» أو «أمومة» أو «محادثة». ظهرت الخطوط السوداء الحادة التي تبرز القوة في التعبير، أو كما كتب عنه الناقد الشهير إيميه آزار: «استمر عبد الله في تفريغ الأشكال حتى يقدم نبرة الطبقة الاجتماعية المعدمة ـــ لكن الواعية ـــ في حقيقتها المريرة»، مثلما يظهر في لوحة «زلطة» التي تتميز بتعبيرية قوية وموجزة في آن. اتسمت تجربته بمذاقها الخاص، وخصوصاً أنّ فكرة العصامية ظلت لصيقة بها طوال الوقت.
في بداياته، اتبع عبد الله الأسلوب التأثيري، لكنّه اتجه بعد ذلك الى الفن الفطري ليرسم بالطريقة التي يتميز بها فن الطفل. تسربت الى لوحته عناصر هي مزيج من حسّ سوريالي، وفيض من الفانتازيا الشعبية التي طبعت أعمال مجايليه من أمثال حامد ندا وعبد الهادي الجزار. غير أنّه فاجأ الجميع بتوجّهه إلى الحروفية خلال المرحلة التي أمضاها في أوروبا اعتباراً من عام 1957 حتى وفاته عام 1985. اعتمد على إعادة النظر في جماليات الكتابة العربية لتكون موضوع تشكيلاته في انشغال واضح بسؤال الهوية الذي ألح عليه بعد استقراره في أوروبا (كوبنهاغن ثم باريس).
يكشف كتاب «عين الروح ـــ الرسام عبد الله» أسرار هذا التحول من خلال حوارات ونصوص للفنان وضعت في نسيج مبتكر أقرب الى الكولاج، مع مقالات نقدية تابعت تجربته كتبها إدوار الخراط، وبدر الدين أبو غازي، وعدلي رزق الله، وميشيل كيلو وغيرهم، وشددت بوضوح على أنّ تحولات الفنان ظلّت إجابة عن أسئلة وجودية تفسر تمرده الدائم.
أشار قاموس «بتي لاروس للرسم» الفرنسي الى قدرته الخارقة على تطويع مفرداته وأسلوبه الشخصي ورفض النموذج الرسمي لمفهوم اللوحة التشكيلية وتقنياتها كما سعت الدولة الى ترويجها. تكشف سيرته الذاتية عن مزاج فني متمرد، احتفى دوماً بفكرة الاختلاف، وبقي معاصراً لزمنه وقادراً على تخطيه في آن. هو الفنان العصامي الذي رأى إدوار الخراط أنه استطاع السيطرة على مراحل فنه المختلفة بأستاذية وإلهام لا يخطئ مثله. بدأ واقعياً في زمن السوريالية وانتهى تجريدياً بحس صوفي لا يمكن تفاديه في أعماله التي لا تزال محتفظة بغموض التجربة وطزاجة السؤال. الكلمات أمام لوحاته فائضة دائماً عن الحاجة كما تقول الكاتبة الفرنسية من أصل مصري أندريه شديد.
تزوج في بداية حياته بالفنانة تحية حليم. وكان بمثابة معلمها الأول. وكان هذا الدور أثيراً بالنسبة إليه. تتلمذ على يده كثيرون من مشاهير الفن في مصر والملكة فريدة أيضاً، إذ كان يمتلك مدرسة لتعليم الفنون في «شارع شامبليون» منافساً الإيطاليين الذي كانوا رواداً في هذا المجال. ترك عبد الله مصر عام 1956 متوجهاً إلى الدانمارك، حيث تزوج وأنجب ثلاثة أبناء. وفي عام 1966، استقر في باريس وذاعت شهرته في أوروبا وكتبت عنه الصحافة هناك: «فنان مصري يكتسح باريس بأعماله المبهرة».
اللافت أنّ أصوله الطبقية المتواضعة لم تجعله يتماهى مع المشروع الناصري المنحاز بالكامل الى مصالح الفقراء. المرجح أنّه غادر القاهرة بعدما أدرك المزاج الاستبدادي لعبد الناصر الذي حولته حرب 1956 من قائد عسكري الى زعيم. والمدهش أنّه تأثر بوفاة عبد الناصر وواصل انتقاد تجربة السادات في التسوية مع إسرائيل وتعاونه مع الولايات المتحدة.
المتأمل في أعماله التي أنجزها بغزارة في السبعينيات يدرك فيها مناطق للتحول تكشف عما تسميه محررة الكتاب رلى الزين «رغبته في التمرد والمقاومة، والانحياز للبساطة، ورغبته في تأكيد المساواة، فضلاً عن التنوع بين التصوير والحفر والطباعة الحجرية «ليتوغرافيا»، كما تشير الى رغبته في الابتعاد عن القوالب الفنية الجاهزة. فقد أسقط الطبيعة من أعماله، معتبراً أنّها قيمة تافهة في مقابل الإعلاء من شأن الإنسان».
لعل القيمة الأهم في إعادة الاعتبار لعبد الله تأتي من نجاح أسرته في دفع وزارة الثقافة المصرية إلى إخراج لوحاته من المخازن وعرضها في معرض عام بعدما تعرضت للحجب سنوات طويلة. للمرة الأولى، كُشف عن لوحة بعنوان «الغيبوبة»، أقرب الى جدارية وتجهيز في الفراغ نفّذه الفنان بخامة الحرير التي رُصِّعت بوريقات كتبها الفنان للتعبير عن مزاجه المتدهور عقب قراره بالعودة الى مصر قبيل وفاته عام 1985. تظهر الجدارية إحباطاته الشخصية، إذ كتب بطريقته كلمات مثل «البلادة» و«القهر» و«المرارة» رغم أنّه أنهاها بالأمل.

*«تحية إلى حامد عبد الله»: حتى 15 آذار (مارس) ــ «غاليري أجيال» (الحمرا ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/345213




zoom | حواريّة الشرق والغرب

بخلاف الأعمال التشكيلية المجهولة لعبد الله، يكشف كتاب «عين الروح ـــ الرسام عبد الله» عن انشغالاته النظرية وتأملاته التي صاغها بشأن مشروعه الفني وهي في أغلبها تمثّل محاورات طويلة مع تجارب عالمية تضعها زوجته كريستين في سياق تطويره لمفاهيم أرّقته عن «الكلمة الخلاقة» وتركز مساهماته في الأساس على التأثيرات المتبادلة بين الشرق والغرب.
وفي محاولته لفهم أعمال سيزان وبيكاسو وبول كلي، كان يبحث عن ذاته ويجيب بما لديه من موروثات تؤكد النزوع التجريدي لدى الفنان المسلم، وهو نزوع طورته التجريدية الغربية كما يعتقد في مقال نُشر في الكتاب تحت عنوان «أوروبا ودرس الشرق».
في السياق نفسه، يضم معرض «أجيال» مختارات من أعمال الفنان منذ الأربعينيات حتى الثمانينيات، وكتبت رلى الزين أنّ «أعمال عبد الله تحكي عن التمرّد والمقاومة، الظلم والأمل، الفلاحين والناس العاديين، الثورة، والمساواة بين الرجل والمرأة، الموت والروحانيات... تيمات تنهل من بيئته الأم، ومن ماضيها الفرعوني، والقبطي والإسلامي، لكن أيضاً من الحياة اليومية في الشوارع والمقاهي. على مدى أكثر من خمسين عاماً، عمل حامد عبد الله بلا كلل، تاركاً عدداً كبيراً من اللوحات والرسوم والأعمال الليتوغرافية التي تشكّل اليوم شاهداً على بحث دؤوب ومستمر وإبداع لا يعرف حدوداً».