في طريقنا لزيارة أحد مواقع تصوير مسلسل «بلا غمد» (سيناريو عثمان جحى بالشراكة مع مؤيد النابلسي، عن فكرة لبشّار بشير)، دخلنا في متاهة الأزقّة الضيّقة لحي «الأمين» الدمشقي، وصولاً إلى بيتٍ صغير يستكمل فيه المخرج فهد ميري تصوير مشاهد العمل الذي تنتجه «المؤسسة العامّة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني». يتعاون أهل الحارة مع فريق التصوير، بحيث لا تؤثّر عليه أصوات مرح أطفالهم الذين يستثمرون عطلة منتصف العام الدراسي باللعب. مشهد تطغى عليه لحظات فرحٍ مسروقة من الحرب، بينما تحاول عدسة ميري في البيت المجاور القبض على «جوهر الشخصية السورية، لردّ الاعتبار إلى شخصيّات استثنائية لعبت دوراً أساسياً في مواجهة الفكر التكفيري، والوقوف في وجه تمدّد خطر الإرهاب على مستوياتٍ عدّة».
تدور أحداث «بلا غمد» (عنوان مبدئي)، ضمن إطار استخباراتي ــ اجتماعي حول ضابطٍ في الجيش السوري كُلّف بملاحقة «إرهابي» اغتال مسؤولاً في مدينةٍ سوريّة، وهرب إلى بلدةٍ ريفية مجاورة يتحصّن بها المسلّحون. ينجح الضابط مجد (محمد الأحمد) في دخول البلدة، ويعثر على سمير (كناز سالم) منفذ الاغتيال، ويسعى لمعرفة من يقف وراء تلك العملية. في خضم ذلك، يتعايش مجد مع السكّان الذين يعيشون ظروفاً أقوى منهم، ويتعاطف مع بعضهم ويحاول مساعدتهم، ويعاني انعكاسات ظروفه الاجتماعية والإنسانية، من دون أن ينسى مهمته الأساسية. يسيطر على البلدة الشيخ سعيد، ويؤدّي دوره وائل رمضان، انطلاقاً من رؤيته للشخصية بأنّها «ليست بنت لحظتها، بل لديها مرجعيتها، وانتماؤها، وثقافتها، وظروفها التي قادتها إلى ما انتهت إليه.

يصوَّر «بلا غمد» للمخرج فهد ميري في حي «الأمين» الدمشقي
فسعيد واحد من الأشخاص المهمّشين أو المهملين بشكلٍ أو بآخر قبل الأزمة، وقد يكون مظلوماً في وقتٍ من الأوقات، ثم أتى مَن استقطبه ووضع بين يديه إمكانيات ضخمة، ووجد فيها سبيلاً لتحقيق حلمٍ قديم، وأطلق كل ما لديه من سلبية وعدائية بشكلٍ أعمى». لكن ألا يمكن أن تنعكس مواقفك المعروفة من شخصياتٍ مماثلة تلعب أدواراً فاعلة في الحرب السورية اليوم على تقديمك لهذه الشخصية بصورة نمطية؟ يجيب رمضان عن سؤال «الأخبار»: «أعتقد أنّ لديّ ما يكفي من الموضوعية لتجاوز ذلك. مثل هذه الشخصيّات تستفزني حقيقةً، ويتعذّر عليّ التواصل معها في الحياة، لكن يمكنني محاورتها عن بُعد عبر الطريقة التي أؤدي بها الدور». وأشار رمضان إلى أنّ ميزة المسلسل تتجلّى في «تشريحه الموضوعي لنماذج اجتماعيّة سوريّة تعبر الأزمة وتتأثر وتؤثّر بها، بعيداً عن المباشرة، إضافة إلى الإضاءة على الجانب المعتدل من التيّار الديني، في مواجهة المتطرّفين الذين يمارسون سلبيتهم مرتدين ثوب الدين».
تشهد أروقة بيت «الشيخ سعيد» مواجهةً من نوعٍ آخر، بينه وبين زوجته خولة (ديمة قندلفت). تقف الزوجة ضد زوجها «لاعتباراتٍ أخلاقية وإنسانية، بعيداً عن أيّ اصطفافاتٍ سياسية»، وفق ما أوضحت النجمة السوريّة لـ«الأخبار»: «وخاصّة بعد أن يقرّر إغلاق المدرسة، وهذا أمرٌ يصعب عليها تقبّله كمعلّمة، إلى جانب ما تلاحظه من تحوّلات تطرأ على شخصيته، وإهماله لعائلته وتحكّمه بمصير محيطه، والسير به نحو الهاوية، ويفاجئها استكانته له، وتجد أنّها الوحيدة التي تقف في وجهه».
وقالت ديمة إنّ شخصية خولة تحمل الكثير من الإشارات، «فهي ليس لديها سلاح سوى العقل والوعي لتحارب سعيد ومشروعه الظلامي الذي لا ينبغي أن تترك مواجهته للجيش وحده. إذ يمكن للجميع من مواقعهم أن يحاربوا الجهل والإرهاب بكل أشكاله، على مستويات أخرى (اجتماعية، وفكرية، وثقافية) وإلّا لن يتحقق الهدف». وختمت قندلفت حديثها قائلةً «ثمّة رسالة مهمّة توجّهها خولة: إذا كان المحيط يسير ضمن توجّه معين، فليس بالضرورة أن يكون هذا التوجه صحيحاً، وأنا الخطأ، فقد يكون العكس هو الصحيح».
بعيداً عن موقع التصوير، أكّد الكاتب عثمان جحى أنّ مسلسل «بلا غمد» «يواجه الفكر التفكيري الذي تنامى أخيراً. تستند قصّته وأحداثه إلى واقعٍ ملموس يشرّح الأمور على حقيقتها عبر التعاطي مع فكرة النص ومعالجته. بينما نُعيد الاعتبار لصورة أبطال من الجيش العربي السوري، نشير إلى نقطةٍ مهمّة أنّه ليس كل مَن يعيشون بحُكم الظروف داخل مناطق خارجة عن سيطرة الدولة، هم حواضن للمسلحين. هذه الصورة الخاطئة قد تلاحقهم حتى في مراكز الإيواء رغم صعوبة ظروفهم، وفداحة خسائرهم بسبب ما يحدث». كما نوّه جحى إلى «كون المرأة نموذجاً إيجابياً بشكلٍ عام في هذا العمل، فالأزمة التي نعيشها أثبتت أنّ النساء السوريات يتحمّلن أكثر من الرجال، ويلعبن دوراً أساسياً في المواجهة».
في انتظار العنوان النهائي الذي سيستقرّ عليه صنّاع العمل، بالتوازي مع استمرار تصويره تمهيداً لعرضه في موسم دراما 2016، نشير إلى أنّ «بلا غمد» يضمّ على قائمة أبطاله أيضاً: ندين خوري، خالد القيش، مرح جبر، روعة ياسين، سوسن أبو عفّار، أسامة السيد يوسف، لمى الحكيم، علا الباشا، ربا المأمون...