المدهش الذي عزف لحن بهجتنا، هل عرف باكو دو لوثيا (1947 ــ 2014، الصورة) قبلنا، أنّ غرامنا آتٍ فعزف له ببهجة وجنون وحبّ؟ كانت إحدى مقطوعاته المدهشة سبباً لتواصل صار وصالاً دائماً بيني وبين حبيبي وزوجي. حزننا على دو لوثيا مضاعف. نشعر بأنّه فقد شخصي أولاً، وثانياً نحزن لأن عملاً لا ينتهي، كالعادة، جعلنا نفوّت حفلته الأخيرة في «مهرجانات بيبلوس» الصيف الماضي. فقدنا هذا الغجري الجميل المسكون بالفلامينكو. كلما شاهدت تسجيلاً له، شعرت بأنّ أصابع هذا الرجل هي جهازه التنفسي. هذا رجل يتنفّس أوتار غيتاره. لا أفقه كثيراً في الموسيقى، لكنّي أعرف أنّ فرانثيسكو غوستافو سانشيز غوميز (اسمه الحقيقي) أتقن خلق البهجة، سواء حين عزف بالفلامينكو أو الجاز أو الموسيقى الكلاسيكية.

يمكن أن يصغي المرء قليلاً الى ما تحكيه أصابع باكو بين الأوتار ليسمع قصصاً عن تاريخ اسبانيا والغجر والحب، الذي ما فارقه يوماً لكل شيء جميل. يقولون إنّ ذبحة قلبية فاجأته وهو يلاعب أولاده على الشاطئ. أفّكر في أنّها ميتة هانئة، وأنّه ظل حتى النهاية وفياً للطفل الذي بداخله. طفل عشق الموسيقى إلى درجة أنّه عزفها في سن الخامسة.

قال لي زوجي إنّه سيسمّي طفلنا باكو حين عرف بالخبر. على صعوبة طفولة مع اسم كهذا، الا أنّي أعيد النظر في أنه خيار صائب في زمن «داعش» واخواتها من التكفيريين. هذا اسم رجل أحب الموسيقى حتى آخر نفس في سنواته الستّ والستين. هذا اسم يمجد حبّ الحياة والارتباط بتاريخ أولئك الرحل الذين يشبهون حياتنا كثيراً. سيكبر ابننا فخوراً بهذا الاسم وسيرة صاحبه. اسم باكو بالاسبانية يعني الحرّ، وبلغة الهنود الحمر يعني الصقر. أما بلغة عائلتنا، فيعني البهجة. باكو دي لوثيا: سنظل نحب روحك الجميلة، ونسمع موسيقاك نخباً للحياة والجمال والدهشة المبهجة.
* إعلامية لبنانية