قد يبدو لبعضهم أن الحديث في موضوع السطو على مؤلفات كتاب في العالم العربي، قد أصبح مملاً، لكن هذا ليس كذلك للمتضررين. فقد رأينا قبلاً كيف أن أحد الفائزين بـ «جائزة زايد للأدب» سطا على رواية لكاتب هو في الوقت نفسه عضو في اللجنة التي منحت اللص الجائزة. هذا يوضح ضمن أمور عديدة أن قرارات تلك المؤسسة تصدر عن أفراد لا علاقة لهم بإسهامات المتقدمين للجوائز، وأنهم لا يمنحون الأعمال المقدمة لحظة من أوقاتهم الثمينة جداً! ما يوضح أن هدف تلك المؤسسات ليس دعم الثقافة، وإنما الهيمنة على عالم الثقافة في بلادنا ومن ثم الهبوط به إلى الحضيض.

وإذا كانت تلك الفضيحة التي تحدثت عنها بعض الصحف العربية تدعو للضحك، ليس بسبب الحادث نفسه وإنما الضحك على تلك المؤسسة التي أفردت الإمارات العربية ملايين الدولارات لها، فثمة تعديات أخرى على حقوق الكتّاب تفضح مدعي الحرص على حقوق الملكية الفكرية. على سبيل المثال، أشرت إلى قيام «دار رياض الريس» بإعادة طبع نسخة من مؤلفي «مصر وبنو إسرءيل في عسير» من دون العودة لي أو حتى تكليف القائمين عليها أنفسهم بإخباري. ولما علمت من طرف ثالث بصدور الطبعة، اتّصلت الدار بي عبر صحافية سورية تفرّغت وقتها للعمل في تلك الدار ورجتني عدم إثارة الموضوع وأن الدار تسعى لحل المشكلة. وافقت على ذلك، لكنني لم أتلقَّ أي اتصال آخر، مما دفعني إلى اللجوء إلى الصحافة، لكن من دون فائدة كأني أخاطب حائطاً. وعندما طلبت من مدير «معرض الكتاب العربي» في بيروت إجبار «دار الريس» على سحب النسخة من جناحها، تردّد، لكن القائم على الجناح رفض وقتها، ما أجبرني على التوقف عن زيارة المعرض منذ ذلك الحين.
وعندما لجأت إلى لجنة الحقوق الفكرية في اتحاد الناشرين العرب طالباً منهم التدخل وأرسلت لهم بناءً على طلبهم الوثائق ذات العلاقة، ساد صمت المقابر. لم يتصل المسؤول وقتها إلا بعد مرور عام كامل طالباً مني توفير الوثائق نفسها، ما دفعني إلى إهمال رسالته! لو أن هذا الأمر حصل في دولة يسودها القانون على نحو جدي، لتحرّك المدعي العام وفصل ذلك المسؤول، بل ربما صادر أموال الاتحاد بسبب عدم التزام إدارته بتنفيذ واجباتها وفق لوائحها. لكن الكلام في عمليات السطو على إصداراتنا يطول وهذا ليس مكانه.
على أي حال... ابتسم، فأنت في «المشرق».
القضية هذه المرة مختلفة، فقد أصدرت «دار قدمس» منذ سنوات طويلة الترجمة العربية لكتاب Death and Exile تحت عنوان «الطرد والإبادة: مصير المسلمين العثمانيين»، لأفاجأ بأن مؤسسة أميريية تضع الكتاب المترجم للقراءة والتحميل مجاناً! المشكلة ليست هنا، فمشروع «قدمس» ليس تجارياً في المقام الأول، لكن في أن الموقع يعرّف الناشر نفسه بأنه «جمعية أتراك السعودية ـــ من مكتبة عمرو توران/ amro turan» باللغتين العربية والتركية؛ انظر الرابط في الهامش، مع ملاحظة أن اللص حذف صفحة 2 من النسخة الرقمية التي تحوي معلومات عن النسخة والناشر وما إلى ذلك، ما يؤكد سوء نيته. بحثت عن هذه الجمعية العتيدة في الإنترنت، فلم أعثر على أي أثر لها. اتصلت بموقع الناشر (archive.org) موضحاً له حقائق المسألة، فلم يجِبني إلا بعد رسالتي الثانية التي حوت إنذاراً بأني سألجأ إلى القضاء في ألمانيا والولايات المتحدة، وطلب مني توفير مجموعة من الوثائق تتضمن قَسَماً مصدقاً من محامٍ بأن ما أقدمه من معلومات صحيح، وتحت طائلة العقاب القانوني. زودتهم برسالة من المؤلف الأميركي يؤكد فيها أن النسخة تعود إلى «دار قدمس»، إلا أن الموقع أصر على تقديمي الوثائق إياها. رفضت ذلك وأبلغتهم أنه كان عليهم طلب تلك الوثائق من الجهة التي زودتهم بالنسخة المسروقة وليس مني، لكن من دون فائدة. أبلغتهم أخيراً عدم استعدادي لتزويدهم بالوثائق البدعة وبأني سألجأ للصحافة.
بالمناسبة، أبلغتهم أن غلاف النسخة المسطو عليها يحمل لوغو «قدمس»، ولو كانوا منحوا المسألة منذ البداية أي جدية تعامل لانتبهوا إلى الأمر ولاكتشفوا أن صاحب موقع تلك الجمعية غبي لأنه لم يجد قراءة اللوغو العربي، لكن يبدو أن مستواهم الفكري ليس بأفضل من ذلك اللص. وقد راسلت ذلك اللص البوخاري الذي يبدو أنه من أزبكستان لأنه يكثر الحديث عن بخارى ولديه موقع، لكن، وكما هو متوقع لم يجب إلى الآن، ولن يجيب، كما كل اللصوص الذين يختفون فور اكتشاف جرائمهم، حتى لو كانت مرتبطة بالملكية الفكرية.

* ناشر «دار قدمس»
https://archive.org/details/DeathAndExileOttomans