ما زال هناك متسع من الوقت لإحصاء الخسارات السورية المتلاحقة. الحرب طويلة، ومن المؤكد أنّ الصحافيين هم الحلقة الأضعف فيها، وسيستمرون في دفع حياتهم فاتورة باهظة الثمن لهذه الحرب العمياء. يسقط الصحافيون تباعاً تارةً بنيران المعارضة المتطرفة، وطوراً في عتمة أقبية سجون النظام السوري التي لا تميّز بين معارض سلمي وآخر مسلح.


قبل أيام، تحوّل طالب كلية الإعلام والصحافي والشاعر الشاب معاذ الخالد (1991ــــ 2014) إلى خبر عابر سيكون الأخير في حياته، بعدما انضم إلى قائمة الموتى. وكانت أقبية المخابرات قد غيّبته لما يقارب سنتين، ثم فارق الحياة أخيراً متأثراً بما خلفته فيه «حفلات» التعذيب الجنونية.
الشاب السوري هو ابن الجولان المحتل، كتب عنه سابقاً الكثير من القصائد وحلم طويلاً بتحريره والعودة إليه بعد طرد الاحتلال الصهيوني، لكنّ «جريمته» التي لا تغتفر بحسب التوصيفات الأمنية كانت قراره الانخراط في الحراك السلمي منذ بدايته والمساهمة في تنظيم تظاهرات في مناطق دمشقية مختلفة منها برزة والقابون. السيناريو تكرّر كما حفظه السوريون عن ظهر قلب. في 4 حزيران (يونيو) عام 2012، توجهت دورية من فرع «فرع الأمن السياسي» لتعتقله من منزله في مساكن برزة، وينتقل بعدها إلى «سجن صيدنايا» ثم يتم تحويله إلى «العزل السياسي» في «سجن عدرا المركزي». أثناء اعتقاله، تناقلت مواقع الكترونية معارضة عدة أخباراً عن تدهور حالته الصحية، وفقدانه الذاكرة بعد خمسة أشهر من اعتقاله نتيجة التعذيب الشديد الذي كان يخضع له، خصوصاً أنّ شقيقه أسامة الخالد كان ضابطاً في الجيش السوري قبل أن ينشق عنه بعد اعتقال أخيه، ويلتحق بصفوف المعارضة المسلحة، ثم يسقط قتيلاً أثناء معركة ضد الجيش السوري في حلب. على الفايسبوك، سارع أصدقاء الراحل إلى تأسيس صفحات طالبت بالحرية له، فيما غاب عنها تأكيد أو نفي أي خبر يتعلق بصحة الصحافي الشاب وحياته وآخر أخباره أو مكان تواجده. لكنّ مواقع إلكترونية سورية وعربية أشارت في ما بعد إلى ما تم تداوله سابقاً عن تعرضه لفقدان ذاكرة في السجن، ثم تدهور صحته وإصابته بأمراض عصبية فارق على أثرها الحياة. بعدها، تلقّت عائلته الخبر المعتاد: «عليكم أن تتوقفوا عن السؤال عن حال ابنكم لأنه فارق الحياة، وعليكم أن تحضروا في أسرع وقت لتتسلموا أوراقه الرسمية».
قبل اعتقاله، خضع معاذ الخالد إلى دورة تدريبية في موقع «دي برس» الإلكتروني قبل أن ينضم إلى العمل في قسم المحليات في الموقع ذاته، وقد صدر قرار بفصله من الجامعة بسبب نشاطه المعارض رغم ما عرف عنه من تميّز واجتهاد.