في المراحل التاريخية لاشتداد الصراع الاجتماعي واحتدام التدافع بين الطبقات، كان العمل الفني دوماً شاهداً على صياغة مشهد هذا القتال الدامي، منحازاً في أغلبية الأصوات المعبّرة عنه لقوى المستضَعفين، فلو تأملتَ في تاريخ الفن والأدب، لن تجد أبداً —إلَّا فيما نَدُرَ — فناناً أو أديباً عظيماً يميل إلى جهة قوى الارتكاس والظلام. وفي قمة هذه التعابير الفنية المترجِمَة لآمال الشعوب وآلامها، كان للشعر الدور الأهم، لسهولة تداوله بالغناء والهتاف والغرافيتي إلى غيره من الأشكال التعبيرية التي تبتكرها القوى الحيّة في التحامها مع طليعتها الفكرية. هذا الملف هدية إلى صانع الحدث هذه الأيام، إلى الشعب اللبناني العابر للهويات القاتلة التي تَكَاَلَبَ عليه حَمَلَتُهَا والمُتَاجِرُونَ بها. فمن القُدُرَاتِ السحرية للشعر أنه، بتوازٍ مع الأحداث التي تفاعل معها في الماضي الذي أَفْرَزَهُ، يواصل، عمودياً، التماهي مع كل حدث مماثل، رغم فارق السنين والقرون.

(أ ف ب )


أدونيس: الشّعب
تجمّع الشّجر
أثقله الصّراخ والحنين كالثّمر
وهبّ في مسيره
حول ضفاف النّهر.
كان رعد يرجّه كأنّه الشّرر -
وصعق الشّجر
حزناً على طيوره الأسيره
في الجانب الآخر من خاصرة النّهر.
[ديوان اَلْمَسْرَحُ وَالْمَرَايَا، 1988.]

شيركو بيكه س: زواج
كلمة ربّيتها في مهد جمرة. وحينما كبرت، تزوّجت بسلاح أحمر الشّعر وأنجبت: ثورة.
[مجتزأة من ديوان «مرايا صغيرة: مختارات 1975-1985» ـ دار الأهالي ـ دمشق، 1988، ترجمة مجموعة من الأدباء الأكراد]

سركون بولص: جلاّد
أيّها الجلاّد
عد إلى قريتك الصّغيرة
لقد طردناك اليوم، وألغينا هذه الوظيفة
[ديوان اَلْوُصوُلُ إِلىَ مَديِنَةِ أَيْنْ، 1985.]

برتولت برشت: قبر جنديّ الثّورة المجهول
سقط جنديّ الثّورة المجهول. رأيت، في المنام، قبره. كان، في مستنقع، من حجرين. لا شاهدة. لكنّ أحد الحجرين بدأ يتكلّم: «الرّاقد هنا — قال الحجر — لم يذهب لغزو بلد أجنبيّ، وإنّما بلده. اسمه ليس معروفاً، لكنّ كتب التّاريخ تروي أسماء من هزموه. ولأنّه أحبّ أن يعيش كإنسان، قتل كحيوان متوحّش» لم تكن كلمات الحجر الأخيرة إلّا همساً، لأنّها كانت تنبعث من حنجرة مخنوقة؛ لكنّ العاصفة الثّلجيّة أسمعتها، في كلّ مكان، للّذين لفعهم البرد.
[من ديوان قصائد 3، منشورات L’arche، باريس، 1961. ترجمة: ر.و.]
روني شار: أوراق هيبنوس
القصيدة صعود غاضب؛ الشّعر، لعبة الحوافّ اليابسة للأنهار.
■ ■ ■
سينتهي الكلام، الزّوبعة، الثّلج والدّم بتشكيل ندى فضّيّ مشترك.
■ ■ ■
لا نقاتل جيّداً إلّا من أجل القضايا الّتي نقولبها بأنفسنا والّتي نحترق معها، بالتّماهي معها.
■ ■ ■
القبول ينير الوجه. الرّفض ينضره.
■ ■ ■
العينان، لوحدهما، ما زالتا قادرتين على إطلاق صرخة.
■ ■ ■
لن أكتب قصيدة قبول.
■ ■ ■
بقايا رماد حرق رفات البرد تكمن في النّار الّتي تنشد الرّفض.
■ ■ ■
ما يأتي للعالم كي لا يكدّر صفو شيء لا يستحقّ مراعاة ولا اصطباراً
[روني شار: أوراق هيبنوس، غاليمار، 1962. ترجمة: ر.و.]

إدواردو غاليانو: الطّبل
من سواحل أفريقيا، سافر حتّى أيدي وذاكرة عبيد مزارع أميركا.
منع هنالك. كان إيقاع الطّبل يفكّ من كانوا مربوطين ويعطي صوتاً لمن كانوا محكومين بالصّمت؛ وكان ملّاك النّاس والأرض متيقّنين أنّ هذه الموسيقى الخطيرة، الّتي تنادي الآلهة، تعلن التّمرّد.
لذلك كان الطّبل المقدّس غافياً، مخبّأ.
[إدواردو غاليانو: أبناء النهار، منشورات Lux، باريس، 2015. ترجمة: ر.و.]

عبد اللّه كوران: كرديّ
كيس تبغ، حفنة زبيب، فبندقيّة، ثمّ خلف صخرة؛ وليأت العالم، كلّ العالم.
[عبد اللّه كوران: الآثار الشعرية الكاملة، ترجمة عز الدين مصطفى رسول، دار الثقافة والنشر الكردية، بغداد، 2014.]

ناظم حكمت: أنشودة المنتشين بشرب الشّمس
إنّها أنشودة، أنشودة الّذين يشربون الشّمس في أزاهيـر الأرض. إنّها خصلة من الشّعر، خصلة شعر ملتهبة، تتجعّد وتحتـرق كشعلة حمراء دامية فوق الجباه السّمراء لأبطال عراة نحاسيّي الأقدام. لقد رأيت، أنا، هؤلاء الأبطال؛ واحتضنت كذلك تلك الخصلة. لقد عبرت معهم الجسر الذاهب إلى الشّمس، وشربت كذلك من أزاهيـر الأرض، وغنّيت تلك الأنشودة. لقد استمدّت قلوبنا نبضها من الأرض. لقد نفضنا غبار الكسل ممزّقين أفواه الأسود ذات الأعراف الذّهبيّة، وثبنا وامتطينا الرّياح البارقة. النّسور تنطلق من صخرة إلى صخرة، تخفق في الضّياء بأجنحتها المذهّبة. الجنود بأياديهم الملتهبة يضربون بالسّياط خيولهم الجامحة. ثمّة غزو، غزو للشّمس. فلسوف نأخذ الشّمس عنوة. لقد بات الاستيلاء على الشّمس وشيكاً. لقد ولدنا من التّراب، من النار، من الماء ومن الحديد. ونساؤنا يُرضعن أطفالنا الشّمس. ولحانا النّحاسيّة تفوح برائحة التّراب. سعادتنا حارّة، حارّة كالدّم، حارّة بقدر تلك اللّحظة الّتي تتوهّج في أحلام الشّباب. نحن نرتفع على رؤوس موتانا، أولئك الّذين علقت أطراف سلالمهم بالنّجوم، نرتفع صوب الشّمس. إنّ موتانا الّذين سقطوا قد دُفنوا في الشّمس. ولا وقت لدينا لنقيم لهم المآتم. فهناك غزو، غزو للشّمس! ولسوف نأخذ الشّمس عنوة. لقد بات الاستيلاء على الشّمس وشيكاً. والبساتين تتصاعد من عناقيد عنبها الأحمر أبخرة الدّم. ويلتفّ الدّخان متجمّعاً حول المداخن الحجريّة الكثيفة. لقد صرخ هذا الصّوت القائد الآمر. قوّة هذا الصّوت، هذه القوّة هي الّتي تضرب ستاراً على عيون الذّئاب الجريحة الجائعة، هذه القوّة ... هي الّتي توقفها حيث هي. فلتأمر، فلتأمر لنمت. نحن نشرب الشّمس في صوتك، ويهدر. أنا أهدر. فالفرسان الّذين تختـرق رماحهم ستر الدّخان للآفاق المحترقة يركضون. فهناك غزو. ولسوف نأخذ الشّمس عنوة. ولقد بات الاستيلاء على الشّمس وشيكاً. الأرض نحاس. والسّماء نحاس. فلنصرخ! هيا حطّم واصرخ بأنشودة الّذين يشربون الشّمس.
[ناظم حكمت: يَسَّاقَطُ الثلجُ، غاليمار، باريس، 1998. ترجمة: ر.و.]

سعدي يوسف: الشّيوعيّ الأخير يخرج متظاهراً
قال الشّيوعيّ الأخير: اليوم أخرج في مظاهرة
لطرد الاحتلال وصحبه...
ومضى إلى السوّق؛
اشترى متري قماش أبيض
استلف الطّلاء الأحمر الوهاج من رساّمة كانت تحبّ يديه،
ثمّ استعمل المنشار كي يتنصّف اللّوح الدّقيق..
وهكذا، خطّ الشّعار
وجرّب...
الأشياء محكمة تماماً!
وهو مندفع، وأهوج، مثل عصفور يطير للمرّة الأولى...
وها هو ذا!
تباطأ عند باب البيت
لفّ شعاره، وطواه مثل مظلّة في يوم صحو
ثمّ قال لنفسه:
حسناً!
لنفرض أنّ شخصاً جاءني مستفسراً... «من أيّ حزب أنت؟»
كيف أردّ...
أحزاب المدينة، كلّها، قد وقّعت بأصابع عشر: يعيش الاحتلال
ومرحباً بجنوده
وبنوده!
سأقول: إنّي حزب نفسي
إنّني أدعى الشّيوعيّ الأخير!
[سعدي يوسف: ديوان الشيوعي الأخير فقط، 2006]

يانيس ريتسوس: شعب
شعب صغير يقاتل بلا سيوف ولا رصاصات من أجل خبز الجميع، من أجل الضّياء والنّشيد، يحتفظ في حنجرته بصرخات فرحه وألمه، وإن حاول البوح بها انفلق الحجر.
[ديوان 18 أُنْشُودَةً لِلْوَطَنِ الْمُرِّ: 1968-1973، ترجمة: ر.و.]