لا يشبه وسط مدينة بيروت اليوم نفسه. في خرائط شركة «سوليدير» لا تظهر هذه الجموع، وفي الرسومات المنظورية لا تظهر صبية ترش كلمات نابية على الحائط. على الرغم من التخطيط الذي حرص مهندسو الوسط على أن يدخل في أصغر التفاصيل، لم يستطع مجلس إدارة شركة «سوليدير» وشريكتهم الطبقة الحاكمة أن يتوقّعوا تحويل هذه المساحة المسيّجة لما أصبحت عليه اليوم. هذا الجزء من المدينة الذي لم يكن مسموحاً دخوله على الطبقة العاملة والفئات التي جعلته مسرحها اليومي ومساحاتها العامّة الليلية، تمّ تغيير شكله ووظيفته اليوم بشكل كامل.



غيّر الحراك الشعبي، الذي بدأ منذ حوالى عام 2011 واستمرّ خلال التحركات الشعبية العديدة التي شهدتها المنطقة، وخاصة خلال ما يجري اليوم، شكل وسط المدينة، وقلَب بالذات وظيفته. من شوارع الوسط المعاد إعماره، حتى الأرصفة، والساحات العامّة، والمباني، القديمة منها والجديدة، والمواقع الأثرية، وواجهات المباني، تمّت إعادة رسم خريطة هذا المكان وتعريف مستخدميه.
من المهم أن نقرأ ما يجري اليوم في إطار استرجاع هذا المكان، ليس فقط لأن استرجاعه حقّ لنا، بل لأن الطريقة التي يتمّ فيها استرجاعه، أي من دون تخطيط، بمبادرة الناس فقط، تضرب عمق فكرة «سوليدير» كمشروع والتصوّر القائل بأن التخطيط يأتي «من فوق»، من المهندسين والمخططين، وينزل فرضاً على الشعب الذي يستخدمه من دون تغيير. سنناقش هنا التغيير الذي طرأ على وسط المدينة خلال الحراك الحالي، ثم نطرح فكرة تخطيط الشعب أو تخطيط العامّة.
أوّلاً، تبدّل مستخدمو المكان. فمن يمشي اليوم في هذه الشوارع والمساحات العامّة، هي وهو لا يشبهان بتاتاً من كانا في خيال المخطّطين يومها. هؤلاء كانوا بالذات، من أراد المخطّطون، ومن ورائهم أصحاب الشركة، أن يمنعوهم من دخول وسط المدينة. والفارق بين الـ «سيلويت» silhouette في رسومات «سوليدير» والأشخاص الحقيقيين الذين يحتلون ساحاتها اليوم، هو بالأساس، الطبقة. كان هدف الشركة بشكل واضح وأساسي، تأمين شرنقة للطبقة البورجوازية... شرنقة أمان ممّا يحدث حولها وبالذات ممّن يعيش حولها. فالطبقة العاملة والفئات المهمشة كان وجودها محدوداً في الوسط بكونها خادمة رأس المال، في المراكز المحدّدة التي سمح لها بالعمل فيها، لا باستخدام الساحات والأرصفة والمحلات والأبنية.


اليوم، نزل أهل القرى والمناطق، وجاء اللاجئات واللاجئون، حاملين لهجاتهم المختلفة وأغطية رؤوسهنّ المتنوّعة، وافترشوا الأرصفة. حتى الساحات التي تحصل فيها حفلات الـ «رايف» في الليل، وبعكس أغلب الحفلات في لبنان، يدخلها أهل المناطق مع أغنياء المدينة.
ثانياً، تغيّرت وظيفة المكان بالكامل ليضمّ ممارسات يُنظر إليها على أنها تنتمي إلى الأحياء الشعبية. افترش الشابات والشباب الأرصفة على حصائر ملوّنة مع نراجيلهم، ودخل بائعو القهوة والفول والذرة المشوية والكعك على عرباتهم وتوزّعوا بين الشوارع التي صممّت لتبدو وكأنها خارجة من بطاقة بريدية. اخترع الناس أعمالاً تدرّ عليهم القليل من المال خلال بقائهم في الوسط، منقلاً من الفحم مع ابريق شاي كبير في وسط الأبينة اللامعة، أو سندويشات مصنوعة في المنزل يبيعها طفل صغير على طاولة. خلال الليل، أيقظ المتظاهرون المدينة الميتة المهجورة. فبين مدينة أشباح نخاف المرور عبرها خلال الليالي العادية، هزّ المتظاهرون فتور الوسط وجعلوا منها مساحة للنقاشات السياسية والحفلات والتعارف و«كزدرة» ليلية للعائلات. تغيّرت الساحات العامّة التي كانت دائماً خالية من الناس. جلست العائلات تستريح على العشب الأخضر بعد نهار طويل من الهتافات، تراكض الأطفال بين الأشجار بصورة قلّما نراها في لبنان في مشهد يصلح لمسلسل مصري كلاسيكي.


وبين النراجيل والبائعين المتجولين، النقاشات السياسية والهتافات والغرافيتي، قضى المتظاهرون على النشاط الوحيد الذي صنع من أجله وسط المدينة، الشوبينغ، الاستهلاك من التسوّق واستخدام المقاهي حتى العيش داخل شقق بملايين الدولارات. استخدموا المدينة، أعادوا الحياة إلى وسطها، أجبروا السلطة التي صنعته بيد وهي تدفع بهم خارجه باليد الأخرى، على الهرب أمام مدّهم.
يقول هنري لوفيبر في كتابه «إنتاج المكان»، بأننا أصبحنا نفهم المكان أبعد من كونه «حاوية للعمل الاجتماعي»، وانتقلنا لرؤيته كنتاجٍ للـ «ممارسة المكانية». وقد عبّر محتلّو الوسط في الأيام القليلة الماضية، عن ممارسات مكانية هي غاية في الإبداع والفعالية. أعاد هؤلاء وسط المدينة إلى الاستخدام، أي إلى ذهن الناس، إلى خارطة المدينة: أصبح الوسط مكاناً يتوجّه إليه الناس من مختلف المناطق والفئات.
إن استعادة ثرواتنا من الطبقة الحاكمة تأخذ أيضاً طابعاً مكانياً. فيما تطرح التحركات الشعبية مطالبها، يتمظهر موقع الحراك في بيروت بالذات كجزء من هذه المطالب وكحركة سياسية.


فالمجال المفتوح في الأيام العادية للـ «شعب» كفئات مهمّشة وطبقة عاملة، هو ما يتمّ توسيعه اليوم. أي أن الشعب هذا يعيد رسم خارطة المدينة اعتماداً بالذات على الأماكن التي منع عليه ارتيادها. وهذا جزء من تخطيط العامّة الذي نطرحه والذي يبدأ بتغيير وظيفة الأرصفة التي صنعت لا لتمدّ الناس الحصائر عليها وتـ «أرغل»، حتى الشوارع التي أصبحت للمشاة، والزوايا التي احتوت البائعين المتجوّلين، ولا ينتهي بفتح المساحات المغلقة على الناس، وتحديد وظائفها بشكل يتناسب وحاجاتهم. لم يأت مهندس ليقول للشباب والشابات: «أنتم اجلسوا هنا وضعوا صحونكم على هذه الحافة، وأنتم امشوا هناك واصعدوا على هذه المصطبات». استخدم الناس المكان واستنتجوا من استخدامهم هذا طرقاً أفضل لاستغلال هذه المساحة أو تلك، وطوّعوا الأماكن لتتجاوب مع نشاطاتهم باختلافها. عند دخولهم إلى التياترو الكبير، ذلك المبنى البهي الذي استرجعوه، هم لم يسترجعوا المبنى فقط بل قرّروا كيفية استخدامه، أين يمشون وكيف وما النشاطات التي يقومون بها فيها. رشّوا على جدرانه «خبز، حرية، مسرح»، واحتلوا كل طبقاته وشرفاته، وجعلوا يعيدون بحركتهم هذه الحياة إلى مبنى أرادت السلطة حبسهم خارجه. أزالوا الألواح عن عقار حي غلغول، ودخلوا العقار المتروك منذ سنين بآثاره والأشجار التي نمت بينها، فأصبح ساحة لقاء هادئة خارج صراخ المظاهرات وهتافاتها، كحديقة كبيرة يتنّزه فيها أهل المدينة عند الغروب.
الفارق بين الـ «سيلويت» silhouette في رسومات «سوليدير» والأشخاص الحقيقيين الذين يحتلون ساحاتها اليوم، هو في الأساس، الطبقة


أعاد «الشعب» تخطيط وسط المدينة وتصميمه بما يتناسب مع حركته، ونشاطاته، وحرق بذلك خرائط المخطّطين الذين أرادوا يومها إزالة أي هامش يستطيع خلاله الناس تطويع وسط مدينتهم أو ليّه. كسر هذا الشعب المعترض على السلطة الحاكمة، وسط المدينة الذي أرادته السلطة جسماً قاسياً صلباً لا تهزّه حاجات الناس أو حركتهم.


نمشي اليوم في وسط المدينة، على الأرصفة العريضة بين الناس التي افترشتها لتؤرغل، وبسطات الشاي وعربات الفول والذرة المشوية، ونحن نحاول استيعاب التغيير السريع والفجائي الذي حصل لهذه المساحات. أصبحت مزدحمة بالناس والروائح والألوان، تعجّ بالحياة والصراخ والضحك. من الصعب تخيّل حالة مخطّطي هذه المنطقة اليوم وهم يشاهدون ما يجري فيها من تغييرات، من وراء الشاشات، على الأرجح من بنتهاوس ما في نيويورك. كم من صدمة تتالى عليهم وهم يرون شباب الضواحي وبناتها النحيلين يدبكون في الشوارع!