ليلة الخميس الفائت، اليوم الذي اشتعل فيه الحراك في الشارع، كانوا بضعة شبان على جسر «الرينغ»، وجوههم يملؤها اليأس والغضب مما يحدث عند نأي الناس بأنفسهم عن الشارع، وقبولهم بالضرائب المتراكمة على كاهلهم. نظرات وصرخات، نقلتها بعض وسائل الإعلام وقتها، على رأسها lbci، و«الجديد». اعتقدنا أن هذه الحركة الاحتجاجية ستنكفئ ويذهب كل شبانها الى بيوتهم. ومع تقدم ساعات المساء، ازدادت الأعداد، وتلاقت الصرخات في مناطق بعيدة عن مركزية العاصمة، وبدأ قطع الطرقات، وهبوب الناس الى الشوارع. حركة ما زالت حلقتها غامضة في كيفية انسجام هذه القوى الشعبية بعضها مع بعض، وانتشارها تحت سقف مطلبي واحد، مع كل التراكمات التاريخية السياسية والطائفية؛ تراكمات حوّلت اللبنانيين الى مجموعات متنافرة ومؤدلجة تحت عباءة الزعماء.



الدفق الشعبي كان أكثر بكثير ممّا استطاعت القنوات المحلية استيعابه، ممّا جرف معه كل أجنداتها، فاضطرت mtv متأخرة إلى مواكبتها، بعدما كانت ترسو على كوكب آخر، وتستكمل برمجتها بالشكل المعتاد. واليوم، ها هي ترتدي ثوب الثورة، وتتحدث باسم الثوار على الأرض! هكذا، انضمت محطة «المرّ» الى lbci وnbn و «الجديد»، وفضلت otv، التريث خوفاً على سلامة مراسليها... لنبدأ منذ اليوم الثاني للحراك، أي يوم الجمعة الفائت، بمشهدية تلفزيونية مكرّسة، تفتح هواءها لأكثر من 16 ساعة في النهار، مع تغييب للبرامج، حتى تلك الحوارية السياسية بشكل لافت، وأيضاً للمساحات الإعلانية.
الحراك في الأرض الذي اشتعل من شمال لبنان الى جنوبه، أربك القنوات في البداية، لكن مع تقدم الأيام وتغيّر الحدث السياسي، والمواقف الحزبية، بدأت تتظهر أجندات فاضحة، تتلاعب بالصورة وبالصوت والحدث وبأرض الميدان.
نحن أمام تسعة أيام من فتح الهواء المباشر والحيّ، وانتشار المراسلين في مناطق متعددة على طول الخارطة اللبنانية. فتح هواء بدأ بتكريس مساحة لأصوات الناس وصرخاتهم وشكاواهم من الأوضاع الحياتية والاقتصادية الصعبة، التي أنزلتهم الى الشوارع، ولأصوات أخرى، تتسم بالغوغاء والعشوائية، مع صعوبة في إمساك الهواء وضبطه مباشرة، كالاعتياد على الاستصراحات المتضمنة للسُباب والشتائم، أو حتى التي تندرج ضمن الاحتيال على المراسل لإيصال رسالة فكاهية كطلب أحدهم من والدته أن تطهو له الكوسا بلبن، أو كفتح الهواء لأحد المحتجين كي يشرح بالتفصيل كيفية حصول العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة وإسقاطها على نظرية الشعب/ السلطة! حتى اليوم، لم تملك وسائل الإعلام اللبنانية أي استراتيجية حيال ما يحصل في الشارع.


تفتح القنوات الرئيسية (mtv وlbci و «الجديد) هواءها منذ ساعات الصباح الأولى، وتقفله بعيد منتصف الليل، لنكون أمام مشاهد مكررة ورسائل وأسئلة للمراسلين ملّها المشاهد كالسؤال العبقري: «شو نزلت تعمل بالشارع؟»، أو كاستصراح المحتجين بعيد خطاب سعد الحريري وعرضه للورقة الإصلاحية، عن آرائهم بمضامينها من دون أن يعي هؤلاء أنّ مثل هذه «الإصلاحات» تحتاج الى خبير اقتصادي لتفنيدها، ولا يمكن أن يملك المحتج اللبناني أجوبة عنها! زادت رقعة الاحتجاجات، وزاد معها عدد المراسلين الميدانيين، حتى إن بعض المحطات استعانت بمذيعيها المكلفين بتقديم نشرات الاقتصاد مثلاً، ليغطوا التظاهرات.
طيلة الأيام الماضية، يستفيق اللبناني وينام على أصوات الاستصراح وانتقال الشاشة من مكان الى آخر، من دون أن تسعى هذه الشاشات الى إفراد مساحات مطلوبة للنقاش في السياسات الاقتصادية التي وصل اليها البلد، مع اختصاصيين أو حتى ضمن فريقها الداخلي، لبث مزيد من الوعي، إزاء ما يحصل وما أوصلت اليه هذه الإستراتيجيات البلد. ترك الهواء، لتعبئة الهواء بكل بساطة، مع تسجيل ظاهرة انكفاء الساسة عن الشاشات، بشكل لافت. إزاء كل حدث يطال هذا البلد، تلجأ هذه القنوات فوراً الى استضافة سياسيين و«محللين» ليدلي كل بدلوه على الهواء. هذه المرة، صرخات الناس كانت أقوى، ولم تجرؤ أي محطة على استضافة هؤلاء إلا بشكل خجول.
عدم تخصيص مساحات للنقاش في السياسات الاقتصادية التي وصل اليها البلد مثلاً

شاهدنا كيف أن «الجديد» خرقت تغطيتها بعد بث خطاب الأمين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله الأسبوع الماضي، باتصال هاتفي مع وليد جنبلاط للرد على الخطاب بعيد إعادة تموضع القناة، وتصويبها على نصر الله. وقد تجلّى ذلك في تغطيات متفرقة، قطعت فيه الهواء عن أي صوت يؤيّد الحزب. وقام مارسيل غانم في اليوم الثاني بفتح هواء برنامجه «صار الوقت» لعدد من النواب والشخصيات الحزبية، وعاد وأطفأ الأضواء عليها بعد تيقّنه من أن اللعبة انتهت، ليركب موجة أخرى أول من أمس، مع ارتدائه لباس الثورة! هكذا، تبدّت ظواهر تلفزيونية فرضها الشارع، على رأسها إقصاء أصوات الزعماء، من دون أن يترافق هذا الأمر مع بحث جدي في تقديم محتوى يتلاءم مع ما يحدث على الأرض. فضّلت الشاشات الركون الى الهواء المفتوح، الذي ــ بالتأكيد مع تقدم الأيام ــ يبعث الملل في نفس المُشاهد. نرى على سبيل المثال هذه القنوات تلجأ الى الاعتياش على إشكالات فردية تحصل في الساحات، لتقتاتها، وتصنع جواً من «الأكشن». ومن الظواهر أيضاً، إعادة تركيب المشهد المباشر، عبر تأمين صور جوية دائمة بانورامية من ساحة «الشهداء» مثلاً، لاستخدامها بغية تشتيت المتابع في حال كان مضمون ما يقوله المحتج لا يتلاءم مع الخط التحريري للقناة!