لطالما التصقت البرامج الكوميدية في لبنان بالسياسة، بصفتها جزءاً من المشهد التلفزيوني اللبناني. فصناعة التهكّم ــــ على الرغم من توزعه وتموضعاته السياسية ـــ ليست بأمر جديد على الشاشات. لكن، تبّدت أخيراً، ظاهرة لافتة، في حلول بعض وجوه صانعي البرامج المماثلة على ساحات الاحتجاج. نزل هؤلاء إلى الساحات مع تفاوت حضورهم وأماكن وجودهم، وكانوا جزءاً من مشهد الحراك الشعبي أو على ضفة نقيضة منه. لعلّ أبرز الحاضرين إلى الساحات منذ بداية التظاهرات، الكوميدي هشام حداد، الذي كان وما زال يشكل الوجه الأبرز بين زملائه. إذ لم يكن مشاركاً فقط في التظاهرات، بل كان متحدثاً لمرات عدة أمام حشد من الناس وعلى شاشات التلفزة، وإن حصرناها نقول lbci، المحطة التي يعمل فيها ويبث برنامجه المعروف «لهون وبس». حداد الناشط على تويتر بالتحديد، لم ينكفئ منذ اللحظة الأولى لاندلاع الانتفاضة عن الانخراط فيها. اعتبر بأنه يؤدي دوراً، مستخدماً تأثيره الجماهيري للتحشيد ولدعوة الناس إلى النزول ونبذ الطبقة السياسية الحاكمة.


شربل خليل أطل من جونيه، في زي الهوموفوبيا!

عدا صورته المكرسة ككوميدي ومتهكم على الشاشة، ظهر حداد في حلقات خارجة عن الكوميديا حيث برهن عن تمتعه برأس مسيّس وواع حول الأوضاع الاقتصادية والسياسية الحاصلة في البلاد. أول من أمس، انضم حداد إلى تظاهرة «مصرف لبنان»، وقال لإحدى وسائل الإعلام المتلفزة إنّ المصرف يشكل جزءاً من مسؤولية ما وصلنا إليه اليوم، عبر انصياعه لرغبة السياسيين. ودعا إلى إطلاق سياسات اقتصادية إنتاجية بدل الاستدانة. وقبل ذلك، وتحديداً في 20 تشرين الأول (أكتوبر)، حضر حداد في تظاهرة وسط بيروت إلى جانب الممثلتين كارمن لبس وأنجو ريحان. حمل مكروفوناً، وخطب أمام الناس، حول ضرورة استعادة الأموال المنهوبة وصوّب على الساسة بكونهم يريدون «تسكير الدّين» من جيوب المواطنين، وتحدث عن طبقة الأغنياء التي ظهرت بعد الحرب جراء «الصفقات المشبوهة». إذاً، وجه جديد ومختلف وبعيد عن أجواء الكوميديا، ظهر فيه حداد، ووضع في هذه التحركات الشعبية، جزءاً من ثقافة حاول إيصالها إلى الجموع تتعلق ببث الوعي في صفوفهم حول السياسات الاقتصادية مع انتقاد لبعض متسلقي الحراك الشعبي.
الوجه الكوميدي الثاني الذي شارك في التظاهرات الشعبية، كان الممثل وسام سعد أو من يعرف بـــ «أبو طلال». الأخير اكتفى بالمشاركة في تظاهرات متفرقة في بيروت وصيدا مسقط رأسه، وصرّح مرتين على شاشة «الجديد»، المنبر الذي يعرض برنامجه «عمشان شو». الأولى من «وسط بيروت»، في 17 تشرين الأول (أكتوبر)، أي في أوجّ الحركة الاحتجاجية هناك، والثانية يوم السبت الماضي في ساحة «دوار إيليا»، عندما قال متوجهاً إلى المحتجين: «هون في مية أبو طلال» وتخوّف من «سرقة الثورة» ولم ينأَ بنفسه عن باقي الشعب المقهور: «وضعي متلي متلن ومغتصب برزقي... نفس الوجع». بعد «أبو طلال»، ظهر المخرج والكوميدي شربل خليل (راجع الكادر). عبر تغريدات متفرقة له، اتخذ خليل موقفاً مغايراً للتحرك الشعبي، ومؤيداً لرئيس الجمهورية و«العهد».
تخوّف وسام سعد من «سرقة الثورة» ولم ينأَ بنفسه عن باقي الشعب المقهور

وقف خليل أول من أمس في ساحة جونيه، مخاطباً الجمهور العوني الذي تظاهر دعماً لرئاسة الجمهورية. كان التصويب الأساسي على «القوات» ونيتها العودة إلى حواجز الحرب وفق ما قال خليل. تحدث الأخير عن معاناته في الوصول إلى المستشفى لملاقاة والدته «التي تموت» بسبب إقفال الطرقات. جمهور شربل خليل هنا ـ الذي نقلت كلمته قناة otv ــــ كان محصوراً بجمهور حزبي معين، وبدت لهجته مرتفعة حيال «القوات» لا غير. إذاً، دخلت إلى المشهدية الحالية وجوه معروفة على الشاشة، تعمل ضمن ميدان الكوميديا، لكنها تفرقت أدواراً وساحات، بين مشاركة المحتجين و«قيادتهم» من جهة، وبين انكفاء حزبيّ من جهة أخرى. ونقلت تصريحاتها قنوات مختلفة تبعاً لتخندقها السياسي أو البرامجي.



هوموفوبيا
أول من أمس، أثار المخرج شربل خليل بلبلة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي. إبان إلقاء كلمته أمام الجمهور الداعم لرئيس الجمهورية ميشال عون في جونيه، تخلل كلامه اتهام مباشر لمجموعة فنانين وإعلاميين بأنهم يسعون من خلال الثورة إلى إقرار قانون للمثلية الجنسية. خليل توجه الى الحضور وقال له: «ما تتفاجأوا»، وأضاف: «كلنا إعلاميين وفنانين منعرف بعضنا كتار الي نزلوا على ساحات المظاهرات (..)، نزلوا إذ نجحت الثورة وأقرّ قانون بعيد عن الطائفية، بيقدروا يقروا قوانين لمثليتهم الجنسية». وأنهى هذا الجزء من كلامه، بالقول: «منعرف شو عم تفكرو مثليتكم الجنسية شياطينكم ومشروع ليلى تبعكم ما رح تمرق عم تجروا البلد على الدمار». مضمون لم يكن جديداً على أدبيات المخرج اللبناني، الذي لا ينفك بنبرة حادة هذه الأيام ـــ ممزوجة بالإسفاف والهوموفوبيا والتصويب على زملاء وزميلات له ــــ برمي السهام نحو المثلية الجنسية. وها هو يختارها كقضية بين كومة مطالب حقوقية اجتماعية - اقتصادية نزل الناس إلى الشوارع للضغط لإقرارها. وسبق لخليل أن مارس رهابه ضد المثليين في مرات عدة، أبرزها إبان الجدل الذي ساد حفلة «مشروع ليلى» في جبيل. وأخيراً، بعيد حلقة «صار الوقت» (mtv)، وكلام الدستوري شبلي الملاط، سأل خليل عبر تويتر: «ماذا حصل بين الملاط ومارسيل غانم بعيد الحلقة»!

أبو طلال مع المتظاهرين في صيدا

هشام حداد يطلق صرخة مدويّة في وسط بيروت ويدعو الحكومة للإستقالة فوراً