وسط جذوة الشعارات والمشاريع السياسية التي يضج بها الحراك اللبناني الراهن، ينبغي التركيز على ما يحويه الجزء الأنصع فيه ــ تمثله ذوات وجماعات تقدمية وكتَلٌ هلامية من فقراء المناطق الهامشية ــــ من وَهَجِ الانحياز لآلام وآمال المستضعَفين، مع أحقاد طبقية مشروعة ضد أوليغارشيا مالية تتكون من أغنياء الحروب الصغيرة ووكلاء الرأسمال العالمي. بعدما خصصنا، في الأسبوع الماضي، ملفاً للشعر العالمي الحديث و«غرافيتي مايو 68» اللذينِ يجدُ فيهما تمرد فئات شعبية عريضة، وقوى سياسية حية، صدى يَنْشُدُ وَيُنْشِدُ التحرر الاقتصادي والعدالة الاجتماعية وحقوقاً ثقافية تتمحور حول قيم الحرية، نخصص ملف هذا الأسبوع لمتن تراثي كان له، في الماضي، النصيب الأوفر في تحفيز حركات اجتماعية وفِرق سياسية على الانتفاض ضد سلطان الغنى الفاحش وكبت الحريات. متن التراث الصوفي الذي استلهمته قوى بصمت تاريخ المشرق، كالقرامطة والزنج والمانوية. بهذا الحس، وتحيةً للحراك اللبناني، اخترنا مقتطفات من قديم وحديث التصوف الاجتماعي، مع إشارتين من الكتب السماوية، ذلك أن «الدينَ في زمرة المحتجين» (ماركس).


فتحي حسن ـــ من سلسلة «ثورة» (حبر صيني وقلم رصاص على كرّاس ـــ 2013)


حكي أنّه كان وليّ منْ أوْليّاء اللّه تعالى يقال له أبو يزيد البسْطاميّ. وكان قدْ حجّ خمْساً وأرْبعين حجّة، ويقْرأ كلّ يوْم ختْمة. فبيْنما هو واقف على جبل عرفات، إذ قالتْ له نفْسه: من مثْلك يا أبا زيد! حججْت خمْساً وأرْبعين حجّة، وقرأْت عشْرة آلاف ختْمة. فنادى في الْحال: منْ يشْتري منّي خمْسة وأرْبعين حجّة حجّة برغيف خبْز؟ فقال رجل: أنا. فأخذ منْه الرّغيف، وألْقاه إلى كلْب فأكله.
■ ■ ■

سئل أبو يزيد البسْطاميّ: ما علامة العارف؟ قال: «إنّ الملوك إذا دخلوا قرْية أفْسدوها وجعلوا أعزّة أهْلها أذلّة وكذلك يفْعلون» [النّمْل: 34.]
■ ■ ■

باع الشّيْخ أبو القاسم الإسكندراني دابّة لرجل، فجاءه بعْد أيّام فقال: يا سيّدي، إنّ الدابّة التي اشتريْتها منْك لا تأْكل عنْدي شيْئاً. فسأله: ماذا تعاني من الأسْباب؟ (أيْ: ماذا تشْتغل؟). فقال: رقّاص عنْد الوالي. فقال له الشّيْخ: دابّتنا لا تأْكل الحرام.
■ ■ ■

قال أبو يزيد البسْطاميّ: كفْر أهل الهمّة أسْلم من إيمان أهْل المنّة.
■ ■ ■

حكى أبو يزيد البسْطاميّ قال: خرجْت إلى الحجّ، فرأيْت في الطّريق أسْود، فقال لي: يا أبا زيْد، إلى أيْن؟ فقلْت: إلى مكّة، فقال: الّذي تطلبه تركْته ببسْطام وأنْت لا تدْري، تطلبه وهو أقْرب إليك منْ حبْل الوريد.
■ ■ ■

قال أبو يزيد البسْطاميّ: أخذْت مخْلاتيْن، فعلّقْت إحداهما خلْفك، وجعلْت فيها ما لنفْسك؛ وعلّقْت ثانيتهما، وجعلْت فيها ما لغيْرك.
■ ■ ■

حكى البسْطاميّ قال: خرجْت إلى الْحجّ فاسْتقْبلني رجل في بعْض المتاهات، فقال: أبا يزيد، إلى أيْن؟ فقلْت: إلى الحجّ. فقال: كمْ معك من الدّراهم؟ قلت: معي مئتا درْهم. فقال: فطفْ حوْلي سبْع مرّات، وناولْني المئتيْ درْهم، لأنّ لي عيالاً. فطفْت حوْله وناولْته الْمئتيْ درْهم.
■ ■ ■

نحْن في لذّة لوْ عرفها الملوك لقاتلونا عليْها بالسّيوف [متصوّف مجْهول]
■ ■ ■

إني امرؤ عافي إنائي شركة/ وأنتَ امرؤ عافي إنائِكَ واحدُ/ اتهزأ مني أن سمنت وأن ترى/ بوجهي شحوبَ الحقِّ، والحقُّ جاهد/ أُقسّمُ جسمي في جسوم كثيرة/ وأحسو قراح الماء والماء بارد [عروة بن الورد]
■ ■ ■

عجبت لمن لم يجد قوت يومه ولم يخرج شاهراً سيفه. [قولٌ تضاربت نسبته بين علي بن أبي طالب وأبي ذر الغفاري].
■ ■ ■

إنَّ الإنسان إذا أراد الحج، أفرد في داره بيتاً وطاف به أيام الموسم، ثم جمع ثلاثين يتيماً وكساهم قميصاً قميصاً وعمل لهم طعاماً طيباً فأطعمهم وخدمهم وكساهم، وأعطى لكل واحدٍ سبعة دراهم أو ثلاثة، فإذا فعل ذلك قام له ذلك مقام الحج. [الحلاج]
■ ■ ■

أن تكون حراً هي إرادتك بالحرية في داخل نفسك. فالحرية لا تصدر بمرسوم. والحرية لا تُعطى. إنها تماماً كالينبوع الذي يتفجّر من أعماق الأرض ليفرض نفسه. فالينبوع عندما يتفجر لا يأخذ رأي هذا ولا يأخذ رأي ذاك، ولا يتقبّل أي اعتراض من أرض جديبة هنا أو أرض خصيبة هناك. هو يعطي، لأن العطاء سر ذاك الينابيع. والشمس تعطي النور والدفء والحرارة والحياة. لأن ذلك سرّها. والإنسان في إنسانيته، التي تمثّلها حريته، حرية أن تقول «لا» حين تكون الـ «لا» فكرك، حتى لو قال العالم نعم. وأن تقول الـ« نعم» لو كانت الـ «نعم فكرك»، حتى لو صاح العالم كله «لا». ليست المسألة أن تكون أنانياً، ولكن المسألة أن تكون إنسانياً، تستمع إلى العالم، هذا يفكّر بطريقة، فتناقش تفكيره وذاك يفكّر بطريقة وتناقش تفكيره، ثم تحاول أن تؤصّل فكرك من خلال ما تملك من معطيات الفكر. ولذلك، أن تكون إنساناً، يساوي أن تكون حرّاً. [محمد حسين فضل الله]
■ ■ ■

الحرية أن لا يكون العبد تحت رق المخلوقات، ولا يجري عليه سلطان المكونات. [القشيري]
■ ■ ■

وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ. [القصص: 5]
■ ■ ■

مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله. [مرقس، 24:1ـ25]

المصادر والمراجع
● بدوي [عبد الرّحمن]، شطحات الصّوفيّة: أبو يزيد البسْطامي، دراسات إسلامية 9، وكالة المطبوعات، الكويت، 1978.
● البسْطاميّ [أبو يزيد]، المجموعة الصّوفيّة الكاملة ويليها كتاب تأْويل الشّطح [تحقيق وتقديم: قاسم محمّد عبّاس]، دار المدى، دمشق، 2004.
● السّهلجيّ، النّور من كلمات أبي طيْفور، ضمن كتاب بدوي [عبد الرّحمن]، شطحات الصّوفيّة: أبو يزيد البسْطامي، دراسات إسلامية 9، وكالة المطبوعات، الكويت، 1978.
● العلوي [هادي]، مدارات صوفيّة: تراث الثّورة المشاعيّة في الشّرق، دفاتر النهج، دار المدى، دمشق، 1997.