«فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَالٍ بِحَقّ،

أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ

فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أخطئ،

وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي»

(علي بن أبي طالب، نهج البلاغة)



كان الحوار محتدماً في فناء مبنى «اللعازارية» في إحدى ليالي بيروت. شباب يتداولون في مستقبل الدولة في لبنان، ومآلات التظاهرات، وإمكانية نشوب حرب أهلية بين فئات لم تعد تستفيد من نِعم السلطة كما في السابق. الآن بدأوا باكتشاف أنفسهم، وأنهم فعلاً لم يعودوا واثقين بمن تكفل سابقاً بحمل «أمانة البلد»، وقد أخذوا يفكرون بما ينتظرهم إن لم يتمكنوا من فعل شيء وانتهى غضبهم لأن يكون ذكرى وغرافيتي على الجدران. استفاقوا على الكارثة وبوطأتها سألوا: ما العمل؟
ألم تلاحظوا أننا بدأنا بالتساؤل عن الدولار والتحكم برأس المال وهيكلة الدين العام؟ وأن قنوات جديدة للنقاش العام بدأت تتبلور؟ وأن الشارع استضاف عدداً من المحاضرين والخبراء الاقتصاديين ومعارضين يساريين، بالإضافة إلى تلك الحوارات العفوية أو المنظمة التي كان يجريها المتظاهرون في ما بينهم بعيداً عن زحمة الشعارات وعدسات الكاميرات. لكنّ أمراً أساسياً كان يتوارى بعيداً عن كل ما شهدناه وسمعناه في صخب الشارع ورزمة المطالب: السياسة. الجميع متّفقٌ على المطالبة بحقوقه. لكن، يطالب من؟ إن كان السواد الأعظم لا يثق بالزمرة الحاكمة، ويعتقد أن الدولة في لبنان لم تنفصل بعد عن أساطير الجماعات ولم تستقل عن معاييرها، ولم تشكل وحدة كاملة وإرادة كلية تحكم بالقانون، فمن يطالبون؟ إنني أفترض أن التظاهرات لم تكن واقعاً للمطالبة بالحقوق، بل رفضاً مطلقاً للتعامل مع الحاكمين بوصفهم حاكمين في دولة. إنه اعتراف في مجال عام موضعي بأن الدولة غير متحققة، وبهذا يمكن فهم شعار «الشعب يريد تغيير النظام» بأنه إعلان صريح بسحب الشرعية الشعبية عن الطبقة الحاكمة، وتصريح بأن نظام الدولة لم يتحقق. إنها لغة رفض الاعتراف بالقائم الحاضر، لا لغة المشاركة بالمستقبل. وإن كان المستقبل لا يتحدّد إلا بالسياسي، فإن مدخل الرفض كان الاقتصادي الذي يشكل مشتركاً بين مختلف الهويات. لقد حاصر المتظاهرون السياسي بالاقتصادي، كي يرفعوا التهديد عن اجتماعهم الجديد الناشئ ويترفعوا عن التباينات السياسية التي لا تخفيها إلا المطالب الإنمائية والحقوقية، ولكن لفترة محدودة فقط.

(هيثم الموسوي)

تمنى كثيرون من المتظاهرين طرح مطالبهم بشكل واضح، ودعوهم لأن تكون أهدافهم موضعية وواضحة وقابلة للقياس. وفي هذا افتراض مضمر بأنّ هناك من يأخذ مطالبهم على محمل الجد وأن هناك دولة تستمع لهم، وهو منطق يطلب من الجماهير ما يُطلب من الأحزاب أو النقابات أو الاتحادات العمالية. أليس من المستغرب أن لا تجمع المظاهرات المطلبية التي دعت إليها النقابات والأحزاب السياسية المعارضة في السنوات الأخيرة مقدار عشرِ من اجتمع لـ«تغيير النظام»؟ أفترض أن كل من يدعو لإقامة تظاهرات مطلبية في لبنان، بأهداف واضحة وإجرائية، ينطلق من مسلّمة أن المجتمع اللبناني ينتمي للحداثة، وبالتالي فإن بإمكان النقاش والتداول والضغط في المجال العالم أن يؤدي إلى تغير العلاقات بين المجتمع المدني والسلطة السياسية. فـ «المجال العام هو محل إحكام الآراء العقلانية التي ينبغي أن ترشد الحكومة» كما يقول الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور. وبالتالي هو مجالٌ للتخاطب والتداول باللغة العقلانية، الأمر الذي سيفرض تبدلاً لعلاقات العنف والقوة في علاقات الحوار والجدل. إنهم يريدون الاتفاق على أهداف عملية وواضحة وقابلة للتنفيذ، أي يريدون من المتظاهرين ومؤيدي التظاهرات أن يتصرفوا بعقلانية وأن يستبدلوا العنف بالحوار، ويتوقعون منهم إقصاء السياسة عن تظاهراتهم، ويطالبونهم بالتواضع أي الانسياق إلى تصورات وهمية بأن هناك في لبنان ما يدعى مجالاً عاماً أو رأياً عاماً، وبالتالي ينزعون منهم الاعتراف بأن هناك دولة يمكن التأثير على قرارها من خلال المجال العام، لا بل دولة حديثة كذلك. إن كنا سنتبنى شروط تايلور للمجال العام (لاموضعي، خارج السياسة، علماني)، فسنكتشف أن أي حديث عن مجال عام في الحالة اللبنانية ليس إلا استعارة مفهومية أسقطت على الواقع (هذا لا ينفي وجود بعض السمات المتشابهة مع المجال العام في الدول الحديثة).
وقف علي بن أبي طالب ليخطب في جيشه في صفين، وإذا بأحدهم يقاطعه ليمدحه ويثني عليه ويتزلف له. استاء الإمام، وطالب الناس بأن لا يحدثوه بما يحدثون به الجبابرة، وسألهم المشورة وزرع في قلوبهم الشك في قراره (إذ قد يكون مخطئاً في حربه مع معاوية). كل ذلك وهو أمام فتنة ستغير مصير الإسلام إلى الأبد، وحرب تقتضي نفي كل شك ووأد كل سؤال فاتن. اليوم، هناك من يطالبنا بجعل السياسة ولاية، أو أن يقدِّم «مكافحة الفساد» على مشروع بناء الدولة (وكأن «الدولة» الراهنة تستطيع الاستمرار ليوم واحد بعد وقف الهدر واستعادة الأموال المنهوبة). إن ما حدث ليس إلا بداية، والعنف الذي حدث في الأيام الأولى لم يكن إلا وسيلة «لإضفاء طابع درامي على المطالب وإيصالها إلى الرأي العام لافتاً نظره إليها» كما كتب حنة أرندت. لكن من يدري كيف ستكون في الأيام المقبلة؟ أليس علينا أن نستعيد التفكير بالسياسي فقط بعيداً عن وهم الحقوق والمطالب؟