كيف تعامل المثقفون والمفكرون والشعراء والروائيون مع الثورات التي عايشوها في التاريخ؟ هل يبقى موقفهم ثابتاً منها ومن صانعيها؟ من الثورات القديمة مثل ثورة القرامطة الذين أخذوا الحجر الأسود عنوة من مكة إلى «هجر» عاصمتهم في الإحساء التي أعلنوا فيها الدولة الشيوعية الأولى في تاريخ المسلمين، ما كان موقف إمام المعتزلة ممن يسمّون بثوار العقل من ثورة السيف؟ هل كانت الثورة الفرنسية «رعباً أنقذ الحرية» كما وصفها فيكتور هوغو في كتابه «ثلاثة وتسعون»؟ أم سيكون لمفكر معجب بالملكية الإنكليزية ومنظر سياسي عاصرها اسمه ادموند بيرك رأي آخر؟ كيف تحمّس ماياكوفسكي للثورة البلشفية في بداياتها، ليعود ويسخر من شعاراتها في مسرحية قبل أن يقضي انتحاراً؟ كيف اختلف ثالوث فرنسا الفكري المقدس، سارتر وكامو ودوبوفوار حول ثورة الجزائر؟ كيف وصف ماركيز فيديل كاسترو بقصة قصيرة حول صيد السمك؟ في رحلتنا حول مواقف المثقفين من الثورات وقادتها، سنعثر على مفارقات عجيبة: لم تقنع ثورة الخميني أحمد شاملو، أكبر شعراء إيران فكتب: «الشيطان منتشياً بالنصر يحضر مجالس تأبيننا لا بد أن نخفي الله في البيت»، بينما تحمّس أدونيس للثورة نفسها في بداياتها، فكتب في افتتاحية جريدة «السفير»: «شعب إيران يكتب للشرق فاتحة الممكنات»، وهاجم الشاعر المصري صلاح عبد الصبور جمال عبد الناصر الذي انتقل بثورة الضباط الأحرار إلى الدولة القومية بمحاسنها وأضدادها ووصفه بـ «ذي الوجه الكئيب»... ليعود فيرثيه عند موته كما فعل زميله الأبنودي الذي دفعته ثورة السادات المضادة للقول: «لكن العفن وفساد القوم نساني حتى زنازينه». ستبقى الثورة الزهرة النارية والوردة الوحشية كما تقول فيروز، من ثورة العبيد في روما حتى «الربيع العربي» في بلادنا وساحتنا، حين تحصّنها الحرية ويصونها الوعي من أن تطلق النار على رأسها، فتكون حينها كالسنونو الذي يظن أنه يصنع ربيع الآخرين، كما يقول الشاعر السوري نزيه أبو عفش، وهو يصنع خريف نفسه.

ملصق ترويجي سوفييتي: ديكتاتورية البروليتاريا (1918)

1- ثورة القرامطة

القاضي عبد الجبار المعتزلي:
مَنْ بالأحساء مِنَ القرامطة والباطنية لما غلبوا شتموا الأنبياء، وعطلوا الشرائع، وقتلوا الحجاج والمسلمين حتى أفنوهم، واستنجوا بالمصاحف والتوراة والإنجيل.
الرحالة ناصر خسرو:
هم لا يأخذون عشوراً من الرعية، وإذا افتقر إنسان أو استدان يتعهدونه حتى يتيسر عمله، وإذا كان لأحدهم دين على آخر لا يطالبه بأكثر من رأس المال الذي له، وكل غريب ينزل في هذه المدينة وله صناعة يعطى ما يكفيه من المال حتى يشتري ما يلزم صناعته من عدد وآلات، ويرد إلى الحكام ما أخذ حين يشاء، وإذا تخرَّب بيت، أو طاحون أحد الملّاك، ولم تكن لديه القدرة على الإصلاح أمروا جماعة من عبيدهم بأن يذهبوا إليه ويصلحوا المنزل، أو الطاحون، ولا يطلبون من المالك شيئاً، وفي الحسا مطاحن مملوكة للسلطان تطحن الحبوب للرعية مجاناً، ويدفع فيها السلطان نفقات إصلاحها، وأجور الطحانين.

2- الثورة الفرنسية

ألكسي دو توكفيل:
زمن الشباب والحماس والشهامة والعواطف النبيلة الصادقة، ذلك الزمن الذي ــ رغم أخطائه ــ سوف يحتفظ الناس بذكراه إلى الأبد، والذي سوف يقضّ ــ على امتداد وقت طويل قادم ــ مضاجع أولئك الذين سوف يسعون إلى إفساد هذه الأشياء أو كبحها

فيكتور هوغو:
أنت التي بالرعب أنقذتِ الحرية. أنت التي تحملين هذا الاسم المعتم: أحجية. في التاريخ الذي تبرقين فيه مثل القرن المشتعل، تبقين وحدك إلى أبد الآبدين، عملاقة الثلاثة والتسعين! ولا شيء على ضخامتك لن يأتي أبداً من بعدك

المفكر الإنكليزي إدموند بيرك:
 الأهمية الاجتماعية التي يكتسبها الأفراد المتحدّرون من عائلات ثرية لا تسمح بأن تُمنح الدولة هذا الدور التوزيعي الذي يهدف إلى إرساء «العدالة الاجتماعية» على حساب أصحاب الأملاك الكبار... اللامساواة هي ميزة كل حكم.
لذا، لا بدّ من حماية الأملاك الكبيرة ضدّ كل ما قد يهدّدها. بدلاً من حماية أصحاب الأملاك الكبيرة، فقد اختارت الثورة الفرنسية تشجيع الأفراد والطبقات الوسطى والطبقات الأخرى التي تتسلّق السلم الاجتماعي على حساب هؤلاء الذين يحتلون مناصب ومكانة مهمة في قلب المجتمع. وعلى رغم أنّ طبقة النبلاء لا تمانع تسلّق الأفراد الموهوبين السلم الاجتماعي، فإنّه يفضّل أن لا تكون السلطة والعَظَمة سهلتي المنال بالنسبة إلى الرجل «العادي البسيط».

3- الثورة البولشفية

فلاديمير ماياكوفسكي:
أيها الزمن سأشرع في تاريخ لينين
لقد حان اليوم للألم القاصم
أن يستحيل أسى ووعياً ونوراً
أيها الزمن أعد جمل لينين العاصفة،
أعلينا أن نذوب في دموعنا الغزيرة
عندما يكون لينين، دائماً، أعظم من أي حي آخر؟
(ترجمة مروة التجاني)

فلاديمير ماياكوفسكي:
حسناً! الآن جميع الرّجال على المسرح. اركعوا على ركبةٍ واحدة، احنُوا الظهور وطأطئوا الرّؤوس. يجب أن تبدوا مستعبَدين، تمام؟ انهالوا بمعاولكم الوهميّة على الفحم الحجريّ الوهميّ. أشدّ بؤساً، أنت هناك، يجب أن تبدو أشدّ بؤساً، فإنّ القوى الظلّامةَ تقهرك.
وأنت هناك أنت تمثّل «رأس المال». قفْ هناك، أيّها الرفيق، «رأس المال». سوف تؤدّي لنا رقصةً قصيرة تمثّل «القهر الطّبقيّ».
النساء على المسرح الآن. أنتِ سوف تكونين «الحرّيّة». أخلاقك الحميدة تخوّلكِ ذلك. وأنت تستطيعين لعب دور «المساواة»، ليس مهمّاً من يمثّل هذا الدّور، أليس كذلك؟ وأنتِ، يا عزيزتي، ستمثّلين دور «الأخوّة»، فلستِ تستثيرين من المشاعر إلّا هذا الشّعور! جميعكنّ مستعدّات؟ هيّا! انفثن الجماهير الوهميّة بحماستكنّ الوهميّة! حسناً! حسناً!

أوسيب مندلشتام
نعيشُ صُمّاً فلا نسمع ما تحت أقدامِنا
بل كلامُنا لا يُسمع على بعد عشر خطوات
في حين جَبليّ الكرملين يُذكر
في أيّ حديث مهما ابتسر.
غليظةٌ كالديدان أصابعُه الزفِرة
ومن شفتيه تتساقط كلمات فصيحة
ثقيلةٌ كعيار الميزان
له شوارب صُرصارية هزّاءة
وجزمةٌ طويلةُ الساق من جلدٍ لمّاع.
حواليه قادةٌ أعناقُهم أعناق الدجاج؛
أنصاف رجال يلعبُ بهم ويداهنهم
فيصهلون، ويتأوّهون، ويموؤن
كلُّ إعدامٍ وليمةُ توتٍ أحمر
تملأ صدرَه بالانشراح والغرور
وصدر الجيورجي أوسع الصدور!
(ترجمة عبد القادر الجنابي)

4- الثورة الثقافية الصينية

جان بول سارتر:
بالنسبة إلى الماويين [...] فإن العنف الثوري حين يولد في أوساط الجماهير يكون مباشرة عنفاً أخلاقياً بعمق لأن العمال الذين كانوا حتى تلك اللحظة موضوعات للاستبداد الرأسمالي، يصبحون ولو لحظة واحدة ذوات تاريخهم.

آلان باديو:
الثورة الثقافية (الصينية) هي الحدث السياسي الأكثر أهمية في النصف الثاني من القرن العشرين. انطلاقاً منها، ولكن خاصة من الأسباب العقلانية لفشلها، نستطيع ويتوجب علينا التفكير بالدخول فيما يمكننا تسميته بـ«المرحلة الثورية الثالثة» للفكر الشيوعي. الثالثة بعد مرحلة التأسيس الماركسية الأولى في القرن التاسع عشر والمرحلة اللينينية للتجربة الأولى التي تكسرت على صخرة معادلة الدولة/الحزب.

المؤرخ الصيني لي جن شنغ:
ملايين المثقفين والمسؤولين الحكوميين تم إرسالهم إلى الريف للتعلم من الجماهير والقيام بالأعمال الشاقة، «فالعمل القذر يغسل الفكر القذر»، كما قال الزعيم ماو. لكن المتضرر الأكبر كان الموروث الثقافي الصيني. آلاف المواقع الأثرية والتاريخية والدينية سويت بالأرض وآلاف الكتب القيمة والقديمة تم إحراقها باعتبارها موروثاً «إقطاعيا ورجعياً»، فالثورة التي قامت لدفع الثقافة وإعلاء شأنها انحرفت عن طريقها وأدت إلى تحطيم الثقافة واختزالها في الكتاب الأحمر الذي بات الدواء الذي يشفي من الأمراض ويساهم في رفع الروح المعنوية للفوز في المسابقات في شتى المجالات.

5- الثورة الجزائرية

جان بول سارتر:
حقاً إن أغلبية الجزائريين يعيشون عيشة ضنك، وفي فقر مدقع… لا يمكن لتلك الإصلاحات أن تتمّ على أيد المستعمرين «الصّالحين»، ولا على يد فرنسا نفسها، ما دامت وجهتها هي السّيادة على الجزائر، وأنه لن ينهض بها إلا الشّعب الجزائري نفسه، حين يظفر بحريته، ويكون مستقلاً استقلالاً، لا تشوبه شائبة…

ألبير كامو:
في ما يتعلق بالجزائر، يمثل الاستقلال الوطني وصفة عاطفية خالصة. لم يوجد قط وطن جزائري. بوسع اليهود، والأتراك، واليونانيين، والإيطاليين، والبربريين، التشبث بنفس حق التماس وجهة نحو هذا الوطن المفترض. حالياً، لا يمثل العرب وحدهم كل الجزائر. تكفي أهمية وخاصة أقدمية الساكنة الفرنسية، لخلق مشكلة لا يمكن مقارنتها بأي شيء في التاريخ. يُعتَبَر كذلك فرنسيو الجزائر وبالمعنى القوي للكلمة من أهل البلد. ثم تنبغي الإضافة بأن جزائر محض عربية لا يمكنها الوصول إلى استقلال اقتصادي يظل بدونه الاستقلال السياسي مجرد خديعة.

سيمون دو بوفوار:
لم أعد احتمل هذا النفاق وهذه اللامبالاة من جانب بلدي حيث لا أستطيع أن أخرج من جلدي، وأنا أستحق كره الجزائريين لي وللفرنسيين الذباحين وقتلة الأطفال والشيوخ والعجائز والأطفال، لأنني أستطيع أن أرقد بهدوء وأكتب وأتمتع بالتنزه وقراءة كتاب بأمان وفي الجانب الآخر ترتكب جرائم بشعة بحق أبرياء

6- الثورة الفييتنامية

نعوم تشومسكي:
أجبرتنا المقاومة الفيتنامية المذهلة على التساؤل: ماذا فعلنا؟ ليس ثمة شكٌ بأنه لو قُدِرَ لهذه المقاومة الانهيار فسيتخفي معها الغليان الداخلي بشأن الحرب... في وقت نشنّ فيه حرباً يتعذر وصف وحشيتها على فيتنام، وفي وقت نحضِّر وندير جزئياً «حروباً محدودة» في الداخل والخارج، في وقت يواجه فيه آلاف الشباب، كثير منهم طلابنا، عقوبة السجن أو النفي السياسي بسبب رفضهم الأخلاقي لأن يكونوا وكلاء للعنف الإجرامي، في وقت ندفع فيه العالم مرة أخرى إلى شفير الحرب الذرية، من الصعب في وقت كهذا أن يقيد المرء نفسه بالسؤال الأضيق: ما هي مسؤولية المرء كفيلسوف؟
(ترجمة عدي الزعبي) 

أحمد فؤاد نجم:
سايجون عادت للثوار
فوق الدم
وتحت النار
جدوا فوجدوا
زرعوا
فحصدوا
وإحنا إدينا للسمسار
وإللي قالوه السمسارجيه
وإللي حكاه السمساردار
لما قروه القروانجيه
بالمستعدل والمندار
هتش ونتش
بعزم الصوت
عن أمريكا وهوا أمريكا
زعموا الفانتوم
شايل موت
سقط الموت بعلم أمريكا
جاتكو فضيحه
يا طبقه سطيحه
وعامله فصيحه
وجايبه العار
قراونجيه
وكتبنجيه
وسمسارجيه
وسمساردار.
تحمس ماياكوفسكي للثورة البلشفية في بداياتها، ليعود ويسخر من شعاراتها في مسرحية قبل أن يقضي انتحاراً


7- الثورة الكوبية

غابرييل غارسيا ماركيز:
أعتقد أن الثورة الكوبية كانت في حالة طوارئ لمدة عشرين عاماً بفضل عداء ولافهم الولايات المتحدة، التي لن تتسامح مع نظام بديل للحكم يتواجد تسعين ميلاً قبالة سواحل ولاية فلوريدا... بالرغم من أن الثورة قد أخذت مساراً صعباً ومتناقضاً أحياناً بعد الاضطرابات العاصفة الأولية، فإنها ما تزال تقدم احتمال وجود النظام الاجتماعي الذي هو أكثر ديمقراطية وأكثر عدلاً وأكثر ملاءمة لاحتياجاتنا.

الكاتبة البرازيلية نيليدا بينيون:
فيديل مات منذ زمن طويل، وكان ذلك نهاية يوتوبيا لا يمكن بلوغها. كان رجلاً يتكلم ويتكلم ويتكلم، الحكايات تطول معه دون أن يسمح لمحدثيه بالكلام. فرَضَ الرعب، طارد المثليين وامتلأت في عهده السجون. كان مشيداً لليوتوبيات، للأحلام، لكن هذه الحكاية انتهت منذ زمن. وهذا ما يحدث عادة للأبطال: لا يقاومون بطولتهم نفسها.

غابرييل غارسيا ماركيز:
خرجت ليلاً مع كاسترو وصديق ثالث لصيد السمك. حتى الساعة الرابعة فجراً، كان الصديق يحقق انتصارات في الصيد، وفي كل مرة يصطاد سمكة يعرضها أمام عينيّ فيديل، الذي كان يتظاهر بلا مبالاته. حين وصلت الساعة للرابعة وشعرتُ بالإرهاق والرغبة في العودة للبيت، توسلت إلى الصديق أن يكف عن الصيد ويترك فيديل يصطاد. في الخامسة كانت السمكات التي اصطادها فيديل تفوق سمكات الصديق الثالث. حينها انتفض فيديل وقال: هيا بنا، هذا موعد العودة للبيت.
(ترجمة أحمد عبد اللطيف)

8- ثورة الضباط الأحرار

صلاح عبد الصبور:
سيظل ذو الوجه الكئيب وأنفه ونيوبه..
وخطاه تنقر في حوائطنا الخراب
إلا إذا…
إلا إذا مات
سيموت ذو الوجه الكئيب
سيموت مختنقاً بما يلقيه من عفن على وجه السماء
في ذلك اليوم الحبيب
ومديني معقودة الزنار مبصرة سترقص في الضياء
في موت ذي الوجه الكئيب.

صلاح عبد الصبور:
هل مات من وهب الحياة حياته
حقاً أمات؟
ماذا سنفعل بعده؟
ماذا سنفعل دونه؟
حقاً أمات؟
تتجمع الكلمات حول اسم سرى كالنبض في شريانهم عشرين عاماً
كان الملاذ لهم من الليل البهيم
وكان تعويذ السقيم.

عبد الرحمن الأبنودي:
مش ناصري ولا كنت في يوم
بالذات وف زمنه وف حينه
لكن العفن وفساد القوم
نساني حتى زنازينه.

9- الثورة الإيرانية

أحمد شاملو:
يشمون فمكِ
لئلا تكوني قد قلتِ أحبك.
يشمون قلبكِ
ويصلبون العشق على الأعمدة
يا له من دهر غريب حبيبتي.
يتعيّن إخفاء الحب في الدار.
في هذه الطريق المتعرجة الباردة
يشعلون النار بوقود القصيدة والنشيد
لا تجازفي بالتفكير
إنه دهر غريب يا حبيبتي
الطارق ليلاً جاء لاغتيال القنديل
يتعيّن إخفاء النور في البيت
الجزارون منتشرون في الممرات
بسواطير مدماة
إنه زمن غريب يا حبيبتي
يستأصلون البسمة من الشفاه
والأغنية من الفم
لا بدّ من إخفاء الحب في البيت
إنهم يشوون الكناري على حطب من ورد النرجس والياسمين
إنه دهر غريب يا حبيبتي
الشيطان منتشيا بالنصر يحضر مجالس تأبيننا
لا بد أن نخفي الله في البيت.
(ترجمة محمد الأمين الكرخي)

أدونيس:
أفقٌ،
ثورةٌ،
والطغاةُ شَتات..
كيفَ أروي لإيرانَ حبي..
والذي في زفيري..
والذي في شهيقي..
تعجَزُ عن قولِهِ الكلمات..
شعبُ إيرانَ يكتبُ للشرقِ
فاتحةَ الممكنات..
شعبُ إيرانَ يكتبُ للغربِ
وجهُك يا غربُ مات..
شعبُ إيرانَ شرقٌ تأصلَّ في أرضنا ونبي..
إنه رفضُنا المؤسِسُ،
ميثاقُنا العربي.

نزار قباني:
زهّر اللوز في حدائق شيراز
وأنهى المعذبون الصياما
ها هم الفرس قد أطاحوا بكسرى
بعد قهر و زلزلوا الأصناما
شيعة... سنّة
جياعٌ... عطاشٌ
كسروا قيدهم وفكّوا اللجاما
شاه مصر يبكي على شاه إيران
فأسوان ملجأً لليتامى
والخميني يرفع الله سيفاً
ويغني النبي والإسلاما
هكذا تصبح الديانة خلقاً مستمراً
وثورة واقتحاماً.

ميشيل فوكو
الإشكالية لدى الإيرانيين هي في أن يعرفوا، إن كان بمقدورهم بواسطة هذا الإسلام، الذي هو في الوقت عينه مرآة تقاليدهم، وشكل وعيهم القومي وأداة نضالهم ومبدأ نهضتهم، أن يستمدوا شيئاً يعينهم على درء هذه الأخطار. إذن، لا أظن أن القول لهم باستمرار: «إنكم تراهنون على إسلام يحتمل كل أخطار الأصولية، وهو بالمحصلة، ديانة توحيدية وبالتالي، غير متسامحة، الخ»، لا أظن أن توجيههم بهذا الشكل من العدائية، أو اتهامهم بالتعصب، سيؤتي ثماراً. إنهم ليسوا بالمتعصبين، لكن بالتأكيد، هناك خطر للتعصب حين ينتظم هذا الحراك في دولة دينية، أو في شكل دين لدولة. في العالم الحالي وهنا أتكلم من أجل الإيرانيين وغيرهم، تكمن المشكلة في معرفة ما يمكننا فعله بإرادة الروحانية هذه التي ظهرت بشكلها العاري تحت أنقاض الآمال الثورية الكبرى، وتتجلى هنا بالإسلام، وقد تتجلى هناك بالمسيحية أو بغيرها

10- الثورة الفلسطينية

جان جينيه:
خلال ربيع عام 1971، عندما كنت أزور القواعد الفلسطينية، كان الجمال منتشراً بذكاء وسط غابة تنعشها حرية الفدائيين. وفي المخيم كان الجمال مختلفاً، مكتوماً بعض الشيء، ينشر ظلاله من خلال سيادة النساء والأطفال. كانت المخيمات تتلقى نوعاً من الضوء الصادر عن قواعد القتال. أما عن النساء وجمالهن، فإن تفسير تألقهن سيستلزم مناقشة طويلة ومعقدة. أكثر من الرجال ومن الفدائيين في المعركة، كانت النساء الفلسطينيات يبدين قادرات على مساندة المقاومة، وتقبُّل التجديدات التي تحملها الثورة. كُنَّ قد عصين العادات: نظرة مباشرة مساندة لنظرة الرجال، رفض للحجاب، شعورهن مرئية، وأحياناً مكشوفة تماماً، أصوات من دون تصدُّع.

سعيد عقل:
«سيفٌ فَلْيُشْهَرْ في الدنيا ولتصدعْ أبواقٌ تَصْدَعْ
الآن الآن وليس غداً أجراس العودة فلْتُقْرَعْ
أنا لا أنساكِ فلسطينُ ويشدّ يشدّ بِيَ البعدُ
أنا في أفيائك نسرينُ أنا زهر الشوك أنا الوردُ
سندكُّ ندكُّ الأسوارَ نستلهم ذاك الغارْ
ونعيدُ الى الدارِ الدارَ نمحو بالنارِ النارْ
فلتصدعْ فلتصدعْ..
أبواقٌ أجراسٌ تُقْرَعْ.. قد جُنَّ دمُ الأحرارْ

11- ربيع العرب

صادق جلال العظم:
الثورة السورية هي ثورة، سواء تأسلمت أو «تعلمنت»، هي كاشف أخلاقي وإنساني وثقافي لكل البديهيات القديمة. هي ثورة ضد التبرير والقبول الكاذب لواحد من أكثر الأنظمة الشمولية تفسخاً وعنفاً. كل من هو منخرط في جوهرها لا يخشى منها ولا يخشى عليها. كل من هو جالس على حافتها... سيصيبه الرعب منها. أصلا الرعب واحد من أهم سمات الثورات. الثورة السورية هي من أعمق ما قامت به جماعة بشرية في منطقة جغرافية على امتداد العالم. إيقافها مستحيل، ببساطة لأنها نضجت بفعل الزمن، ولا أحد يستطيع إيقاف الزمن. وأنا العبد الفقير لله وحرية الإنسان سأبقى معها... حتى لو التهمتني، حتى لو كنت من ضحاياها... حتى لو دفعت الثمن غالياً جداً لا يقل عن حياتي... سأبقى منحازاً لها ما دمت قادراً على التنفس

أدونيس:
الثورة باستمرار يجب أن تكون أفضل من الأشياء التي تثور عليها. إن أول ما فاجأني في هذا الإطار أن الثورة كانت أكثر سوءاً مما ثارت عليه، رغم أن ما ثارت عليه يجب أن يُثار عليه ولست ضدّ الثورة عليه إطلاقاً... تحولّت الأزمة السورية إلى صراعٍ إقليمي ودولي يتخطّى إسقاط النظام إلى تهديم سوريا وتحويلها إلى ميدانٍ للجهاد الديني تشارك فيه جميع المعسكرات الأصولية في العالم... نساء تُباع، بشرٌ يُذبَحون. أسواقٌ تُدَمَّر وتُنهَب. متاحفُ تُسرَق وتُباعُ... أهذا، إذاً، أنت، أيُّها «الربيع»؟ أسّسْتَ الحاضرَ العربيّ على أساسَين: قاطِعِ رأسٍ، ورأسٍ مقطوع

جورج طرابيشي:
سياسة الأنظمة الاستبدادية خلال عقود دفعتنا لاحتضان الربيع العربي حتى قبل أن يولد...
والربيع العربي لا يُعتبر مفهوماً بل استعارة من الجغرافيا والمناخ، وتقليد لما حدث في أوروبا الشرقية يوم خرجت شعوبها من عصر الجليد إلى الربيع، فنحن راهناً على هذا الربيع حتى قبل أن يولد كرهاً منا لهذه الأنظمة التي أذاقتنا الجحيم على مدى عقود طويلة، ولكن مع الأسف اكتشفنا في ما بعد أن هذا كان أيضاً مجرد أوهام... إن ما جرى غرسه في المجتمعات العربية لعقود طويلة شكّل حفراً غير قابلة للردم بمثل هذه الصورة التي كنا نتصورها، ولذلك نحن نعيش خيبة أمل جديدة.