«داخل كل طفل هناك فنان. المعضلة أن نعرف كيف نبقى فنانين عندما نكبر» بابلو بيكاسو (1881-1973)

تقترب الطفلة هيا من الهرّة... تتأمّلها بكل جوارحها! تلف حولها... تتفحّصها... تحاكيها... تتأمّلها مجدداً، ثم تسأل أمّها: كيف صنعها بيكاسو؟ بمَ صنعها؟ ما اسم أدواته؟ تجيبها رنا على تساؤلاتها، ثم تشرح لابنتها أن الهرّة هذه حرارتها أبرد من الهرر الحقيقيّة، فهي منحوتة برونزيّة. تفتح هيا عينيها أكثر. تندهش. تفرح وتتفاعل إيجاباً للاكتشاف الجديد. عند المدخل، أب يشرح لطفله باللغة الفرنسية: «هذا ثُنائي! أرأيت كيف يتعانقان؟» والطفل يحاول أن يقف على رؤوس أصابعه - يمغط جسده إلى الأعلى، فيقترب أكثر من المنحوتة الخشبية الصغيرة فوقه. يرى العناق بوضوح. يبتسم، يخجل قليلاً، ثم يضحك ملء صوته لأنه فهم ببساطةِ حركةِ المنحوتة، معنى عناق الحب.

«أم تلعب مع أطفالها» (زيت على لوح ـــ 73 × 91.5 سنتم ــ 1951)

يُهدي الأطفالُ المتحفَ تفاعلاً نوعيّاً مع الأعمال وبشكل جلي. فهم الأكثر قدرة على تحليل معاني الأشكال، يتماهون مع الضربات الحرّة للريشة والخط. يتحركون بخطواتهم الصغيرة براحة في المساحة، يركضون، يرقصون. بعض الأعمال معروضة على ارتفاع مناسب لهم، يمعنون النظر فيها، يطوفون حولها مندهشين فرحين. لكن الأكثر سحراً هو شرحهم الأعمال لأهلهم لا العكس. يفكّكون شيفرة أشكال بيكاسو بسهولة مدهشة وأريحيّة ملؤها الخيال الطيّب. ربما لأنَّ بيكاسو نفسه ـ على حد تعبيره ــ «أفنى كل عمره كي يُجيد الرّسم كطفل»! هنا لا بدّ من ملاحظة ــ والحق يُقال ـــ أنَّ «متحف سرسق»، في العديد من المعارض الكبيرة التي نظّمها، كان يعطي حيّزاً هاماً ومساحة تحترم الأطفال. حيّز غالباً ما يكون منظّماً وذا طابع تربويّ وتثقيفي، حتى لتكاد المعارض المرافقة خارج المساحة المخصّصة للأطفال، لا تصل إلى دقّة التنظيم الخاص بهم.
هو إذاً معرضٌ للحب للفرح للّعب... لدخول عوالم بيكاسو من باب المرح والبهجة والمتعة والإلفة والشغف والتحرّر من قيود التنسيق العقلاني. هو معرضٌ عن الفنان والطفل. لا بمعنى الطفولة البريء، بل بفحواه الحرّ. المتحرر من قيود الموروثات العقليّة اللاجمة للخيال، الحادّة من قدرة الإبداع، الرافضة للمنطق المقزّم للطاقات، المقولب الممنهج للعواطف. أما تصنيف «أسرة» الوارد في العنوان، فهو تصنيف غير موفّق، ولنا عودة مسهبة إليه في سياق النص.

جرعة منوّعة للمنطقة المتوسّطيّة
لوحاته هنا مسرح كبير والممثلون معارفه. قد يجوز القول إنَّ من أخذ جرعات من معارض بابلو بيكاسو في العالم، حتماً لن تشبعه هذه الجرعة. أما من يتذوّقه للمرة الأولى، فقد يُسحر ويطلب المزيد. على صغر رقعة العرض، إلّا أنها تهدي لبنان نماذج متنوّعة من أعمال بيكاسو. بتقنيات متعدّدة وتغطّي مروحةً لا بأس بها من مساحة عمله الفنّي منذ أن كان في الرابعة عشر من العمر وصولاً إلى آخر أعماله قبل وفاته بعام، لكن من دون أن يشرح القيّمون بدقّة مراحل عمله تقنياً ولا تاريخ بنيانه التشكيلي الشاسع. لذا ستكون السطور التالية متماشيَة مع ما قدّمه المعرض والقيّمون. لا مع إرث بابلو بيكاسو الفنيّ. لكن بداية، الحدث هام جداً: بيكاسو في لبنان. فكيف نُظّمَ المعرض؟ وكيف صيغ بشكله النهائي للرائين؟
بيكاسو - البحر المتوسّط:
«بيكاسو - البحر المتوسط» مبادرة من «المتحف الوطني بيكاسو - باريس». هي تظاهرة ثقافية دوليّة تمتد من ربيع 2017 إلى خريف 2019. أكثر من 70 مؤسسة شاركت في بلورة برنامج حول العمل الفني «المتوسطي بامتياز» لبابلو بيكاسو. من خلال هذه الرحلة في عمل الفنان والأماكن التي ألهمته، كتجربة ثقافية متفرّدة، تتوخّى مبادرة «المتحف الوطني بيكاسو - باريس» تعزيز الروابط بين الضفتين وفق ما جاء في البيان المرافق للمعرض (كتيّب صغير من 30 صفحة). وقد نظّم «متحف سرسق» هذا المعرض بدعم استثنائي من «المتحف الوطني بيكاسو - باريس» دائماً في الإطار عينه أي «بيكاسو- البحر المتوسط»، وبالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية بمنحة سخيّة من دانيال إدغار دو بيتشيوتو وبدعم من سيريل قاروغلان. أمّا التنسيق فتولاه كلّ من كاميل فراسكا وياسمين الشمالي. يختصر القيّمون المعرض ببيان أتى فيه:
«يستكشف معرض «بيكاسو والأسرة» العلاقات التي تربط بابلو بيكاسو (1881-1973) بمفهوم النواة العائلة، بدءاً من الأمومة وصولاً إلى الألعاب الطفولية، ومن صورة الحميمية المفهومية وصولاً إلى اختبار الأبوّة المتعددة الأوجه تحت أضواء الشهرة. يجمع المعرض بين الرسوم والمحفورات واللوحات الزيتية والمنحوتات، ويستعرض بإيجاز محطات الإبداع على مدار سبعة وسبعين عاماً بين 1895 و1972، من خلال مجموعة مختارة من الأعمال التي تجسّد محطات مهمة في مسيرة الفنان العائليّة والعاطفيّة الطويلة، وتعبّر أشكالها المتنوّعة عن إعادة اختراع مستمرة لمفردات بيكاسو الفنيّة».


وقد صيغَ المعرضُ على شاكلة أربع أقسامٍ أو فصول، أوّلها «الانطلاقة». بحسب بيان القيّمين، هي كالتالي: «كان بابلو بيكاسو في الرابعة عشرة عام 1895 عندما رسم «الفتاة الصغيرة الحافية القدمين». في السنة نفسها، توفّيت شقيقته كونسيبسيون بعد إصابتها بداء الخناق. ليس هذا الرسم بورتريهاً عائلياً، بل إن شخصية فتاة الشارع تكشف عن إحساس كبير لدى الرسّام الشاب، وعن بحث في تجسيد الشخص. أمّا الرسم الذي يجسّد الوالدة والشقيقة الأخرى، لولا، فهو أكثر حميميّة، وبمثابة نشيد للعاطفة التي كان بيكاسو يكنّها للنساء اللواتي أحطنَ به في سنّ المراهقة. تتحوّل الوداعة إلى كآبة في صورة الشخصيتين النسائيتين مجهولتَي الهويّة ومعهما طفل، في خضم المرحلة الزرقاء في مسيرة الفنان». طبعاً، اللوحتان الموصوفتان تشكلان جزءاً من الأعمال المعروضة في لبنان اليوم. ثم ينتقل بنا القيّمون إلى مرحلة «الاضطرابات»: «في عام 1927، التقى بيكاسو الشابة ماري - تيريز والتر التي ألهمته في أعماله المطبوعة بالإشارات إلى الحياة الجنسية والخصوبة، وكانت وراء ظهور مفردات شكليّة مؤلّفة من خطوط مقوّسة ومتعرّجة. وقد عرف بيكاسو، الذي كان متزوّجاً من أولغا في تلك الفترة، الاضطرابات التي عصفت بحياة الثنائي التي كانت موزّعة بين اليوميّات العائليّة والفنيّة من جهة - في باريس وبواجولو في النورماندي حيث اشترى قصراً في عام 1930- وشغف الزنا من جهة أخرى، على شواطئ بريتاني أو جنوب فرنسا، حيث كان يذهب كلّما سنحت له الفرصة».
ثم يختار القيّمون مرحلة ثالثة يسمّونها «الألعاب» ويذكرون في البيان: «تكشف أعمالٌ عدّة عن رجل مفتون بالأبوّة، ومطبوع بيوميّات الأم والطفل، كما في لوحة «أم تلعب مع أطفالها» المؤرّخة في 14 حزيران (يونيو) 1951، أو أيضاً بورتريهات عدّة لكلود وبالوما أنجزها بين عامَي 1949 و1953. يشهد الأطفال اللعوبون والألوان النابضة بالحياة والخطوط المستديرة على الطاقة المستمرّة التي كان الفنان يشعر بها في تلك الحقبة. تمتلئ الأعمال بالمواضيع العائليّة حيث يجسّد الفنّان مداورةً لحظات اللعب، ولحظات الترفيه الإبداعي، والمنزل العائلي من الداخل». ثم يصل بنا القيّمون إلى مرحلة رابعة، عنونوها بـ «عائلات خياليّة»: «تشمل العائلات التي جسّدها بيكاسو في تلك المرحلة عائلة البستانيّ في منزله، وعائلة بيارو مروملينك، فنان المحفورات الذي عمل معه لسنوات عدة، ولكنّها أيضاً عائلات مستلهمة من أعمال الرسّام آنغز والكاتب بالزاك أو عائلات أسطوريّة استوحاها من قراءته ومن الأفلام التي شاهدها».
أربعة عناوين داخليّة قررها القيّمون، لهذا المعرض، كي يأخذونا في رحلة إلى عوالم بيكاسو «العائلية». لكن مهلاً، هذا يعيدنا إلى العنوان.

معرض لا يُقرأ من عنوانه
«بيكاسو والأسرة»/ العائلة هو العنوان الذي اختاره القيّمون لهذا المعرض، موضحين في الكتيّب المرفق وعلى جدران المتحف: «يقصد بيكاسو بمصطلح «العائلة»، في المقام الأوّل، المعنى الإسباني، أي الحلقة الضيّقة والحميمة والكتومة التي هي مصدر خصب للإلهام من أجل الخوض في مواضيع مثل حب الأنوثة، وصورة الثنائيين وألغاز الطفولة، والسعادة البسيطة المستمدّة من تشارُك الأشياء مع الآخرين، أو حتى مهابة اللحظات الخاصة».
«الأسرة» وبيكاسو؟ قد يكون ذلك من أكثر ما يدعو للضحك. والتساؤل أيضاً: لمَ هذا الهمّ الأخلاقي الذي يريد القيّمون إظهاره على المعرض، فيما كان بيكاسو شارداً خارج الأطر العرفيّة الاجتماعيّة والسائد ومحظورات مجتمعاتنا «المتوسطيّة» ـــ الإسبانيّة ضمناً ـــ المؤمنة بشكل خاص. والتاريخ يشهد أن أطفال بيكاسو بغالبيتهم ولدوا خارج أطر «الزواج» بمعناه الأُسريّ الشّرق أوسَطي - ونُضيف الكنسيّ - فهم «أولاد زنى» إذا ما اتّخذنا العرف الذي اختاره القيّمون على المعرض للدلالة على المفهوم الأسريّ.
وبما أنّ الباب قد فتحه العنوان واللوحات المعروضة هنا واليوم، وجب علينا إيضاح هذا الحيّز الهام من حياة بيكاسو، التي رسمها في لوحاته من دون خجل أو وجل بل بمتعة استثنائيّة، بل يجوز القول: استعراضية. فقد كان الفنان على علاقة بثماني سيدات بشكل علني في حياته (ضمناً زوجتاه الاثنتان، أولغا خوخلوفا وجاكلين روك). ولم تكن الأسرة بمفهومها (الإسباني/ الشرق أوسطي) أولويّته على ما يبدو.


أولى سيّدات قلبه كانت فرناند أوليفييه (1881-1866)، التقاها صدفة، كانت تضع قبّعة كبيرة فريدة، شغفته من النظرة الأولى. هي ابنة حرفيّ، أختها عشيقة الرسّام أوثون فريسز. في اليوم التالي للقاء، ظهر الثنائي إلى العلن. وكانت بعدها «الحياة حلوة». رسم بيكاسو حبيبته كثيراً في هذه السنوات، بأساليب مختلفة وصولاً إلى التكعيب. لكن بعد مشاجرات عدّة، انفصل الثنائي، بعد علاقة دامت سبع سنوات (1904-1912).
هنا طابت لبيكاسو رفقة مارسيل هومبرت، المعروفة باسم إيفا غويل (1885-1915). هي خطيبة الرسّام لويس ماركوسيس. كانت صغيرة نضرة، أسماها بيكاسو «حلوتي»، وهو عنوان أغنية كانت حينها في أوج رواجها. وعندما رسم بيكاسو الأشكال التكعيبية كطبيعة صامتة، ظهرت إيفا على شاكلة غيتار، بين علبة تبغ وغليون. لاحقاً عام 1913، تمادى بيكاسو أكثر، ورسمها في لوحة أحبّها السرياليون ــ على تعكيبيتها ـــ وهي لوحة «المرأة الجالسة على الكنبة». لكن إيفا أصيبت بالتيفوئيد. ركض بيكاسو من محترفه إلى عيادة أوتويي، لكن ملهمته ماتت. كان ذلك عام 1915. لف الحزن الفنان الإسبانيّ لفترة، لكن الحياة استمرت بالطبع.
التقى بيكاسو بأولغا خوخلوفا (1891-1955) ابنة كولونيل روسي، راقصة باليه ذات وجه ملائكيّ. أنذره صديقه دياغيليف: احترس! لا تلعب! روسية. نتزوّجها. وهذا ما حصل. أصبحت أولغا الزوجة الأولى لبيكاسو. أقيم العرس صيف عام 1918 في كنيسة أورثوذكسية في شارع دارو. وكان الشهود، جان كوكتو، ماكس جاكوب وغيّوم أبولينير. رسم بيكاسو أولغا كثيراً، وقد كانت حياتهما هانئة، توّجت بولادة باولو ابنه البكر عام 1921. بقي بيكاسو مع أولغا 10 سنوات (1917-1927) إلى أن اكتشفت عبر أصدقاء علاقة سريّة له.
في 8 كانون الثاني (يناير) 1927، التقى بيكاسو أمام غاليري لافاييت بصبيّة جميلة، عمرها 17 عاماً، قال لها: «آنستي، أريد أن أرسم بورتريهاً لك. أنا بيكاسو». بعد يومين، وهبت له ماري - تيريز والتر (1909-1977) شبابها، هي ناعمة رقيقة بريئة، تعيش مع والدتها، وقد وقعت تحت سحر الرسّام الإسباني. عندما عرفت أولغا (الزوجة) بخيانته، طلبت الطلاق. لكن بيكاسو لم يقبل لأنه لا يريد قسم ثروته كما يتعهد بذلك القانون الفرنسي. بقي متزوجاً رسمياً من أولغا حتى وفاتها عام 1955 بمرض السرطان، فيما أبقى على العلاقة مع ماري - تيريز جهاراً نهاراً لمدة 9 سنوات (1927-1936)، حيث أنجبت منه ابنتهما مايا عام 1935 من دون زواج، وكُتب على أوراق الطفلة الثبوتيّة أنها من أب مجهول. بقي الشغف مستمرّاً بين بيكاسو وماري - تيريز إلى أن ظهرت خليلة جديدة: دورا مار (1907-1997). سحرت المصوّرة الفوتوغرافيّة قلب بيكاسو بذكائها وإتقانها اللغة الإسبانية. دورا مار - التي عرفه إليها بول إيلوار - رسمها بيكاسو بشغف نادر، نحتها كما لم يفعل من قبل. في هذا الوقت، كان بيكاسو يحاول أن يكرّس نهار الخميس والأحد لحبيبته ماري - تيريز وابنتهما مايا، فيما سخّر الوقت الباقي كلّه لخليلته دورا. (فيما زواجه من أولغا كان مستمراً). في عام 1939 مثلاً، ذهب بيكاسو للعطلة مع حبيبته ماري - تيريز وابنتهما مستأجراً لهما فيلّا في روان، فيما كان يبيت ليلاً في الفندق مع دورا. في هذا الوقت، ضاعت النساء الثلاث، وأخذت أولغا (الزوجة) أغراضها وابنها البكر واتجهت نحو الجنوب الفرنسي.
لقد كان لدورا مار حيّز مهم في الحياة الفنيّة لبيكاسو، وهي كانت إلى ذلك النموذج/ الملهمة لمان راي وأولى الموقعات على مبادرة أندريه بروتون - نداء للنضال- فهي من اليساريات اللواتي كنّ في موقع التأثير. وقد انخرط بيكاسو مع نهاية هذه العلاقة في الحزب الشيوعي الفرنسي. دامت علاقة دورا مار وبيكاسو إذاً 8 سنوات (1936-1944). ثم عرّف الممثل ألان كوني بيكاسو إلى سيّدة شابّة: فرانسواز جيلو (1921). عمرها 21 سنة فيما بيكاسو قد ناهز الـ62. هنا تجدر الإشارة إلى أن انفصال بيكاسو عن دورا مار بسبب ظهور فرانسواز في حياته، سبّب لها انهياراً عصبياً صعباً، ما استدعى دخولها المستشفى. إلا أن بول إيلوار وبيكاسو لم يقتنعا بما تقدّمه المستشفى، وأوكلاها إلى جاك لاكان. في هذا الوقت، كانت فرانسواز قد تركت دراسة القانون للتفرغ للرسم. وقد ذهلت ببيكاسو، رغم ذلك أبقت مسافة بينهما. لكن الفنان الإسباني قرر أن تكون له للأبد، كما طلب منها. ومن هذه العلاقة التي استمرّت 8 سنوات (1943-1951) من دون زواج، ولد كلود عام 1947 ثم بالوما عام 1949 أسماها على اسم حمامة السلام التي رسمها الفنان للأمم المتحدة. تبدّلت الأحوال القلبيّة بين العاشقين وتزعزعت عُرى العلاقة وصولاً إلى التفكك.
تعكس اللوحات تيمات الحب والأنوثة، وألغاز الطفولة، والسعادة البسيطة المستمدّة من تشارُك الأشياء مع الآخرين


هنا ظهرت من جديد جنفيايف لابورت (1927-2012). التي كان قد قابلها سابقاً عام 1944 من دون أن يجرؤ على الاقتراب منها. رحلت جنفياف إلى الولايات المتحدة لفترة طويلة، وبعد عودتها التقيا عام 1951، فاشتعلت قصة حب من جديد، بصمت من دون ضجيج. دامت العلاقة سنتين (1951-1953). رسم فيها الفنان الحبيبة الجديدة مركّزاً على جماليّة الجسد الأنثوي. لكن ما لبث أن التقى بجاكلين روك (1926-1986). هي في الـ 27 من عمرها، سيّدة جذابة القوام، وهو في الـ 72. هي مطلّقة وعندها طفلة. عاش الحبيبان الجديدان قصّة حبهما في الكوت دازور لفترة طويلة. ثم تزوّجا بعد 8 سنوات، أي عام 1961. كانت جاكلين روك بالتالي الزوجة الثانية رسميّاً بعد أولغا. استمرّت العلاقة عشرين عاماً (1953- 1973) إلى أن توفي بيكاسو في الثامن من نيسان (أبريل) عام 1973 عن عمر ناهز الـ 92 عاماً.
بعد هذه الحياة «الأسريّة» الصاخبة، كانت حالة جاكلين روك عصبية يوم الجنازة ومنعت دخول «عائلات» بيكاسو (غير الشرعيّة) إلى المدفن. بعد يومين، بابليتو، ابن باولو انتحر. وفي السنة التالية، حان دور باولو (الابن البكر لبيكاسو) الذي أصبح مدمن كحول، فمات بتلف كبديّ. ثم بعدها بثلاثة أعوام أي عام 1977، شنقت ماري -تيريز والتر نفسها في المرأب. وبعد 9 سنوات، عملت جاكلين روك (الزوجة الثانية والأخيرة) على إقامة معرض استعادي لأعمال زوجها، ثم أطلقت رصاصة على رأسها.
لم تكن حيوات من أحبوه وأحبّهم بهذه السهولة من بعده. هنَّ وهم الذين رسمهم ونحتهم ونحت له ولهم. هذا هو بيكاسو، نعم. فأين «الأسرة» (بمعناها «الإسباني» /الشرق أوسطي إذا جاز القول) من كل ما تقدّم؟
المعرض هنا ببساطة، هو انتصار الطفل على كل شيء. لا للأسرة. للطفل وحده! انتصار الطفل على المفهوم الأُسري. وانتصار الطفل على الخيبات الكبار، وانتصار الطفل على يأس العلاقات الثنائيّة لمنجبيه. انتصار الطفل على كآبات الحب. بل الأهم: انتصار الطفل والطفولة على الفنان، على ما قاله بيكاسو للشاعر رافاييل ألبرتي: «إنه يجسدني. الرسام المندهش بكل شيء. لست أنا من رسمته بل الطفل هو من رسمني».
ليس دفاعاً عن أي شيء بالمطلق. ولا عن المنظومات الأُسريّة الآسرة أو الوهميّة أو المزيّفة، بل دفاعاً عن أطفال يشكّلون وحدهم! وحدهم! وحدهم! البهجة واللعب، فيما هم وحدهم الضحايا ووحدهم الأحرار بحقّ!

* معرض «بيكاسو والأسرة»: حتى 7 كانون الأول (ديسمبر) ــــ «متحف سرسق» ـ للاستعلام: 01/202001