دمشق | إما الخطف، أو القتل أو الإصابة بجروح أثناء التغطية. كلّها مخاطر يواجهها المراسل الحربي في بلد لم يشهد يوماً معارك دامية مثل تلك التي تجري على أرضه اليوم، فضلاً عن الأثر النفسي الذي أصاب الجميع بطريقة أو بأخرى. لم تكن ماريا درويش تتخيّل يوماً أن بلدها سيواجه هذه الحرب الضروس، وتكون هي في الميدان لتغطية أحداثه. مديرة قناة «آسيا» في سوريا، تتحدّث عن الصعوبة لدى المراسل، وخصوصاً السوري، لناحية «فصل الموضوعي عن الشخصي في التغطية»، ولا سيما بعدما خسرت عدداً من أفراد عائلتها في الحرب. تقول: «لا تستطيع أن تنظر الى الطرف الآخر إلا على أساس أنه إرهابي في مواجهة مدنيين لا يحملون السلاح». غطّت ماريا عمليات عسكرية حيّة عند الخطوط الأمامية وأصيبت ثلاث مرات، لكن أخطرها كانت في جوبر في دمشق، حين أصابتها بعض الشظايا.


تلفت ماريا الى أنّ الحرب في سوريا أثّرت في المجال الإعلامي، وخصوصاً الحربي. تقول: «استفاد أصغر إعلامي الى أكبر إعلامي من فرصة ذهبية عبر التطوّر على الصعيد المهني الإعلامي». لكنها تشير أيضاً الى أهمية تعاطي الإعلامي السوري مع الأحداث في سوريا، مقارنة مع أي إعلامي آخر من أي بلد كان. «في أحيان كثيرة، لا نقبل بنشر صور مسيئة أو لقطات، فيما تطرح علينا مبالغ طائلة لبيعها. لا نتعامل مع الخبر كسبق صحافي، وهنا الفرق».
أمام كل الصعوبات التي يواجهها أي مراسل على الأرض، تنوّه ماريا بدور المؤسسة الإعلامية التي يعمل معها، فـ«الدعم وحرص المؤسسة هامان جداً للصحافي في ظل الضغوط»، وهذا ما يريحها أكثر لناحية العمل مع «آسيا» ودعمها المعنوي لموظّفيها. زميلها في قناة «روسيا اليوم»، كبير مراسلي المحطة في سوريا، أبو طالب البوحية، يروي كيف «نصطدم بمشكلة كبيرة وهي نقل الحقائق. والحقائق قاسية»، معتبراً أن «من أكبر المعصيات أنك تخفي في القلب ما ترى من مشاهد الموت. إنها صعبة جداً». مشاهد كثيرة ترسخت في رأس البوحية، مثل أي مراسل آخر، لكن أصعب تلك الصور هي التي رآها بأم العين في شمال اللاذقية العام الماضي، «طفل مقطّع في مجزرة على أيدي مقاتلي جبهة «النصرة»، وطفل مسلح يحمل حقيبة مدرسية على كتفه، كأنه يحمل أمنياته معه».
على الأرض، المعارك التي يغطّيها المراسلون تكون بمرافقة الجيش السوري، لذا «تصبح مستهدفاً أكثر فأكثر في الخطوط الأمامية، لكن السلاح يصبح شيئاً طبيعياً». لكن ماذا عن تغطية الطرف الآخر المعارض؟ يجيب أبو طالب البوحية «يعتبرونني شبيحاً عراقياً. لا مشكلة لديّ في تغطية الأحداث في الجبهة المقابلة، لكن هل هم قادرون على تأمين حمايتي الشخصية؟». ويؤكّد في الوقت نفسه أن القناة تعتمد على وسطاء داخل المعارضة ومصادر داخل الوحدات العسكرية والأهالي وشهود العيان لنقل مختلف الأخبار.
لا شكّ في أن البوحية، كأي صحافي في بلد النزاع، لم يضف الى سيرته خبرة على الصعيد المهني فحسب، بل أيضاً على صعيد الخبرات العسكرية واللوجستية. يقول: «العمل الميداني يجعلك تشعر كأنك أهم من الضباط الاستراتيجيين. يمكننا اتخاذ قرارات أصعب من القرارات العسكرية».
هذا ما يؤكّده أيضاً مراسل قناة «المنار» في العاصمة السورية جعفر مهنا الذي غطّى أهم معارك ريف دمشق، ولا سيّما داريا التي واكبها منذ البداية. مثل غالبية الصحافيين السوريين، طوّر جعفر كيفية التغطية على الأرض بنفسه «لم نتدرّب على هذا العمل قبلاً، مهمّتنا كانت صعبة جداً، كنا صحافيين ولم نكن متمرّسين». بعد خبرة عام في العمل مع «المنار»، لا ينكر جعفر أنه فقد «الراحة النفسية والحياة الاجتماعية. نعيش دائماً في حالة تأهب»، لكنه اليوم أصبح أكثر حذراً على سلامة حياته، وخصوصاً «بعد استشهاد شقيقه في الجيش السوري على يدي أحد المنشقّين». يقول: «لم أكن أحسب حساباً لسلامتي قبل استشهاد أخي. اليوم، أفكر بعائلتي، وخصوصاً والدتي وشقيقتي بعدما أصبحت الشاب الوحيد في المنزل».
 أمام كل الصعوبات التي يمرّون بها، يجمع كل من درويش والبوحية ومهنا على ضرورة إكمال مسيرة العمل، ليس في الوقت الراهن فحسب، بل بعد انتهاء الأزمة. الأهم كيفية مساعدة المجتمع على تخطي كل آثار الحرب والمساهمة بدور إيجابي نحو مستقبل بعيد عن النزاعات والدماء.

يمكنكم متابعة رشا أبي حيدر عبر تويتر | @RachaAbiHaidar