كانت حنّة أرندت (1906- 1975) تحضّر لنيل درجة الدكتوراه في فلسفة الحب من «جامعة ماربورغ» في ألمانيا عندما اجتاح النظام النازي البلاد وبدأ بملاحقة اليهود، وبالتالي ملاحقة أردنت المنتمية إلى عائلة يهودية، ما اضطرها للهرب إلى فرنسا بعد احتجازها في ألمانيا لمدة أربعة أيام، ثم تعرّضت في فرنسا أيضاً للحجز في معسكرات الاعتقال على يد الفرنسيين أنفسهم. وبمعجزة، استطاعت الفرار إلى الولايات المتّحدة الأميركية عام 1941. ثم عملت مراسلة لمجلة الـ «نيويوركر» وغطت محاكمات إيخمان في القدس، الذي أُدين بتورّطه في المذابح ضدّ اليهود في أوروبا. دفعتها هذه المحاكمات للكتابة عن مفهوم تفاهة الشر، وأقرّت للخير الجذري عند الإنسان الذي رأته متأصّلاً في البشرية عكس الكثير من الفلاسفة الذين نظروا إلى فطرة الإنسان باعتبارها الشر.

في كتابها «عن العنف» (آذار/ مارس 1970)، تفرّق أردنت بين العنف القديم وعنف المجتمعات الحديثة الذي لا يهدف إلى النصر المطلق لكن لإخضاع الخصم عن طريق وسائل القهر المختلفة. وتفرّق بين ثلاثة أصناف للعنف تستخدمها السلطة هي: العنف العسكري، القمع، والعنف الناتج عن التقدّم التكنولوجي الذي يقضي على حرية الإنسان التي أساسها حرية الفكر، علاوة على استخدام الأنظمة السياسية لهذا التقدّم للتسلّح العسكري. وهذه النقطة بالذات مفهومة وقت نشر الكتاب حيث أوج الحرب الباردة وسباق التسلّح بين الولايات المتّحدة الأميركية والاتّحاد السوفيتي.


تقول أردنت إن العنف والسلطة متعارضان، لكنّهما في الوقت نفسه يظهران معاً. السلطة لا تحتاج للعنف لأنها شرعية تستمدّ مشروعيتها من الجماعة، لكنّ العنف دائماً يحتاج لأدوات غير سياسية مثل القمع والتحايل والتطويع الاجتماعي من أجل التغيير الأيديولوجي أو القهر. وإن تحوّلت السلطة إلى سلطة الفرد ضدّ الجماعة، فقدت شرعيتها وتحوّلت إلى العنف. ورغم إقرار أردنت بأنّ السلطة الحاكمة ــــ سواء كانت ديمقراطية أو شمولية ــــ تستخدم العنف سواء الناعم أو المباشر، حيث الأولى توظّف سلطة الإكراه والإخضاع باسم المصلحة العامة بينما السلطة الشمولية تستخدم العنف باسم الله أو الحاكم، إلّا أنّها تؤكّد في طرحها أن العنف المعاصر يصير عنفاً حين يكون فردياً فقط حيث يوجّه باسم الفرد ضدّ الجماعة لا العكس. في كتاب «حياة بعد الصدمة، العنف وإعادة تكوين الذات» (2002)، تنطلق الفيلسوفة وأستاذة القيم في «جامعة برينستون» سوزان جي بريسون من تجربتها الشخصية لتحليل العنف. إذ أنّها اختُطفت وهي حامل واغتُصبت، وكادت أن تفقد حياتها. خاضت بعدها رحلة طويلة لبناء ذات جديدة بعد تلك التي فقدتها مع الحادث. لا تنطلق بريسون من السلطة، لكن من الذات التي يفقدها الإنسان إثر حدث يشعر خلاله الشخص بالعجز التام أمام إحدى القوى التي تهدّد حياته.
تحاول بريسون تفكيك الذات وفقاً لمفاهيم سابقة عليها إلى ذات مجسّدة، ذات سردية والذات المستقلّة. تراها بريسون متناغمة ومتمّمة لبعضها، وتتطرّق إلى التفسيرات المختلفة للذات. إذ نظرت إليها الميتافيزيقيا باعتبارها شيئاً ما تُسفر مثابرته عن الهوية الشخصية على مرّ الزمن. وهذه الهوية تتكوّن من التجربة الجسدية التي تعلق في الذكريات وغيرها من السمات الشخصية، بينما نظرت ما بعد البنيوية إلى الذات على أنها إحدى القصص التي تروي وجهة نظر تعبّر عن التواصل النفسي بين الشخص والآخرين، في حين هناك تفسير تقليدي للذات اعتبرها فردية ويمكن تمييزها بعيداً عن سياقها الاجتماعي وعلى مرّ الزمن. وعلى النقيض من ذلك، نظرت التفسيرات النسوية للذات من خلال الطُرق التي تتكون خلالها بالعلاقة مع الذوات الأخرى وبمؤازرة السياق الاجتماعي.
من خلال تجربتها الشخصية، مرّت بريسون بمراحل كان لزاماً عليها تكوين ذات جديدة حسب قولها. ونظرت إلى ضحية العنف ليس باعتبارها تستلزم الشفقة لكن وفق مفهوم فلسفي يتطلّب التأمّل والدعم لإعادة بناء ذات جديدة. الملفت أيضاً ما تقوله بريسون أن الضحايا الذين يواجهون فترات طويلة من التعذيب المتكرر، يكوّنون قدرة على فصل أنفسهم عن أجسادهم. وتشير إلى أن ضحايا الاعتداءات الجنسية وغيرها من الاعتداءات البدنية ضد الأطفال يجعلون هذه الإستراتيجية كخطّ دفاع تجاه خطر تحطّمهم الذاتي. كما أن بعضهم يظهرون أو يكونون شخصية أو أكثر لم تصب بأذى من تلك الاعتداءات.
تقول بريسون إنّ شرطاً أساسياً لإعادة تكوين ذات جديدة للمعنّفين هو استطاعتهم خلق سردية عما حدث بطريقتهم الخاصة وإيجاد متلقّ يسمع هذه السردية، يبدي تفاهماً ويتعاطف معها.
في حوار لها، قالت حنّة أرندت إن الرجال يسعون إلى أن يكونوا مؤثّرين في كتبهم، بعكسها هي التي تريد فقط أن تفهم ما حدث، أن تقاوم ذاكرتها الهشّة، كأن أردنت تنطوي بمقولتها على ما قالته بريسون بأن خلق سردية شرط أساسي لبناء ذات جديدة، وهو ما أصرّت عليه أردنت بعد انتقالها إلى أميركا، وإصرارها على الحفاظ على لغتها الأم التي كانت جزءاً من ذاتها القديمة، ورغم أنها تكتب بالإنكليزية كأنها تكتب لمتلقّ لم يمرّ بمأساتها، سيكون تلقيه مغايراً عن أبناء لغتها. فاللغة هي حامل السردية المزدوجة التي سردتها أردنت طوال حياتها، واحدة لذاتها بلغتها القديمة، وواحدة جديدة موجّهة للآخر وللذات الجديدة التي تحيطها بالحماية.
تفرق حنّة أرندت بين العنف القديم وعنف المجتمعات الحديثة الذي يهدف لإخضاع الخصم عن طريق وسائل القهر المختلفة


قد يكون مشروعاً أن نتساءل عن سرديات النساء في مجتمعات عنيفة، حيث يكون مسار أغلبهن هو العنف الجسدي، وتصبح تجربة العنف داخل المجتمعات الضيقة في الأُسر والعائلات أو المجتمعات الأوسع في الشوارع وبيئة العمل جزءاً من الشخصية المتكونة، وتظهر هذه التجارب في سرديات النساء اللواتي لديهن وسيلة للسرد، سواء اللغة أو الصورة أو التشكيل، أو أي أداة تعبير فنية أخرى. في الأوساط الثقافية، يتم التنكر لحقيقة الجسد كمكوّن رئيس للذات للمرأة الكاتبة، إمّا بسبب رفض الجسد كمكوّن للذات وذلك راجع لأفكار الفلاسفة القدامى الذين دعوا إلى التخلّي عن فكرة الجسد بالسمو والترفع عنه، أو باعتباره حكراً على الكتّاب الرجال لاستخدامه وتوظيفه. لكن محاولة المرأة لصناعة سردية موازية لحياتها وهمومها الشخصية لتذهب إلى سردية أخرى قد تكون أوسع وأشمل، يتمّ نعتها بأنها «كتابة نساء» بالتقليل منها وليس للوقوف على تحليلها، لينتقل العنف إلى دائرة جديدة، من عنف محطّم للذات القديمة إلى عنف جديد يرفض تكوين ذات جديدة.
إن كانت الكتابة الرجولية من منطلق أردنت هي التي تأخذ مسافة بين ذات الكاتب وبين العالم، من منطلق الإله لتحليل أو خلق العالم، فإن النساء ينطلقن أكثر من ذواتهن في محاولة لبناء سردية متكاملة حول ما حدث لهنّ لفهم العالم.
وإن كانت الملاحظات الموجهة ضد كتابة النساء باعتبار سردياتهنّ انعكاساً للضحية، فإنّ من منطلق بريسون الضحية ليست شيئاً يخجل منه صاحبه. لكن على العالم نفسه أن يخجل لاستخدام العنف ضدّ الأفراد. وإذا كانت الكتابة سردية عن ضحية، فإنّ عدم تلقيها أو محاولة مهاجمتها أو إنكارها يعيق خلق الذات الجديدة. وإن كان البعض يقول ليست وظيفة الأدب أن يلتفت إلى كلّ هذا، فإن أقلّ مستوى مطلوب من الأدب هو التعبير عن الذات. ولعلّ الجنوح عن ذلك المفهوم يرتبط بالفقاعة الثقافية التي نعيش بداخلها. فوفقاً لأردنت، يتمتّع المثقّفون بقدرة كبيرة على التنظير حول أيّ شيء وتزييفه باستخدام اللغة.
كلّ ذلك قد يحيلنا إلى سؤال مهمّ: هل النساء لا ينتجن سرديات كبرى، وهل الرجال لا ينتجون سرديات صغرى؟ من الخطأ بمكان الإقرار بذلك، فأردنت التي انطلقت من نفسها إلى العالم، شرحت مفاهيم العنف والشرّ والسلطة بطريقة شاملة، وبريسون كذلك شرحت مفهومها للعنف الموجّه ضدّ الأفراد وإنتاج السردية للإنسان. قد تكون الذات نقطة انطلاق للعالم، وعلينا أن نقبل ذلك.



لأجل كتابة نسوية
في إطار حملة الستة عشر يوماً المناهضة للعنف ضدّ النساء، أقامت «دار هن» في القاهرة معرضاً نسوياً لفوتوغرافيا الهواة، افتتحته المصورة المحترفة رندا شعث. الحملة التي تمتدّ في العالم لمناهضة أيّ نوع من التمييز القائم على النوع الاجتماعي وتقام سنوياً في مثل هذا الوقت، وضعت لها «دار هن» شعاراً هو «لأجل كتابة نسوية». وتنوعت المشاركات التي حملت توقيع ثمانية مصوّرين غلبت عليها صور البورتريهات.
تقول ناشرة الدار هند سالم إنّ الفوتوغرافيا النسوية ليست هي التي تصورها النساء فقط، بل تلك التي تعبّر عن شيء يخصّ النساء، في عالم تفاصيله حادّة ورقيقة. وتوضح أنّ النسوية تُفهم أكثر بمعادلها الذكوري، وتستشهد على ذلك بإحدى المشاركات التي قدمت صورة لرجل وامرأة، الرجل في مقدمة الكادر يدخن الشيشة بينما المرأة في الخلفية. تقول إن الحضور النسوي في الصورة عامل مهمّ في النظر إلى الفوتوغرافيا المقدمة والتي تحظى بالقبول.
يقول رجائي موسى (محرّر الدار) إن المعرض مهدى إلى كريمة عبود أول فوتوغرافية فلسطينية عربية، تمسك كاميرا وتلتقط صورة ناجحة عام 1913 وافتتحت استوديو خاصاً بها في بيت لحم لتصوير النساء، ورسّخت تجربتها الفوتوغرافية لتصوير النساء في الشوارع والبيوت وأماكن العمل. ويحكي أن للنساء تاريخاً طويلاً كفوتوغرافيات إلى جانب عبود في الوطن العربي. فهناك مارغريت كاميون التي كانت أول امرأة تلتقط صورة عام 1863 وأرخت لها بالساعة الواحدة ظهراً يوم 29 كانون الثاني (يناير). يضيف موسى أن مصطلح الفوتوغرافيا النسوية غائب عن مصر رغم وجوده في أوروبا منذ الستينات، بسبب الغموض حول مفهوم النسوية داخل الفن ورفضه أو التشكك فيه أو عدم فهمه. ويقول إنه شخصياً مع هذا المفهوم، لأن الفن يرتبط بصانعه وبهويته. ويتبنى موسى مفهوم المفكر جاك لاكان «المرآة» التي يرى فيها الإنسان نفسه في مرحلة الطفولة لتكوين ذاته. ويقول إن الفن بالمثل كأنه مرآة للتعرّف إلى الذات ومحاولة فهمها وأنّه يعكس هوية الصانع سواء كانت نسوية أو ذكورية. ويكمل أن المنتج الذكوري هو الذي يؤبد القيم ويرسّخها، بينما النسوي ينظر إلى العالم بنسبية كما أنه بعيد عن المشاغل أو السرديات الكبرى.