رحل أوّل من أمس في أبو ظبي المفكر الإسلامي السوري محمد شحرور (1938ــ 2019/ الصورة)، مخلّفاً وراءه عاصفة من الأفكار الراديكالية في تأويل القرآن. فمنذ كتابه «الكتاب والقرآن» (1990)، ألقى حجراً في المياه الراكدة لعلوم الدين، معوّلاً على تفكيك النصّ القرآني بمنهج علميّ وتاريخيّ يدحض التفسير التقليديّ للخطاب الدينيّ، ما جعله هدفاً لكتابات تقليدية مضادّة لأطروحاته إلى حدود تكفيره واتّهامه بالإلحاد، فيما رأى آخرون أنّه مارتن لوثر إسلامي، أو ابن رشد آخر في اتكائه إلى العقل لا النقل، على غرار كتابات محمد أركون، وحسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وآخرين. لم يدرس هذا المفكر الإشكالي علوم القرآن في جامعة الأزهر أو سواها من القلاع الدينية التقليدية، إنّما درس الهندسة الميكانيكية في موسكو، ثم في دبلن، قبل أن يعود إلى دمشق، أستاذاً في كلية الهندسة الميكانيكية، منتصف ستينيات القرن المنصرم. عشية حرب حزيران 67، عاش صدمة الهزيمة، ليستيقظ على وعيٍ آخر، في تأسيس مشروع إصلاحي يخلخل ثوابت التراث الإسلامي من الجذور، وحراثته بسكة مختلفة، تنفض الغبار عن المسلمات، داعياً إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الدين والمجتمع، ومؤكّداً في مشروعه التنويري فكرة جوهرية تتعلّق بأنّ مشكلة العالم الإسلامي لا تكمن في الإسلام نفسه، وإنّما في أساليب التأويل. هكذا، نهض مشروعه على تأويل الكتاب المقدّس لغوياً في المقام الأوّل، نابذاً عشرات الحجج المستقرّة في التفسير خارجاً، بما فيها السنّة النبوية، معتبراً إيّاها اجتهاداً فرضته الظروف الزمانية والمكانية التي عاش فيها النبي، وليست تشريعاً إلهياً، وإذا به يزلزل رسوخ الفقه الإسلامي في الأحكام الدينية، فاتحاً الباب على مصراعيه في مواجهة الأسئلة الشائكة التي تواجه الإسلام اليوم، داعياً إلى التعدّدية في الاجتهاد، ومتّهماً العقل العربي الإسلامي بأنّه «عقل آحادي، وهذا العقل أساسه ديني بحت»، وتالياً فإنّ مأزق الإسلام، ليس جديداً، وإنّما يعود إلى فترة التدوين، في القرن الثاني والثالث الهجري، عندما استقرّ الحكم للعباسيين وأصبحت الدولة قوية جداً، وباتت مرجعيتها شخصية النبي محمد، وليس المصحف. عند هذا الحدّ جرى تأطير الإسلام بنظم ثابتة، سواءً بما يتعلّق بتعريف السنّة النبوية، أو أصول الفقه، وما زالت راسخة إلى اليوم في وجه أيّ اجتهاد مضاد في «وضع أصول جديدة للفقه الإسلامي» بمعايير علمية صرفة تضع في اعتبارها «ثبات النص ومرونة المعنى». هذا الحضور الاستثنائي لأطروحات صاحب «الدين والسلطة» لدى نادي التنويريين يلقى مقاومة شرسة غير قابلة للاختراق بالنسبة إلى التيارات الإسلامية التقليدية التي ناهضت مشروعه بشراسة، وأخرجته في مناظراته معهم خاسراً لدى العوام، رغم محاولاته في توسيع رقعة السجال بانتقاله من الكتابة إلى البرامج التلفزيونية التي طالما احتلّها فقهاء سلفيون مدججون بمرجعية النص لا العقل والمنطق، وتالياً فإنّ الصورة العمومية لهذا المفكّر تضعه في خانة أهل البدع والزندقة باشتغاله على اللفظ اللغوي للقرآن، من دون «الخضوع إلى سلطان الفقه الإسلامي كمنهج للوصول إلى الحقيقة الإلهية». من جهة أخرى، يعترف محمد شحرور بأنّ الإسلام هو القوة الوحيدة المحرّكة في العالم العربي، وتالياً لا إصلاح سياسياً ما لم تحدث إصلاحات دينية جوهرية بتقليب تربة الإرث الديني عميقاً، وذلك بقراءة نقدية مغايرة لبناء نظام معرفي معاصر يعيد هيكلة التشريع الإسلامي الماضوي وفقاً لمتطلبات الراهن. ولعل كتابه «تجفيف منابع الإرهاب» مساهمة مهمّة في تصحيح بعض المفاهيم الإسلامية التي تتعلّق بالجهاد والقتال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاء والبراء. وذلك في قراءة مختلفة تنسف التصورّات الجاهزة للوعي الجمعي لمعنى الجهاد، عبر أسئلة من نوع: هل الإسلام حقيقة مسؤول عن الإرهاب أو هو الفقه الإسلامي التاريخي الذي صُنع إنسانياً بما يلائم الأنظمة السياسية؟ وهل القضاء على الحركات الإسلامية المتطرفة سيفي بمكافحة الإرهاب؟ وهل الحروب والقوة المسلحة كافية للقضاء على الإرهاب أو أن له جذوراً في أمهات كتب الفقه؟

يلقي هذا الكتاب الضوء على معانٍ كثيرة لمفاهيم وردت في القرآن، سبّب تفسيرها غير الصحيح انحرافاً ملحوظاً عن الرسالة التي حملها الرسول لتكون رحمة للعالمين، كالجهاد والقتال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاء والبراء.
رحل محمد شحرور تاركاً رصيداً ثرياً من العناوين الإشكالية مثل «الإسلام والإيمان»، و«نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي»، و«تجفيف منابع الإرهاب»، و«القصص القرآني»، و«السنّة الرسولية والسنة النبوية»، و«الدين والسلطة»، و«أم الكتاب وتفصيلها».