في أيلول (سبتمبر) الماضي، أطلقت mtv برمجتها الخريفية ضمن احتفالية جمعت وجوهاً إعلامية ودرامية، بينما ألغت «الجديد» الاحتفالية الخاصة بسبب «الشحّ المالي». لكن ما لم يكن في الحسبان، هو أن يتغيّر كل المشهد بعد أيام قليلة مع انطلاق شرارة الحراك الشعبي مساء 17 تشرين الأوّل (أكتوبر) الماضي. هكذا، قُلبت الطاولة على مشاريع بالجملة كانت يُفترض أن تخوض المنافسة البرامجية في الخريف، وقد كانت منكّهة بالكوميديا مع كسر لتقليد «برامج الإثنين» السائد منذ فترة. نُسفت البرمجة الخريفية التي كان يُعوَّل عليها، ودخلنا في مرحلة جديدة كلياً، مع اصطفافات بين الشاشات بدأت منذ أكثر من شهرين، وتبدّلت تبعاً للظروف السياسية والأمنية والشعبية. فقد برزت إلى الواجهة خلال الحراك ثلاث قنوات رئيسية، هي: lbci، «الجديد» و mtv. في الفترة الأولى، شهدنا فتحاً للهواء استمر لأكثر من 16 ساعة يومياً، مع انتشار للمراسلين في أغلب البقاع اللبنانية، والحصيلة: استصراحات عشوائية، سباب وشكوى من الأوضاع المعيشية، من دون أن يغتنم الإعلام بشكل عام الفرصة لفتح نقاشات في البلد، أو حتى تصويب البوصلة تجاه ملفات الفساد ومسبّبي هذه الأزمة. في هذه الفترة تحديداً، شهدنا ظاهرة مستجدّة في الإعلام اللبناني تتمثّل في إقصاء الوجوه السياسية من قائمة الضيوف بهدف امتصاص نقمة الشارع، مؤقتاً، تماشياً مع لبس جلباب «الثورة». كان فاقعاً على سبيل المثال، انقلاب مارسيل غانم (برنامج صار الوقت ــ mtv) على كلام تفوّه به قبل أيام قليلة من «الانتفاضة»، حين مدح حاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة ورئيس الحكومة آنذاك سعد الحريري، وتصويرهما على أنّهما «منقذا البلد». بسحر ساحر، تحوّل مارسيل إلى «ثائر» على الطبقة السياسية اللبنانية التي لطالما طبّل لها طوال ربع قرن. والأنكى أنه في الحلقة المذكورة (25 تشرين الأوّل)، ظهر من خلف الكواليس رئيس مجلس إدارة القناة ميشال المرّ، في مشهد ممسرح، ليشيد بفريق محطته ويقتحم هذه «المشهدية الثورية» المتلفزة.


جاء الحراك ليعيد تموضع القنوات اللبنانية (اللوحة للرسام شوقي دلال)

أما «الجديد» التي قدّمت نفسها كحاضنة لهذه «الثورة»، فقد تأخّرت أسابيع قبل أن تطرح برنامج «يوميات ثورة»، وتعيد فتح ملفات الفساد وتثير على مدى أسبوعين متتاليين زوبعة على مواقع التواصل الاجتماعي، لتعود بعدها وتخمد هذه «الفورة» لصالح مشهدية تسيطر عليها مواضيع خفيفة ومثيرة، لا تمتّ للمشهد الغاضب على الأرض بصلة. حتى إننا ذهبنا أحياناً من جديد صوب «برامج الإثنين» (على «الجديد» وmtv)، والتنافس على مواضيع تنطوي على الجنس والشعبوية. كما عادت الوجوه السياسية إلى القنوات التي عادت لتفتح الهواء لبعض الساسة الذين أعلنوا تأييدهم للحراك، إلى جانب بعض المصرفيين الذين راحوا يدافعون عن السياسات النقدية وممارسات البنوك.
من جهتها، ظلّت lbci الرابح الأبرز بفعل ما أرسته في التغطيات من توازن بين الأطراف كافة، واستطاعت بحنكة تبعاً للظروف الراهنة، قطف جمهور «الشارع الشيعي» بعد القطيعة التي حصلت بينه وبين «الجديد»، إثر قطع شركات «الكايبل» بثّ «الجديد» عن ضاحية بيروت الجنوبية والجنوب والبقاع وجزء من بيروت، على خلفية أدائها، ولا سيّما لناحية تصويبها على «الثنائي الشيعي» وهجومها على «حزب الله». بناءً على هذه القاعدة الجديدة، تغلغلت «المؤسسة اللبنانية للإرسال» أكثر في المناطق التي مُنعت فيها «الجديد»، لنصل أخيراً إلى أحداث الشارع في «الرينغ» ووسط العاصمة، حيث حرصت lbci على دخول «الخندق الغميق» وتظهير الصورة الحقيقية لهذه المنطقة التي كانت تحت مرمى الإعلام المنافس في الأبلسة والاتهام... من دون أن ننسى قيام المراسلة رنيم بو خزام بتغطية متفرّدة بين منطقتَي «عين الرمانة» و«الشياح» والتركيز على الخطاب التهدوي والوحدوي بين البقعتين.
على مقلب otv، اتسم الأداء بتخبّط واضح منذ بدء الحراك، إذ قوبلت المحطة بالسقف الأعلى من الاتهامات والتضييق، لما تمثله من خط سياسي. مرّة كانت تكمل برمجتها كالمعتاد وتنصح المرأة مثلاً بكيفية العناية ببشرتها، فيما الشارع مشتعل. ومرة أخرى، تحاول مجاراة الحراك وإطلاق برنامج جديد بعنوان «رح نبقى سوا» في محاولة لمواكبة ما يحدث على الأرض، واستضافة وجوه قريبة من هذه الأجواء. تخبّط أداء المحطة رافقته حملات شرسة ومؤذية طاولت مراسليها، تجسّدت في الاعتداء عليهم ومنعهم من إكمال رسائلهم على الهواء. ترافق ذلك مع حفلات من الشتائم والمضايقات التي انزلقت إلى حدود الشخصنة والأذية المباشرة.



مصروفو «المستقبل» و«الحياة»
في حزيران (يونيو) الماضي، تحرّكت بقوة قضية مصروفي «المستقبل»، بعد أشهر من المماطلة وهضم الحقوق. تصاعد الاحتجاج داخل المحطة، وتظهّر كذلك على الشاشة، من خلال رسائل تحذيرية، سواءً بتقليص عدد نشرات الأخبار أم وصولاً إلى الإضراب الذي شمل، للمرّة الأولى، البرامج والأخبار. وبعد شهرين، حصل الإضراب الشامل، وأوقفت البرمجة ونشرات الأخبار في القناة الزرقاء، ليلي ذلك بعد أسبوعين طلب مدير العمليات هناك عارف الإبريق، من الموظفين عدم الحضور إلى «بيروت هول»، كرسالة ضمنية وقتها حول طرد غير معلن، شمل الموظفين والمتعاقدين، بعد طول الأزمة وغياب مصير الرواتب والمستحقات المالية المتراكمة. إلا أنّ مالك المحطة، سعد الحريري، قرّر في منتصف أيلول (سبتمبر) إطفاء الشاشة الزرقاء وإعادة هيكلتها، بعد ربع قرن على تأسيسها. قرار شكّل صدمة للجسم الإعلامي، لتنضم «المستقبل» إلى سلسلة المؤسسات الإعلامية التي أقفلت أبوابها كصحف «السفير»، «البلد»، «المستقبل» و«الحياة»...

اعتصم مصروفو «الحياة» ومجلة «لها» أمام السفارة السعودية في بيروت (مروان طحطح)

وحين هبّ الشارع اللبناني، أوقد معه القضية من جديد. إذ قرّر مصروفو القناة الاعتصام أمام مبناها في «سبيرز» والتعبير عن وجعهم، ليلتفت إليهم الإعلام المحلي والأجنبي، ثم تقرّر الإدارة تنفيذ ما وعدت به، وتدفع المستحقات موزّعة على 25 دفعة شهرية. على الرغم من منسوب التفاؤل الذي ساد الأجواء وقتها، إلا أنّ المشهد نفسه عاد ليتكرر. نكث بالوعود، وعودة المصروفين للاعتصام، ولو بأعداد قليلة من أجل المطالبة مجدداً بمستحقاتهم المهدورة، وسط أسئلة عن غياب الغطاء النقابي والحقوقي الذي يفترض أن يحمي هؤلاء من الكارثة الاجتماعية والإنسانية التي وصلوا إليها.
وعلى مقلب صحيفة «الحياة»، عاد ملف المصروفين للتحرّك مجدداً بعد أشهر من المماطلة، وإغلاق مكتب بيروت في عام 2018، وإيقاف النسخة الدولية، وكذلك الموقع الإلكتروني الذي توقف التحديث فيه في أيلول (سبتمبر) الماضي. فقد رفع المصروفون في الإمارات والسعودية دعوى قضائية أمام هيئة «تيكوم» الإماراتية ضد الدار السعودية، لاسترجاع حقوقهم. وفي خضمّ استمرار التظاهرات الشعبية في لبنان، لجأ مصروفو «الحياة» ومجلة «لها» للاعتصام الشهر الماضي أمام السفارة السعودية في بيروت. هكذا، للمرّة الأولى منذ بدء الأزمة، رصّ نحو مئتَيْ موظف (صحافيين وتقنيين) الصفوف للاحتجاج بعد أكثر من عام على مماطلة الدار في إعطائهم مستحقاتهم.

عودة علي المسمار ومفاجأة «المنار»
في 27 آب (أغسطس)، أطلّ الإعلامي علي المسمار للمرّة الأولى على «المنار» بعد غياب قسري عن الشاشة دام لأكثر من عام. ظهر في النشرة المسائية الرئيسية، بعدما قدّمته زميلته غادة عساف النمر إلى الجمهور من جديد، قائلة: «أنهى الفاصل وعاد ليواصل». عاد المسمار مع ذكرى الاحتفال بالتحرير الثاني للسلسلة الشرقية ولانتصار تموز عام 2006، وقد شكّلت هذه العودة فرصة لاختبار مدى الحب الجماهيري للإعلامي اللبناني الذي حظي باحتضان افتراضي وواقعي لم يسبق له مثيل في الجسم الإعلامي، حتى في غيابه نتيجة مقارعة المرض الخبيث. بقي المسمار حاضراً على الألسنة واسمه قيد التداول. وفي الخامس من أيلول (سبتمبر)، استضافته شاشة «الميادين» ضمن برنامج «المشهدية»، ليكشف وقتها عن الرحلة الطويلة والشاقّة التي خاضها في العلاج، ولا سيّما أنّ مرضه يُعدّ «نادراً وصعباً».


أطل الإعلامي علي المسمار للمرّة الأولى على «المنار» بعد غياب قسري دام لأكثر من عام

وعلى «المنار» أيضاً، وفي خطوة غير مسبوقة، كُشف في ذكرى انتصار تموز 2006 اللثام عن كواليس عملية قصف البارجة الصهيونية «ساعر 5»، التي دكّتها المقاومة في 14 تموز (يوليو) من عام 2006، وشكّلت إحدى اللحظات التلفزيونية المفصلية، كونها حصلت مباشرة على الهواء بأمر أمين عام «حزب الله» السيد حسن نصرالله لها. ضمن حلقة «جند مغرقون» (إنتاج مشترك بين «المنار» و«الإعلام الحربي»)، عرضت قناة المقاومة صوراً لمنصة الصواريخ التي استهدفت البارجة، وقد تموضعت كما كشف «الحاج جلال»، القائد في «القوات البحرية»، في محيط «السفارة الكويتية» في العراء. كما عرّجت الحلقة على غرفة عمليات المقاومة ضمن لقطات أظهرت كيفية تنفيذ العملية. ولا شكّ في أنّ حضور القائد العسكري الشهيد عماد مغنية، من خلال الصورة في الحلقة، كان للدلالة على دوره في هذه العملية النوعية.

◄ lbci تربح دعوى «القوات»
في شباط (فبراير)، أصدرت القاضية فاطمة الجوني، قراراً بإبطال التعقبات في حق رئيس مجلس إدارة lbci، بيار ضاهر، في دعوى «الاحتيال وإساءة الائتمان» التي أقامتها «القوات اللبنانية» ضدّ المحطة ورئيسها. قرار أثبت ملكية «المؤسسة اللبنانية للإرسال» للضاهر بعد 12 عاماً من المحاكمة. استندت الجوني في القرار إلى تمويل القناة في البداية من «ميليشيا منحلّة»، واكتساب المحطة «وجودها الشرعي من خلال الترخيص الذي مُنح لشركة ضاهر». القرار الصادر ألزم الجهة المدّعية ببدل عطل وضرر، و«ردّ كلّ ما زاد أو خالف»، و«بتضمينها» النفقات. وسادت هذه المرحلة أجواء توتر بين الفريقين، وتسريبات واجتزاءات من حقبة الثمانينيات. يذكر أن lbci ربحت أيضاً في «محكمة التحكيم الدولية» في فرنسا دعوى شخصية كانت شركات الأمير الوليد بن طلال قد رفعتها ضدها، بشأن تصرّف الضاهر في إدارتها، وعلى رأسها شركة «باك». إذ أكد القرار أنّ هذه الشركات تتحمّل وحدها إفلاس «باك»، ويتوجّب عليها تسديد الأموال للضاهر.
ظلّت lbci الرابح الأبرز بفعل ما أرسته في التغطيات من توازن بين الأطراف كافة



◄ «اللبناني قبل الكل» وعودة التحريض
زوبعة بكل ما للكلمة من معنى، أثارتها في حزيران (يونيو) حملة «اللبناني قبل الكل»، التي أطلقها «قطاع الشباب والرياضة» في «التيار الوطني الحر». أجواء مسمومة أعيد إنتاجها في تلك الفترة، من خلال استخدام قانون العمل لمحاربة اليد العاملة الأجنبية، وخصوصاً السورية. حملة تخطت الإطار الموضوع لها، وذهبت نحو العنصرية ورهاب الأجانب، وحتى إذلال العمال الأجانب، بمعية otv، التي ساندت هذه الحملة وأسهمت في التحريض على هؤلاء، من خلال تصوير شبان من التيار يدخلون إلى محال تجارية ويتأكدون من أنّها خالية من الأجانب!
حملة ميدانية وافتراضية ممنهجة، أعادت واقعاً سبق أن اختبرناه بعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري حين زاد التحريض على السوريين، إلى درجة وصلت إلى حدود التصفية الجسدية لبعض العاملين في لبنان. وإبان فتح وزير العمل كميل أبو سليمان ملف العمالة الفلسطينية في لبنان في أيلول (سبتمبر)، وقرار الفصائل الفلسطينية الاعتراض عليه، استرجعت lbci خطاباً انعزالياً لازمها لسنوات، إذ أعادت وقتها التذكير بأسباب اندلاع الحرب الأهلية، وراحت بإمكانية تكرار السيناريو نفسه بعد أربعين عاماً، على خلفية تنظيم اللاجئين الفلسطينيين وقفة احتجاجية في مخيم «عين الحلوة» (صيدا ــ جنوب لبنان).

◄ جو معلوف: «يا فرحة ما تمّت»!
في منتصف شهر آب (أغسطس)، أُعلن عن انتقال جو معلوف إلى شاشة mtv، بعد سنوات قضاها في lbci، متنقّلاً بين برنامجَي «حكي جالس» و «هوا الحرية»، اللذين نافسا ما يسمى «برامج الإثنين». انتهى العقد مع lbci، غير أنّ معلوف لم يهنأ ببرنامجه الجديد «بالوكالة» الذي أحيطت تفاصيله بتكتّم واضح إلى حين ظهور البرومو الخاص به. لم يقف الأمر عند هذه الحدود، بل أطاح الحراك بشكل كليّ بهذا البرنامج ومصيره، إذ تبدّلت البرمجة، ليعود ويظهر معلوف على mtv لكن ضمن مساحات تُعنى بمواكبة التظاهرات الشعبية، إلى حين تثبيت برنامج خاص له في هذا الإطار تحت عنوان «لآخر نفس». يتابع العمل قصصاً تخص الحراك، لكن من زاوية تسعى إلى الشحن العاطفي أكثر من تقديم مادة مفيدة.

◄ إدمون صعب
في نهاية الشهر الأوّل من عام 2019، رحل الصحافي الكبير إدمون صعب (1940 ــ 2019) بعد صراع مع المرض. أسبوع واحد فصل بين رحيله ووفاة الأديبة والصحافية مي منسى (1939 ــ 2019). عمل صعب قرابة 45 عاماً في مجال الصحافة المكتوبة متنقّلاً بين صحف «النهار»، «السفير» و«الأخبار»، مع مساهمات غنيّة في قسمَي «الرأي» و«السياسة المحلية». ينتمي صعب إلى مدرسة عريقة من الصحافة اللبنانية، عاصر فيها كبار الصحافيين، وقد صدر له كتاب «العهر الإعلامي... من إبراهيم اليازجي إلى غسان تويني» (دار الفارابي)، ولم يسعفه الوقت ليشهد صدور كتابه الثاني «مسيرة عمر مع غسان تويني من زنزانة الحرية الى رهبانية النهار» (الفارابي)، الذي يتوزّع على فصلين: الأول بمثابة سيرة ذاتية، والثاني يسرد فيه للعوامل التي جعلت «النهار»، «مدرسة» في عهد كل من غسان وجبران تويني.