مسعود ضاهر *

عبيدو باشا مسرحي محموم عايش المسرح العربي في عصره الذهبي، وحاول في كتابه الموسوعي «تياترو العرب ـــ المسرح العربي على مشارف الألفية الثالثة» (جزءان ـــ دار الآداب 2014) الربط بين ماضي المسرح عند العرب وحاضره في مرحلة الأزمة التي تعيشها المجتمعات العربية في المرحلة الراهنة. في تأريخه المسرح العربي، انطلق من معايشة يومية طويلة الأمد، واستند الى مقولات نظرية بالغة الأهمية تلقي أضواء كاشفة على تطور المسرح في لبنان، على ضوء وقائع تاريخية مثبتة بأسماء الرواد، ونتاجاتهم المميزة، وتجاربهم الفنية على خشبة المسرح. التراث الإنساني واحد، والتراب المسرحي جزء منه. وقد تمحورت مقولاته النظرية ضمن مسألتين أساسيتين: أولاً: المسرح هو مملكة الحرية، يعبّر بصدق عن أحلام الناس وأفراحهم وأحزانهم. تراث الحرية واحد، وهو مجال واسع للتفاعل الإنساني. والمسرح جزء لا يتجزأ من مجتمع المعرفة العالمي، وقد نال العرب حصتهم منه عبر المسرح الغربي وباقي الأنواع الثقافية في العالم كله.

الأمر الثاني، أنّ المسرح العربي هو نتاج النخب المسرحية العربية التي تعرفت الى مقولات الغرب الثقافية، وقدمت أعمالاً هامة تؤكد أنّ تجربة المسرح العربي تندرج تحت عباءة المسرح العالمي وتشكل جزءاً لا يتجزأ من مسيرته الثقافية في مرحلتي العصر الذهبي والأزمات المصيرية المتداخلة.
عايش عبيدو تطور المسرح العربي من خلال مشاركته الفاعلة في الحركة المسرحية في لبنان، وعبر إطلالات متعددة على التجارب المسرحية في مصر، وتونس، وسوريا، والمغرب، والجزائر، والخليج العربي، والعراق، وفلسطين، والأردن، والجماهيرية الليبية. وقد يؤخذ عليه تغييب الدراسات الكثيرة في المسرح العربي، وتخليه عن الاقتباس، والملاحق، والمقابلات، والمصادر، والمراجع، لكنه رفد المكتبة العربية بكتاب موسوعي بعيداً عن التوثيق الأكاديمي البارد. حضرت المعطيات المثبتة بقوة، وتدفقت من خلال ذاكرة المؤلف لتؤرخ بالكلمة الحية، والوقائع الدقيقة من دون أن ترهق هذا الكتاب الموسوعي بأوزان لغوية إضافية. اعتمد التحليل المباشر والانسيابي عبر الذاكرة الحية والمعايشة الدقيقة لحركة المسرح العربي، بعدما أفاد من تجربة الحكواتي ومن تجاربه وكتاباته المسرحية والنقدية السابقة. لذا يمكن اختصار مادة هذا الكتاب بالقول: «مسرحي محموم يدافع عن المسرح بعد عمر طويل من النضال في ساحته، معداً ومخرجاً ومنظراً». لما كان من الصعب مناقشة ما ورد في هذه الموسوعة، اكتفينا بتقديم صورة المسرح اللبناني كما تجلت في تأريخ عبيدو باشا الذي انطلق من ريادة بيروت وأكدت موقعها الطليعي في المسرح العربي. وتضمنت الدراسة إشارات مكثفة يمكن إدراجها ضمن مراحل أربع:
الأولى هي مرحلة ولادة المسرح اللبناني. كانت الولادة مع مارون النقاش. بعد تجاربه القليلة، اضطر الى إغلاق مسرحه أمام جبروت مثلث الدين والجنس والسياسة، وما زال الكابوس جاثماً على صدر الثقافة والمثقفين في لبنان. ولعل أخطر ما فيه أنّ السلطة السياسية تمنع المساس برجال السياسة، ورجال الدين، والقضايا الجنسية، والتقاليد الاجتماعية. لذا وجد المسرح صعوبة كبيرة في ترسيخ جذوره داخل التربة اللبنانية، رغم انفتاح لبنان على الغرب، وتفاعله المبكر مع ثقافاته العصرية، ومدارسه العلمانية، وجامعاته التي وجدت أولاها طرقها الى بيروت منذ عام 1866، وقبل أي بلد عربي آخر بعشرات السنين. لكن الحركة المسرحية فيه بقيت في إطار الترجمة، والاقتباس، والتقليد. وبقي دور المسرح هامشياً لأنه لم يتجاوز حدود التسلية.
تطور المسرح اللبناني بصورة تدريجية في عهد الانتداب وبدايات الاستقلال. بدأ يشق طريقه الخاص كمؤسسة ثقافية لها كتّابها، ومسرحيوها، وجمهورها، وبدأت ترتدي طابع الفن الثقافي الطليعي والمميز والمتجه بقوة نحو باقي الدول العربية. تبلورت في داخله مدارس متنوعة، منها دعاة المسرح الكلاسيكي، والمسرح التجريبي، والمسرح الرومانسي، والمسرح الغنائي، والمسرح الصامت، ومسرح الدمى، وتجارب الشباب الأكاديمي... يلاحظ عبيدو باشا بدقة أنّ كتّاب تلك المرحلة كتبوا الكثير من الرواية والقصة والشعر والنثر، لكنهم حرموا المسرح من إنتاجهم. وركز المسرحيون الاوائل على الترجمة، والاقتباس، ولاحقاً الارتجال بشكليه الفردي والجماعي. فتأخر اللبنانيون ومعهم باقي العرب في تنظيم العالم على خشبة المسرح باعتباره صراعاً بين نمط الحياة القديمة والحياة المعاصرة الحديثة.
كان المسرح اللبناني عربياً منذ لحظة ولادته الأولى مع مارون نقاش أولاً، ومع تجدده عبر رواد العصر الذهبي في النصف الثاني من القرن العشرين. ولا يزال حتى اليوم عربياً بامتياز. ويؤكد عبيدو باشا أنّ منير أبو دبس اللبناني كان عربياً في الانتقال من حيزه المحلي الى الحيز العربي الأوسع، حاملاً بذرة مسرحية جديدة في أرض خصبة، وبقيت قابلة دائماً للتخصيب.
أما المرحلة الثاني فتتعلّق بجيل الرواد والعصر الذهبي لمسرح التنوع والتعددية الثقافية في لبنان خلال ستينيات القرن العشرين. بدأ المسرح اللبناني يشق طريقه بصعوبة كبيرة داخل الجمهور اللبناني الضيق وفي الجمهور العربي الأوسع. اعتمد طريقة الاختبار، والتجارب المستندة الى نظريات مقتبسة عن رواد المسرح العالمي. تبلورت خصوصية المسرح اللبناني من خلال احترامها لمبدأ التعددية والتنوع الذي يشكل سمة بارزة للمجتمع اللبناني الحديث والمعاصر. كانت أعمال الرواد في النصف الثاني من القرن العشرين تبرز التعددية السكانية، وتحترم عادات الآخر وتقاليده. وبرزت على خشبة المسرح اللبناني أعمال رائعة ورائدة وطليعية في المسرح الغنائي مع الأخوين رحباني وروميو لحود، والمسرح الراقص مع فرقة «كركلا»، ومسرح «الشانسونييه»، والمسرح الصامت. حمل بعض الرواد من أمثال منير أبو دبس، ويعقوب الشدراوي، وجلال خوري، وغيرهم راية رموز كبيرة في المسرح العالمي. وبات النص في المسرح اللبناني عرضاً متكاملاً يركز على النواحي الفكرية والجمالية والقيمية والإنسانية، ويسعى الى تأسيس وعي ثقافي جديد يتلاءم مع التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والتربوي الذي شهده لبنان بعد الاستقلال حتى انفجار الحرب الأهلية عام 1975. شهدت مدينة بيروت الكوسموبوليتية حركة مسرحية ناشطة بقوة، وطاولات مستديرة حول المسرح العالمي، تحت رعاية «اليونيسكو». نظّم جلال خوري مؤتمر المسرح العالمي الثالث برعاية «المركز اللبناني للمؤسسة الدولية للمسرح» عام 1974 بحضور ست وعشرين دولة. كانت تلك الحقبة بمثابة العصر الذهبي للمسرح اللبناني، وأعطت لمسرح بيروت سمة الطليعية في العالم العربي. لمعت أسماء لبنانية كبيرة في عالم المسرح العربي؛ من أمثال: شكيب خوري، روجيه عساف ومعه تجربة مسرح الحكواتي، موريس معلوف، ريمون جبارة، نضال الأشقر، رفيق علي أحمد، جوزف بو نصار وزياد الرحباني، بالإضافة الى مسرح شوشو، وتجارب المسرحيين الشباب، والمسرح الصامت، ومسرح الدمى. ولعبت على خشبة بيروت مسرحيات عدة بالعربية والفرنسية، والإنكليزية، والأرمنية وغيرها.
بات للمسرح دور فاعل في مواجهة النظام الطائفي في لبنان من مواقع متقدمة في صفوف المعارضة، احتلها بجدارة مسرحيون متنوّرون حملوا قضايا لبنان واللبنانيين، وانتقدوا بجرأة زعماء الطوائف، ورجال المال والاحتكارات، وزعماء الميليشيات، ورموز الفساد والإفساد من جميع الطوائف. منذ البداية، طرحوا مقولات سياسية تنويرية للتغيير الديموقراطي الذي يخدم اللبنانيين جميعاً. اتخذ المسرح اللبناني إطاراً نقدياً، واستوعب كل الاتجاهات والتجارب المسرحية التي تندرج في إطار مناهضة الفكر الطائفي في جميع تجلياته وليس عبر طائفة بعينها، وبات له دور مؤثر في تشكيل وعي اللبنانيين عن حقيقة الحرب في وطنهم.
تأتي المرحلة الثالثة التي تشمل أزمة المسرح كتعبير عن أزمة المجتمع اللبناني في المرحلة الراهنة.
أطفأت الحرب اللبنانية الطويلة الكثير من شموع مسرح بيروت. لم تعد المسرحيات اللبنانية تحظى بالتأثير الذي مارسته سابقاً على المسرح العربي من خلال «أيام قرطاج المسرحية» في تونس. ولم يتجند اللبنانيون للدفاع عن المسرح اللبناني إلا في حدود ضيقة. وسرعان ما أصابت المسرح العربي عدوى اليأس والإحباط، فدخل في أزمة مصيرية مستمرة.
لقد فرضت الحرب الأهلية عزلة كبيرة على الحياة الثقافية والفنية والمسرحية في لبنان لسنوات طويلة، ولا تزال آثارها السلبية حاضرة بقوة رغم محاولات النهوض مجدداً عبر مسرحيات لم تعمّر طويلاً. انحسرت الحياة الثقافية والفنية الى أدنى مستوياتها بعد مرحلة العصر الذهبي الذي سبق الحرب. وكثر الحديث أخيراً عن موت المسرح في لبنان والعالم العربي. وبسبب فساد نظامه السياسي المرتكز على زعماء الطوائف، لم يعد لبنان من طلائع المنطقة العربية في المسرح وفي مجالات فنية وثقافية أخرى. أدت العولمة الشرسة الى ضياع القيم الثقافية والإنسانية. بات المسرح العربي يستورد أنماطاً ثقافية وفنية وتربوية جاهزة من صنع الغرب، يتم ترويجها بسلطة التكنولوجيا الفاعلة والترويج الإعلامي. ارتبكت جميع المحاولات الأكاديمية والشبابية، وعجزت عن بناء تجارب مسرحية قابلة للاستمرار. ضاعت النزعة الإنسانية السابقة التي دمغت مسرحيات العصر الذهبي بطابع متميز. وشوهت النزعة المادية روح المسرح بعدما غلبت عليه النزعة المادية ومردود شباك التذاكر. وما يحدث في لبنان اليوم ليس معزولاً عما يجري على المستويين العربي والدولي. مع ذلك، ترك المسرحيون اللبنانيون والعرب عدداً كبيراً من الأعمال والتجارب عبر تقنيات متباينة. وكانت التجربة اللبنانية في طليعتها من حيث تنوع تجاربها. وتمسكت دوماً بالتعبير عن التعددية والتنوع في المجتمعات العربية، وبات الفن المسرحي مؤشراً هاماً على مستوى التطور الإبداعي باتجاه الجمع بين الأصالة والمعاصرة. أخيراً، يأتي دور المسرح بصفته أداة فاعلة في التغيير الجذري للمجتمع الطائفي الميليشيوي في لبنان.
كان المسرح في لبنان مكاناً مميزاً يجتمع فيه اللبنانيون كي يتعرفوا إلى مشكلات مجتمعهم، ويتساعدوا على حلها، ويواجهوا قضاياهم بوعي حقيقي وليس بوعي طائفي مزيف. ثقافة الطائفية في المجتمع اللبناني لم تعبر يوماً عن القوى المتنورة في لبنان، ولم تساعد على تطوير الإنتاج والحفاظ على نظام القيم الضابط لحماية المجتمع اللبناني من الثقافة الكونية المدمرة التي حملتها عولمة إمبريالية شرسة. وكانت مهمة المسرح في لبنان تنويرية بامتياز، قامت على تمجيد الحرية، والمواطنة، والتعددية، والتنوع والنظام الديموقراطي.
لم تقتصر وظيفة المسرح في لبنان على تقديم نص مسرحي جميل بتقنيات عالية فحسب، بل عمل أيضاً على تعرية تناقضات المجتمع اللبناني الطائفي ومواجهتها بجرأة. وطالب بأن يعطى الإنسان اللبناني الفرصة لحياة أفضل. لعب المسرح دوراً أساسياً وفاعلاً في بناء حياة أفضل للبنانيين ولجميع العرب. ولا تزال بيروت تقاوم تسطيح الثقافة بشراسة. وهي دائمة التمرد على جميع التجارب المسرحية التي أعدّت دفاعاً عن ثقافة العصر النفطي. بيروت لا تتعب من حمل الرسالة، ولا تزال تقاوم على رجاء قيامة المسرح وجميع الفنون الثقافية فيها. لذلك، استمرت تجربة المسرح في لبنان في أحلك الظروف وأصعبها. ولا يزال متحفزاً لمواكبة الزمن الجديد الذي أسست له الانتفاضات العربية عام 2011. الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي، ويريد رغيف الخبز مع الكرامة. والمسرحيون اللبنانيون والعرب يلعبون اليوم دور سيزيف الذي ما زال يدفع صخرته الى أعلى الجبل، مدركاً أنّها ستعود الى الوادي. إنّها جدلية الإنسان المقاوم التي عبر عنها المسرح في لبنان أصدق تعبير. ختاماً، لم تستطع الحروب الأهلية ولا ثقافة الزمن النفطي منع ولادة الانتفاضات العربية، أو قطع الطريق على ثقافة التغيير الديموقراطي الجذري التي بدأت تلوح في الأفق العربي. التاريخ يتطور من جانبه الأكثر سواداً، كما يقول إنغلز. هل هناك سواد أكبر مما يعانيه اللبنانيون اليوم، ومعهم جميع العرب؟ بيد أنّ التفاؤل بالمستقبل ضروري في هذا المجال تحديداً. «لأنّ لحظة من الظلام، كما يقول غابرييل غارسيا ماركيز، لا تعني أنّ الناس أصيبوا بالعمى». إنّه تفاؤل الإرادة في ظل سيطرة تشاؤم العقل، حسب توصيف غرامشي، وقد زيّن به عبيدو باشا هذا العمل المميز عن المسرح العربي.
* كاتب وأكاديمي لبناني