غزة | ثماني دقائق كانت كفيلةً بشنّ الفلسطينيين حرباً ضروساً على محمد بكري. دقائق وجيزة صبّها الممثل والمخرج الفلسطيني في قالب سينمائي أراده مُتخماً بالرمزية والدلالات. غير أنّ تسطيح القصة التي يُفترض أنه يعالجها، أفقدها هذه الرمزية. نحا صاحب «جنين، جنين» إلى حبكة غير منطقية وحلٍّ معزول تماماً عن الواقع، وتحديداً عن المكان الذي تدور فيه الأحداث.


وحده اسم الفيلم «يرموك» (8 د) نهل من الرمزية بشكل نسبي، وإن أسقط بكري عنه «أل التعريف». هذا الفيلم القصير الذي طرح على يوتيوب، بدا صفقة تجارية رابحة. معظم كادره الفني والتقني (14 فرداً) من عائلة بكري، وخُتم بتقديم الشكر إلى أهالي قرية النبعة مسقط رأس الفنان.
العمل القصير الذي أثار جدلاً كبيراً على النت، اختزل أزمة مخيم اليرموك بجملة بسيطة افتتح بها: «جرّاء الأحداث الدامية التي اندلعت في سوريا منذ 2011، تشرّد مئات الآلاف وعضهم القهر والجوع». إذاً، لم يعد خافياً على أحد أنّ الفيلم يتمحور حول الأزمة التي ولّدها حصار النظام السوري للمخيم على مدار 9 أشهر. بحركة بطيئة، تتنقّل الكاميرا بين وجوهٍ أكلها البؤس والذعر. التقطت الكاميرا قسمات وجوه عائلة فلسطينية مؤلفة من أم وستة أطفال وأب (محمد بكري). عائلة من اليرموك ترزح تحت أزيز الرصاص وهدير الطائرات التي لا تتوقّف عن قذف حممها البركانية على رؤوس لاجئي المخيم. حالة سكون قاتل تخيّم على منزل العائلة المتواضع، غير أن نظرات الأب المحدّقة بطفلتيه اللتين لا تتجاوزان 14 عاماً تخترق هذه الحالة. بعد فترة حيرة، يحسم الأب أمره ويقرّر قبض ثمن ابنته الصغرى. يقود سيارته على وقع أصوات الرصاص، وإلى جانبه طفلته التي سيبيعها مقابل الحصول على المال. تصل السيارة من دون أن يصيبها مكروه إلى منطقةٍ تبدو منفصلة عن المخيم. تقترب سيارة فارهة من سيارة بكري يستقلّها سائق ورجل خليجي يرتدي الثياب التقليدية، ويغطي «الشماغ» رأسه.
يترجّل السائق، متوجّهاً إلى الأب، ليطلب بشكل فجّ من الطفلة فتح فمها لمعاينته كأنها مجرد بضاعة! يعاين «السمسار» هذه «القطعة» ثم يعود أدراجه ليقدّم تقريره لولي نعمته، فيقرّر الخليجي لاحقاً خفض ثمن اغتصابه (زواجه) الفتاة القاصر! هذا ما نستشفه حين يعود السائق إلى بكري، ويعطيه ملغاً من المال. يتناوله بكري، قائلاً باستنكار: «هاي بس خمسة. اتفقنا على ألف». يسوّغ السائق دفع نصف الثمن بتلف أسنان الطفلة. بدوره، يتناول السائق الطفلة التي تودّع أباها بنظرات ملؤها اللوم. ثم يعود بكري إلى عائلته ومعه أكياس الفواكه.
وقع بكري في وحل السقطات التي لم تكن اعتباطيةً. كانت مدروسةً بعناية. سعى إلى حشو أدمغة المشاهدين بأمر منفصل عن واقع المخيم الذي لم يشهد حالة تزويج قاصراتٍ لأثرياء الخليج. صحيحٌ أن زيجات حصلت بهذه الطريقة في مخيم «الزعتري» في الأردن، إلا أنه لم تطفُ على سطح مخيم اليرموك أي حالةٍ مماثلة. ركل بكري المعركة الأسطورية التي خاضها لاجئو المخيم أثناء الحصار، فقدمها بشكل انهزامي مبتذل، واختصرها ببيع الفلسطيني جسد ابنته. فات المخرج أنه حين ضرب الحصار على المخيم، طاول الجميع، فكيف للخليجي ولوج المخيم بسهولة؟ وبدا معيباً أنّ سيناريست الفيلم (صالح بكري) ومخرجه لم يدرسا الظروف الموضوعية لحصار المخيم، ولم يقتربا من حقيقة أزمة الجوع. بالطبع، لم يستوقفهما هذا السؤال: «كيف للأب أن يدخل محمّلاً بأكياس الفواكه في مخيم محاصر تتوافر فيه السيولة وتنعدم فيه المواد التموينية؟». أعمل بكري خياله في الفيلم، حتى أصابته سهام الفلسطينيين الذين طالبوه بالاعتذار من المخيم، فـ «بكري يحاول تقديم رؤيته المفصولة عن أي واقع حقيقي لمعاناة مخيم اليرموك وأهله من خلال قصة خيالية منسوجة في عقل مُكتَظٍّ بترّهاتٍ غوبلزية يتلذذ بابتداع الأكاذيب والتلفيقات» وفق تعبير أحد الفلسطينيين على فايسبوك.
حالة الغليان التي انتابت الفلسطينيين قابلتها حالة دفاع خجولة عن بكري. استنكر أصحابها القدح بوطنية بكري، فرأى أحدهم أنّ ما طرح في الفيلم ليس بمعزل عن الواقع، فقال: «من السهل أن تطعن أي مثقف من خاصرته السياسية، وهذا ما يحدث مع فيلم «يرموك». الفيلم يصوّر حدثاً شاهدناه في وسائل الإعلام، ويُعيد خلقه بلغة رمزية، في قالب سردي سينمائي. ولا يحتاج إلى كل هذه الشتائم. عائلة فلسطينية أو سورية أو لبنانية لاجئة تُحاول الصمود في وجه السلطات المستبدة، سورية كانت أو خليجية أو أميركية». وسط التأرجح في الآراء، يبقى الثابت أنّ بكري لم يقدّم صورة منصفة وحقيقية لمعاناة اليرموك، بل اختزلها في قرني موز حملهما ابنه بعدما استحصل ثمنهما من جسد طفلته!

يمكنكم متابعة عروبة عثمان عبر تويتر | @OroubaAyyoubOth