رغم خروج رواية «منافي الرب» («دار العين»، ثم طبعة ثانية صدرت أخيراً عن «دار الحضارة العربية») لأشرف الخمايسي من القائمة القصيرة لـ«بوكر» العربية، إلا أنّ بلوغها اللائحة الطويلة أتاح لها فرصاً للقراءة لم تكن متوافرة قبلاً. تنهل الرواية من حضور أسطورة الموت داخل مجتمع غرائبي في إحدى واحات الصحارى المصرية عبر زمن سردي أقرب إلى الثلاثينيات والأربعينيات. نتتبّع سيرة حجيزي البالغ مئة عام، وهو يراوغ رؤيا جاءته في منامه بأنّه سيموت بعد ثلاثة أيام. خلال هذه الأيام، نتابع هواجسه ورغبته في الهرب من الموت.


وإلى جوار الأسطورة الثابتة عن الموت، نتأمل أسطورة البطل في الحياة عبر يومياته في قرية «موط» التي تشبه قرية ماكندو، حيث كانت تعيش سلالة «آل بوينديا» التي أسسها خوزيه أريكاديو _ الجد الأول _ في «مئة عام من العزلة» لماركيز.
إنها قرية معزولة عن العالم، لكنها تنفي عزلتها بحضور أفرادها في نسيج لا ينتهي من حكايات تتناسل حول نقطة مركزية. يحدّد الكاتب المصري عالمه السردي، مستعيناً بأطر يرغب عبرها في التأسيس لغرائبية مصرية خالصة حول جلال الموت.
من ناحية أخرى، يسعى إلى تفكيك تلك الأسطورة، انطلاقاً من كتاب الموتى الفرعوني، وصولاً إلى حكايات حجيزي المتكئ على صلته بحرفة محنّط الموتى الأب شديد الذي علّمه درس الحياة. يؤمن حجيزي في قرارة نفسه بأنه مات وعاد من الموت محمّلاً بأسئلة القلق والوجود التي تراوغ المعطيات الصوفية وتقاربها من الدين الشعبي. لا يفارق حجيزي بيته إلا ليلتقي بصديقه الأصغر سناً سعدون الذي يعيش أزمة فقدان زوجته في حريق أطاح بيته وابنه الوحيد. في الحوارات التي تجمع الصديقين، تتوازى أمثولات سردية حافلة بالعلامات على أزمنة تفيض بتحوّلات المكان الذي لا يمرّ عليه الغرباء، كأنه محاط بأسطورة النقاء.
تعطي الرواية أمثلة عدة تفارق فكرة الإيمان، على عكس ما قد تشير القراءة المتعجلة لعمل حافل بخطابات عدة، أهمّها إدانة النص المغلق. الأساطير ظلّت دوماً تحمل حلولاً كيفيّة للتعامل مع أسئلة الوجود الكبرى. هكذا، يخاف شيخ المسجد التقليدي من تعبيد الطريق كي لا يأتي الغرباء، ويؤسّس بخطابه الذي يسخر منه البطل لمفهوم راغب في هوية خالصة تقطع الطريق على فكرة التفاعل. وهذه أسطورة أخرى تبددها الرواية. لا تغيب عن القارئ الصورة التي يقدمها الكاتب عن المرأة. صورة تغاير الانطباعات المستقرّة عن تهميشها، فهي فاعلة بأكثر من معنى داخل هذا المكان الذي يبدو ساحة مثالية لمطاردة أثر الزوال وتأمّله. المنافي التي نراها، لا تقتصر على المكان، لكنها مستقرة في الأرواح التي تنصت إلى نشوتها. وربما تفسّر هذه النزعة التأملية بطء الإيقاع السردي في مساحات كثيرة من العمل.
تربط الرواية أيضاً سؤال الموت بأمكنة العبادة، بدءاً من المسجد الصغير الذي يفرط الكاتب في شرح محتوياته، وصولاً إلى دير الأنبا يؤانس الراهب المسيحي الذي يواجهه حجيزي بتصوراته عن الموت. مواجهة مؤرقة كأنها خيط يفصل بين عالمين: عالم ماورائي، وآخر متحقق على الأرض يمكن معاينته عبر علاقة حجيزي مع ابنه بكير وأحفاده.