«قتِلت كأن شيئاً لم يكن. لم يتكلم أحد عنها. لم تتوقف الدروس في جامعتنا. مرت الجريمة مرور الكرام. لم يستنكر أحد الأمر، لأنها جريمة «شرف». لكن حكايتها بقيت في داخلي طيلة أيام حياتي.» لذا قررت لارا قانصوه أن تقيم عرساً لصديقتها المغدورة زهوة التي ما زالت روحها تحوم حولها منذ مقتلها قبل حوالي عشرين عاماً. لم تعرف قانصوه ماذا تفعل بشبح الجريمة الذي يطاردها منذ ذلك الحين الى أن صعقها شريط وثائقي شاهدته عن الاغتصاب الجماعي الذي حصل في مصر إبان الثورة، مما أعاد إليها صورة صديقتها زهوة ودفعها الى فعل شيء ما.


قانصوه خريجة الآداب التي تملك شركة تنظيم مناسبات فنية، ارتأت أن يكون المسرح مكانها العلاجي في طرح قضية زهوة لأنّها ألّفت «عرس زهوة» أخيراً كما أنها تعتبر أنّها قادرة على التعبير من خلال العناصر البصرية والسمعية. لم تجد صعوبة كبيرة في تنفيذ العمل كونها غير محترفة مسرحياً. لقد وجدت دعماً وتعاوناً من العديد من المسرحيين المحترفين البارزين الذين جذبتهم ضرورة طرح قضية المرأة المعنَّفة. تقول الفنانة المسرحية مايا زبيب التي تعمل على إدارة التمثيل في العرض إنّ فكرة العمل جذبتها لأنها تطرح قضية حقيقية وهامة. كما أن شفافية قانصوه في طرح تجربة شخصية عاشتها قد شجّعت زبيب على التعاون بغض النظر عن مدى احتراف قانصوه وانخراطها في العمل المسرحي.
تقول قانصوه لـ «الأخبار» بأنّ العرض الذي تفتتحه اليوم ضمن «شهر الفرنكوفونية»، عبارة عن ثلاث لوحات. وكل لوحة محورها نصّ لكاتب. اللوحة الأولى «زهوة المرأة – الجسد - الحب» هي نصّ كتبه عبّاس بيضون خصيصاً لزهوة بناءً على طلب من قانصوه. تدور اللوحة الثانية «زهوة الأرض» حول العذاب والعنف في الأرض من خلال نصوص لمحمود درويش. أما اللوحة الثالثة والأخيرة «زهوة الأم»، فتتناول وضع الصغار الذين يموتون في الحروب باقتباس عن نصّ لمارغريت دوراس.
تستخدم قانصوه مساحات فنية مختلفة للتعبير. العمل ليس مسرحية بل هو أقرب الى عرض فنون بصرية وسمعية من أجل الاحتفاء بزهوة. يرسم جان مارك نحاس بشكل مباشر ومرتجل خلال العرض. وتغني دالين جبور. وترقص وفاء حلاوي التي تشارك جنى صالح في إخراج الفيديو. وتؤدي مروى خليل وهاشم عدنان تمثيلاً بتصاميم من توقيع ميرا غندور تابت ضمن سينوغرافيا لنيلوفار أفنان، وكوريغرافيا لليابانية كازومي فوشيغامي وجو إضاءة لهاغوب ديرغوغاسيان.
تعتبر قانصوه أنّ العرض سيكون مفصلاً هاماً في حياتها الشخصية والمهنية معاً. لكنها لا تخفي أنها ما زالت لا تفهم لماذا قضت زهوة. كما أن عقلها لا يحتمل منطق العنف. تقول «ما زلت لا أفهم لماذا قد يقتل شخص شخصاً آخر لمجرّد أنه أحبّ؟» لا تدّعي قانصوه بأنها تقدم العرض من أجل تغيير ما في المجتمع، بل تعتبر أنه لمجرد كون العمل نابعاً من تجربة شخصية وحقيقية، فإنه سيلمس حتماً العديد من الناس. وبذلك تكون قد شاركت في العمل الجماعي حيال العنف ضد المرأة، خصوصاً مع الصرخات التي تعالت أخيراً في لبنان مطالبةً بوضع قانون صارم يجرّم العنف الأسري والعنف ضد المرأة. تذكر قانصوه أنّ العرض سيستقبل طلاب مدارس لأنّ «الوعي يبدأ من المدرسة». في الختام، ترفض قانصوه الادعاء بأنها مخرجة وبأنّ هذا العرض مسرحية بل تصف العمل بأنّه احتفالية: «هيدا عرس زهوة، عم نعمل لها عرس».

* «عرس زهوة»: ابتداء من اليوم حتى الأحد المقبل ــ «مسرح مونو» (الأشرفية، بيروت) ــ للاستعلام 01/202422.




والعنف ما زال مستمراً

تمكنّت لارا قانصوه من جمع العديد من الفنانين ليكون عرس زهوة عرساً فنياً جماعياً حاشداً، حيث يعبّر كل منهم عن مشاعره على طريقته في إطار مسرحي حيّ. هكذا، قرّرت قانصوه أنّها ستتعامل مع الصدمة النفسية التي واجهتها بمقتل زهوة، وما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم. العنف ما زال ممارساً ضد المرأة بشتى أشكاله من دون أي رادع حقيقي. فكم من زهوة مرت منذ مقتلها حتى اليوم؟ وكم من زهوة تعايش العنف والموت وهي على قيد الحياة؟