«لا تدعوا دمشق وحيدة في الحرب»، عبارة كتبها شاب مغمور على صفحته على فايسبوك. العبارة اليتيمة استقطبت مجموعة من الشعراء الشباب للإسهام في تأسيس ورشة شعرية، أطلقوا عليها اسم «ثلاثاء شعر» لإبقاء دمشق على قيد الحياة. خلافاً للملتقيات الأدبية الأخرى التي انتشرت في دمشق، خلال السنتين الماضيتين، اكتفى هؤلاء الشباب بقراءة نصوصهم ومناقشتها وتطويرها في لقاء أسبوعي متنقّل بين مقاهي دمشق وحاناتها «تبعاً لجغرافيا سقوط القذائف»، وفقاً لما يقوله زيد قطريب مدير الورشة. تراكم النصوص أفرز حساسية شعرية خاصة، هي نتاج جيل وجد نفسه متورطاً بكتابة الحرب. هكذا جمع خمسة شعراء شباب نصوصهم في مجموعة شعرية مشتركة بعنوان «كريستال طائش» (دار سرجون للثقافة والفنون _ دمشق)، وستتولى الدار الجديدة نشر حصيلة ملتقى «ثلاثاء شعر» تباعاً. تجتمع التجارب الخمسة (معاذ زمريق، وأحمد علاء الدين، وأحمد ودعة، وجوزيف حداد، وأحمد سبيناتي) في فضاء شعري واحد، لكنها تفترق في النبرة والحساسية والمعنى، فهي «مجرد اقتراحات لنص مشتهى يمكن أن يتبلور لاحقاً»، حسب مانفستو المجموعة.


ليست مفردات الحرب وحدها من يتحكّم في مسالك هذه النصوص ومآلاتها. هناك الوحشة والهشاشة والفشل. يقول معاذ زمريق: «بحوزتي حياة مهترئة، فكّر كثيرون بترقيعها، لكن أياً منهم لم يستطع تحمّل رائحة ما دسّته العابرات في جيوبها»، لكن مشهدية الحرب تتفوّق على ما عداها، كأن يقول: «لديّ حقيبة مهترئة تثير شكوك رجال الأمن/ وهوية شخصية مكسورة، تجعلني أبلل بنطالي، عند كل حاجز عسكري»، و«لديّ قلب يغطيه جناح عبوة ناسفة». مفردات من هذا النوع تتكرّر، على نحوٍ آخر، في نصوص أحمد ودعة «أخوض حروباً على مشارف عينيك بمحاولات فاشلة/ لاحتلال ما يصعب احتلاله»، و«فتّشوا في جيوب الخراب ومحفظته، ستجدونني مدوّناً في السطر الأول، من جدول أعماله اليومية».
أما جوزيف حدّاد، فيسمّي أحد نصوصه «انتحاري بجسد منسوف»، ثم «ومضة ناسفة»، و«أدبّر لنفسي انتحاراً جزئياً»، فيما يهتف أحمد سبيناتي قائلاً: «مللت من هذا المسلسل الدموي، ومن لملمة أشلاء الضحايا»، ويخاطب الموت قائلاً: «صباح الخير يا موت.. ما جدول أعمالك اليومي؟»، و«تدرّبت على قفز الحواجز، والترنّح أمام طيش الرصاص، وأوركسترا الانفجارات». وحده أحمد علاء الدين اختطّ لنفسه بلاغة مختلفة، وذلك باستحضاره معجماً قديماً، ومزجه بمشهدية حداثية، تتكئ على الإيقاع أولاً، في محاولة لردم المسافة بين الموروث الشعري، وجنون اللحظة الراهنة، متلفّعاً بعمامة الأسلاف: «أنا فصول الوله في قحط الجوى»، و«فلتكن طيّباً أيها الله فقد رأيتها في التابوت متعبة».
«كريستال طائش» أم زجاج مكسور؟ لا يهم، إلا أن هذه التجارب الشابة تشي في المحصّلة بعتبة مختلفة في الشعر السوري الجديد، لجهة الضّد والعصيان واللايقين، من دون ضجيج أو ادعاءات، فهؤلاء الشعراء الذين أتوا من قلب الجحيم اليومي، وعزلة الضواحي، وثقافة الحاجز، وهذيان الميديا، يقدمون أنفسهم «بلا قواعد أو مساطر، أو براءة من العثرات والأخطاء، في وقت نعرف سلفاً أننا لن ننجو فيه من الاتهامات والتشكيك ومحاولات الاغتيال».