لا يخفى على المراقب المتمهّل أن التقدّم والحريّة ليسا من المكتسبات النهائيّة في أي مجتمع من المجتمعات، بل نتيجة صراع دائم تحكمه ظروف توازنات قوى سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة. والأزمات الكبرى تشكّل غالباً فرصة ثمينة للسلطة، بتجسيداتها كافة، كي تسجل نقاطاً، وتفرض تراجعات خطيرة في مجال الحريّات العامة.


السلطة بالمعنى القمعي الاستئثاري، وبما تمتلكه من أدوات وصاية وقمع في مكان وزمان محددين، تستعيد بعضاً من أمجادها الضائعة في ظلّ «خطر» يهدد الجماعات والأفراد. كل ما يرافق الأزمة من تصلّب وتشنّج وانغلاق وذعر وردّات، يساعد تلك السلطة في سعيها إلى استرجاع ما خسرته من امتيازات ومواقع، في زمن السلم والاستقرار والازدهار والتقدّم.
والتراجعات التي شهدتها وتشهدها بيروت في الآونة الأخيرة مخيفة ومذهلة. ليس في لبنان سلطة قمعيّة واحدة، بل وحش أسطوري بعشرات الرؤوس، يحرّك الخيوط خلف واجهة «الحضارة» و«الديمقراطيّة»… وبالتالي فإن القمع متعدد أيضاً. ولم يعد الوحش يجد حرجاً في أن يرينا وجهه الحقيقي في العلن، ويرفع الصوت عالياً من أجل مصادرة الاختلاف وتحجيم حقّ النقد. هكذا قد يصبح القضاء مثلاً ـــ مع تحاشي التعميم طبعاً ـــ أداة بيد الأقوى لحمايته وحماية موقعه وامتيازاته و«جرائمه»، في مواجهة الضعيف والأعزل الذي يمثّل صوت الناس ويعبّر عن قهرهم وغضبهم واحتجاجهم.
هذا ما سمعناه من رياض قبيسي ورامي الأمين صاحبي برنامج «تحت طائلة المسؤوليّة» الاستقصائي على «الجديد»، في توصيف معاركهما (الدونكيشوتيّة في النهاية) ضد الأخطبوط الذي يحكم جمهوريّة الموز. هذا هو المشهد التراجيكوميدي الذي نتفرّج عليه في حضرة محكمة مطبوعات تقول بوضوح إنّها قرّرت باجتهاداتها القانونيّة أن ترهب الصحافيين وتمنعهم تماماً من ممارسة عملهم وكشف المسكوت عنه، من أجل المصلحة العامة وحقوق المواطنين. لا مكان للمواطنين أصلاً في ظل نظام إقطاعي طائفي فاسد يقوم على رعايا تابعين خاضعين مبرمجين، يدعمون العقل السلطوي في حماية السائد. هكذا رأينا نقابة صحافيين ضد الصحافة، ورئيس مجلس وطني للإعلام ضدّ الإعلام… بل وزيراً للإعلام (متدرّجاً في المصلحة والحق يقال) يقف ضدّ حريّة الصحافة، ضد منطق المهنة وقواعدها وأصولها. وسمعنا وزيراً للعدل نظيف اليدين ومرتاح الضمير وفاضي البال، يعلن الحرب على الصحافة، ويصمّ أذنيه عن كل الصراخ الطالع من حوله. وأنّى له أن يسمع؟ مرّة أخرى يريدون تحويل القانون الى أداة قمعيّة لإخماد كل تعبير مختلف أو نقد أو فضح لفساد وانحياز وتآمر. وهناك قضاة مستعدون لتسخير ضمائرهم في خدمة السلطة المستبدّة.
إنّه «الثالوث المحرّم» نفسه الذي كتب عنه بو علي ياسين في زمن آخر: الجنس والدين والصراع الطبقي. المقام الرئاسي من المحظورات، حتّى لو قرّر شاغله أن يحوّل سليمان إلى بيتان، وبعبدا إلى فيشي، ويختبئ خلف خطاب «الدولة» (الخشبي!)، في خدمة مشروع واضح المعالم والخلفيّات، لحرمان اللبنانيين والعرب من قوّة ردعهم الوحيدة ضد إسرائيل. التعبير عن وجهة نظر دينيّة موضوع سجال فقهي في العادة، لكن المؤسسة الدينية تنتفض لتحويله «مساساً بعقيدة مقدّسة». «هيئة التبليغ الديني» في «المجلس الشيعي الأعلى» شنّت الحرب على صحافي أعزل هو سالم مهران، لحقيقة نسبيّة عبّر عنها في برنامج تلفزيوني، وخيّرته: الاعتذار أو المحكمة! ستراقب الهيئة منذ الآن كل برامج التوك شو، والويل لمن تسوّل له نفسه أن يفكّر بحريّة، أو يقدم فرضيّات من خارج منطق فقهي محدد، علماً بأن المؤسسة المذكورة هي للأمانة بين الأقل مساساً بحريّة التعبير بين المؤسسات الدينيّة اللبنانيّة. وقد تركت لكل النقاشات الفكريّة أن تدور بحريّة في الفضاء المدني، وإن تعارضت معها، فيما الأب عبدو أبو كسم الذي يحنّ إلى محاكم التفتيش على رأس «المجلس الكاثوليكي للإعلام»، لا يترك مناسبة إلا ويزرع فيها خنجره المسموم في خصر حريّتنا الطري. مع هؤلاء لم نعد بعيدين عن السعوديّة راعية «الربيع» السوري التي تسجن المغردين لسنوات طويلة، فيما النظام الأردوغاني التركي، نموذج الديمقراطية العربية الموعودة، يعمل على تكميم الإنترنت برمّته…
بالأمس، لم يخرج الناشط عماد بزّي (انظر المقالة أدناه) من «مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية» إلا بعد توقيع تعهّد سريالي يوحي بحالة جنون معمّمة في هذا البلد! «مكتب الجرائم المعلوماتية» آخر اختراعات التراجيكوميديا السلطويّة التي تريد السيطرة على أصوات ملايين المدونين والمغردين والفايسبوكيين على النت. ما زلنا ننتظر تنفيذ وعود رسميّة بإعادة هذا الجهاز إلى نشاطه التقني والفنّي البحت. المعركة القادمة ستكون حول فيلم «نوح» للمخرج دارن أرونوفسكي. لجنة الرقابة ميّالة الى عرضه كما علمنا، لكن حملات قروسطيّة متوقّعة على فيلم تاريخي هوليوودي، لا يدّعي أبعد من ذلك. الدولة ستتراجع كالعادة أمام ملوك الطوائف الذين يحكمونها عمليّاً. أي مستقبل للبنان واللبنانيين في ظلّ المؤسسات المترهّلة التي تحكمنا؟