الأولى اسمها فايث هيربرت (أو إيمان بالعربية)، ممتلئة الجسد، وربما يرى البعض أنها تعاني من السمنة الزائدة (obesity)، غير متزوجة، تربّي قططاً في منزلها، تعمل كصحافية في لوس أنجليس في إحدى المجلات المحلية. الثانية اسمها جيسيكا كروز، لا تعمل، تعاني من اضطرابات قلق حادة (acute anxiety disorder)، تخاف الخروج من منزلها، وتخاف أن تتحدّث مع الغرباء، تخاف تقريباً من كلّ شيء. ما تشترك به هاتان الفتاتان هو أنّهما بطلتان خارقتان. ليس في الأمر لبسٌ أو لعبٌ على الكلام، إنهما بالفعل بطلتان. كلتا الشخصيتين هما بطلتان خارقتان: الأولى تحت اسم «زفير» (Zephyr) من شركة «فالينت كوميكس» (Valliant Comics) فيما الثانية هي واحدة من أشهر «الفوانيس الخضر» (Green Lanterns) برفقة صديقها العربي (الأميركي اللبناني الأصل) سيمون باز.




فايث وجيسيكا هما أسلوب ثقافة الكوميكس في قول كلمتها في عصورنا الحاضرة للدعم. لطالما كانت الكوميكس mainstream، بمعنى أنّها تؤيد الذي يريده معظم الناس، وقلّما شذّت الشركات الكبرى المنتِجة للكوميكس عن هذا السياق: البطل الأبيض القادم من الريف الأميركي مرتدياً وشاحاً أحمرَ وبزّة بألوان العلم الأميركي كسوبرمان (من دي سي)؛ أو جنديٌّ أشقر -ريفيٌّ هو الآخر- متّشحٌ بألوان العلم يحمل درعاً مزيناً بنجمةٍ من ذات العلم مثل «كابتن أميركا» (من «مارفل»). هل يمكن أن يكون البطل أميركياً أكثر من هذا؟ معظم أبطال تلك المرحلة (1930-1980) اتّسموا بأنّهم مثلّوا نزعة شركات الكوميكس في تقديم أبطال «سائدين» أو يمثّلون الثقافة السائدة، مع أبطال أقلّ شهرة أو أهمية يمثلون «الهامش» (fringe protocol) سمر البشرة أو سكان أصليون لأميركا، أو حتى عرب وأفارقة. باتمان (الرجل الوطواط ــ Batman) بدوره، ورغم اختلافه (ارتداؤه ثياباً خاصة لا تحمل ألواناً تمثّل صبغةً معيّنة)، إلا أنه أيضاً كان «سائداً» إلى حدٍّ ما: فهو رجل أبيض، ثريّ، لديه خدم وفيلا فخمة. أما أشهر شخصية أنثوية فهي المرأة الخارقة (Wonder Woman) التي كانت مثالاً حياً لذلك: امرأة جميلة للغاية، رشيقة للغاية، قوية للغاية، وفوق كلّ هذا «أميرة» وبريئة لناحية الطباع. كيف يمكن تقليد كل هذا؟ هنا أصبح الإنسان العادي ينظر إلى هؤلاء على أنّهم «كائناتٌ» غير قابلة للتقليد، ولربما كانت محاولات فرانك ميللر عبر قصته «عودة فارس الظلام» (dark knight returns) في عام 1986 حينما صوّر باتمان هرماً، مترهلاً، وسوبرمان كذلك بشكلٍ أو بآخر. بدوره حاول آلان مور طرق ذات الباب من خلال تقديمه شخصية الجوكر في قصته الشهيرة المزحة القاتلة (Batman: The Killing Joke) في عام 1988، تقديم زاوية أخرى لرؤية «لماذا يفعل الشرير ذلك» بعيداً عن معتاد «قبولنا» للبطل، ومدى «محبتنا» له. فتح هذان العملان الأبواب كثيراً - نظراً إلى أهميتهما وشهرتهما - لأعمالٍ وشركاتٍ أخرى تنتج الكوميكس خارج «معتاد» الشركات الكبيرة. واحدةٌ من هذه الشركات كانت فالينت كوميكس (Valliant comics) التي عبر تقديمها شخصية فايث هربرت، كانت تخوض معركة الـBody Positive الشهيرة لناحية قبول الجسد أيّاً كان شكله، وهو أحد أهم صراعات العصر الحالي.



فايث التي اخترعت في عام 1992 عبر جيم شوتر وديفيد لافام، لم تدخل حيّز الشهرة إلا في الأعوام الأخيرة، إذ إن تسعينيات القرن الماضي لربما لم تكن لتتحمّل بطلةً «ثقيلة الوزن» كما يقول أحد نقّاد الكوميكس. بدورها؛ تلقفت الشركات الكبرى ذات الفكرة وإن في إطارٍ آخر، فخاضت دي سي في 2014، عبر جيف جونز وإيثان فان سكيفر موضوع «المرض النفسي» وتقبّله لدى الآخرين من خلال إيجادهما شخصية جيسيكا كروز، البطلة التي تعاني من الخوف القهري؛ والذي تكافحه يومياً، خصوصاً إذا ما علمنا أن قوتها تأتي من كونها «تستطيع التغلّب على الخوف» إذ إن «خاتم القوة» (power ring) الذي ترتديه - كي تصبح فانوساً أخضر - قائمة فكرته على التغلّب على مخاوفنا: ومن أفضل من كروز للتعامل مع الخوف؟
تتقبّل فايث حياتها بشكلٍ مباشر، وتعيشها كأيّ إنسانٍ عادي، بعيداً عن كونها بطلةً خارقة. تغيّر اسمها، وتضع «باروكةً» حمراء على رأسها، لكي تُخفي شخصيتها السرية، منعاً من أن يؤذي الأشرار عائلتها أو أحباءها. تعاني في إيجاد ثيابٍ تناسبها، تعاني من «تنمّر» كثيراتٍ حولها لناحية حجمها، حتى الأشرار في قصصها «يتنمّرون» عليها. إنه الـ Body shamming بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى، أي السخرية من حجمها في عبارات «توقفي عن الأكل» أو «أنت لا تشبعين» أو «من سيعجب بكِ» وقس على ذلك. هي لا تتقبّل الأمر فحسب، بل إنها «تقاومه». قد تبكي أحياناً من «ثقله» عليها، لكنها في النهاية «تقاوم» على طريقتها فتأكل ما تحبّه، تعيش كيفما تريد، تربي قططها، وتعمل بكلّ جد. مؤخراً أضاف صنّاع قصصها «حبيباً» خارقاً إلى حياتها؛ يعاني الاثنان من فكرة تقبلهما للآخر، كما هو (هو بالتأكيد ليس لديه مشكلة مع حجمها) لكن «الحدود» بينهما قد تبدو معقدةً بعض الشيء. أما أبرز ما يلفت في قصص فايث فهو كيف «ترى» نفسها هي في قصصها، إذ يرسم صنّاع العمل نوعَين من الصور داخل ذات القصة: القصة كما ترويها هي، ونشاهدها فيها أشبه ببطلات المانغا اليابانية (التي تضفي جمالاً خاصاً على أبطالها)، فيما ترسم القصة «العادية» وتحدث بأسلوب الكوميكس الأميركي المعتاد. إنها ترى نفسها «جميلةً»، «مبهرةً» وهذا بحد ذاته انتصار للجسد على الصورة المرسومة/ النمطية.
خاضت «فالينت كوميكس» معركة قبول الجسد أيّاً كان شكله


على الجانب الآخر؛ تعاني كروز من مجرّد فكرة خروجها من منزلها، تشرح لنا فعلياً كيف أنّها تقاوم لتقبّل فكرة أن عليها أن ترى «أناساً» في الشارع، أن تتعامل معهم، أن تحكي معهم، وتناقش فكرة كونها بطلة خارقة، بأنّها مستعدة أن تقاتل الفضائيين وأن تتغلب على «آكل شموس» لكنها تعاني من فكرة «الاستيقاظ» كل يوم، وتعيش يوماً بيوم، وتقاوم كلّ يومٍ على حدة. كروز لديها مشروع حبيب هو سيمون باز الفانوس الأخضر ذو الأصول العربية/اللبنانية، الذي بدأت قصته حينما اتُّهم لكونه «عربياً» بأحداث تفجير حيث يقطن. سيمون باز قصته هو الآخر فيها «خروجٌ عن المألوف» إذ تضامن صنّاع شخصيته (جيف جونز أيضاً ودوغ مانكي) مع «الأميركيين من أصل شرق أوسطي» من خلاله، فقدّموه بشخصيةٍ «مظلومة» وأعطوه شقيقةً محجّبة تمثّل كل الخير في شخصيته. تعاني كروز من خوفها المرضي الذي يؤثر بالتأكيد على علاقتها بباز، فكيف يمكن أن تفكّر بإنشاء عائلة وهي تخاف يومياً من كل شيء؟ كل هذا لم يمنع كروز وباز من إيجاد نقطة التقاء، والحفاظ على علاقتهما.
يتغيّر عالم الكوميكس باستمرار، يتغيّر مطابقاً العصر الذي يعيش فيه، إذ لم يعد مناسباً نهائياً أن يكون أبطال الكوميكس كائناتٍ «غير قابلة للتقليد» أو «كائناتٍ إلهية القدرة»، بل بات معظم أبطال «الأجيال القادمة» أناساً عاديين مع بضع ميزاتٍ تجعلهم متفوقين بخطوةٍ أو خطوتين عن نظرائهم. تلك الخطوات قد تكون مرضاً يعاني منه البطل، أو سمةً يراها الآخرون فيه عيباً.