في إحدى الأمسيات الشتوية الباردة، كان الموسيقي الفلسطيني خالد جبران على متن سيارته متّجهاً لإعطاء دروس بزق في ضاحية البريد في القدس ليُفاجأ بدبابة تُركن بوداعة أمام المكان الذي يقصده «ألفّ وأرجع وإلا أتجاوز الدبابة؟» ليس هذا هو السؤال الوحيد الذي تبادر إلى ذهنه، بل تساءل أيضاً إن كان عليه أن يتجاوزها من جهة اليمين أم اليسار. في دروس السواقة، يعلّمونك الانتباه لإعدادات السيارة، كيف تُميل المقود، تعدّل المرايا، تضع حزام الأمان، ولن يضرّك أحياناً أن تنظر إلى إشارات المرور، لكن لا أحد سيخبرك ماذا تفعل إن فاجأتك دبابة ككلاب الزوايا الليلية أو اضطُررت للتنقل في المدينة وأنت تخشى أن يسقط عليك شيء من أعلى يهشّم رأسك.

الخلفية العامّة لهذا المشهد هي انتفاضة الأقصى، ولا بأس من استعراض التاريخ: بعد يومين من اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك أرييل شارون باحات المسجد الأقصى يوم 28 أيلول (سبتمبر) 2000، أظهر شريط فيديو التقطه مراسل قناة تلفزيونية فرنسية مشاهد إعدام الطفل محمد الدرة (11 عاماً) الذي كان يحتمي إلى جوار أبيه ببرميل إسمنتي في شارع صلاح الدين جنوبي مدينة غزة، ليصبح رمزاً للانتفاضة الثانية ولتكون مستوطنة «سديروت»، على موعد مع تلقّي أول صاروخ فلسطيني محلّي الصنع. تصاعدت وتيرة الأعمال العسكرية بين الجيش الإسرائيلي والفصائل الفلسطينية التي نفّذت هجمات داخل المدن المحتلة، استهدفت تفجير مطاعم وحافلات.
وكمن يصنع لنفسه ضماداً حميماً، كان خالد جبران يجهّز لألبوم «مزامير» عائداً من استوديو التسجيل في التاسعة ليلاً جنب السوق القديم. توقف عند الإشارة الضوئية ورأى حافلة أمامه، توقّع الأسوأ، جفل ونظر إلى الخلف كأنّه يتلمّس طريقاً للفرار لكنّه وجد خلفه حافلة أخرى.. وكما يفعل دائماً حين يقعُ في شَرك أو يشعر بعدم القدرة على الإسراع أو الإبطاء - حتى في العزف - يقول: «أشعلتُ سيجارة».
هذه الحرب التي غدت مثل ظرف حياتي أو تفصيل مُطوَّل، وضعت جبران في موضع هشّ، في مواجهة نفسه وهو حبيس سيارته بسبب الحواجز وإغلاق الطرقات. كان يُعيد الاستماع إلى المقطوعات في ذهنه، ويتساءل ما هي الموسيقى؟ فنون جميلة؟ هل تصلح موسيقانا العربية فقط لوصف أحوال العشق ومداعبة جفون الساهرين على سيرة العذول؟ هل هي موسيقى تطريبية محكومة بالتعبير عن نشوة الفرح أو الحزن؟ أليست الحياة هي تماماً ما يحدث بين هذا وذاك؟ ماذا عن الشعور بالجفاف الحارق، الإنهاك، الضآلة، الانقياد، الخمول، الاكتئاب، الاضطراب، الكبت، الرعب، الترنح، فقدان الإلهام والحيوية والعاطفة والمعنى، تحمل الخزي، الغضب المزمن، الضعف، القصور، الشعور بتزايد وطأة الضغوط واستنزاف فرص الحياة؟
وماذا عن صلب الفلسطيني مجدداً، بدايةً حين نُفي من أرضه إلى أرض أخرى ثم إلى المخيم ثم ها هو يُصلب مجدّداً على باب مخيم جنين الذي تم اقتحامه بعد شهرين من الحصار والتجويع وفي أسبوع الآلام المسيحي. من سيحدّد هوية الصالب والمصلوب الآن؟ أميركا أم إسرائيل؟ ثم ما هي الموسيقى المناسبة للاستماع إليها في هذه الظروف؟ موشح أيها الساقي «مثل حالي حقه أن يشتكي/ كمد اليأس وذل الطمع»؟.. من هنا، جاءت رغبة خالد جبران في الانزياح عن النظام القديم وتمزيق البروتوكول، ليقودنا إلى الأمام بمقطوعة «صلب» التي تعيش في المستقبل وهي الآن تعود عكس اتّجاه الزمن لتأخذ بيدنا، تشبك خيوط معجمه الفلسطيني مع الكوني والإنساني لتحطّ على رؤوس الموتى عندما يُقبّلهم الأحياء ويرافقونهم بالصلوات، لكنها تُعطي الدليل والبرهان على أن ثمة شيئاً بداخلنا لا يدمّره هذا الموت تماماً؛ وهذا يعني بالتأكيد أننا نريد الإقبال على الحياة، وبجنون.
نتذكّر محمود درويش الذي لا يحيد في قصائده عن ابتكار جماليات في دائرة التراجيديا نفسها، بل يتحرّر أحياناً من سلطتها وإيقاعها الرتيب. نقرأ في قصيدة «قاع المدينة»: لولا الموت/ كنت حجارة سوداء/ كنت يداً محنّطة نحيلة/ لا لون للجدران:/ لولا قطرة الدم/ لا ملامح للدروب المستطيلة/ (والعائدون من الجنازة عانقوني/ كسّروا ضلعين/ وانصرفوا/ ومن عاداتهم أن يسأموا/ لكنهم كانوا يريدون البقاء /خرجت من جلدي/ وقابلت الطفولة).
ثمة مجازفة في إدخال العود إلى مختبر خاصّ جداً. في مقطوعة «سفر»، نسمع عوداً صافياً منفرداً حاول من خلاله خالد جبران أن يشحن مقام «سيكاه» ذا الإيقاع التطريبي البطيء بتعبيرات جديدة أكثر سرعة، بحيث يُرينا أن احتكامه لمقام لا يعني انصياعه التام له كقاعدة نهائية. إذ يقاربه أحياناً على نحو مفاجئ وراديكالي. تلقي هذه المقطوعة ظلّاً ما على سفرات الموسيقي المكسور بين بيته في رام الله ورغبة التمدّد في مكان بعيد أو متخيّل: مثل أوروبا أو المغرب. كان واضحاً أنه استدار نحو غربته أولاً كفرد حالم وعنيد، ثم كفلسطيني مجهّز أصلاً بعذاب اللجوء.
أمّا بلو دايف/ الغوص الأزرق فهي حالة تنتاب الغواص حين يصل إلى عمق معين، فيتلاشى إحساسه بالاتجاهات ولا يعود يميّز إن كان بصدد الصعود أو النزول للقاع، ولعلّ هذا يشبه الخطو في الفضاء أو الأورغازم، تبدأ المقطوعة بآه طويلة يغوص من خلالها المغني ربيع جبران في أعماق مجهولة ولا يجنحُ إلى العالم مرة أخرى، لا يبقى على الأطراف بل يقبع داخل الموسيقى بشكل مريح، كنواة تقبع في قلب فاكهة ناضجة.
يكتفي المغنّي بتكرار جملة «عشاق الطرقات افترقوا» ويتجدّد تمزيق علاقة الحبّ حتى آخر المقطوعة، لكنّ النقطة الأكثر إيلاماً تكمن في تلك الجملة التي لم يقلها ربيع وهي: «كنا نحبّ بعضنا». هكذا ينحسر المدّ ويتركك بلا حيلة، ثم وعلى حين غرة، تُغيّر الموجة رأيها وتضربك مجدّداً.

تأثر بعبد الوهاب والقصبجي، وبالألحان الشرقية للكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية في شمال فلسطين


القصبة التي تُستعمل ناياً للعزف وقلماً للكتابة، رافقت الرعاة والدراويش في مرتفعات الأناضول وبلاد فارس، لتشكو انفصال الراعي عن قريته والصوفي عن خالقه والمحب عن محبوبه. كانت القصبة تُبرى وتُنحت لتصير قلماً يغمس في مداد من الملح والصمغ والعسل وسخام الدخان ويصبح سرّاً من أسرار الخطاطين. بقصبة خفية، يكتب ربيع جبران كلمات الفراق ويحلّق في فضاء لحني مستقل، يستحيل صوته آلة أخرى، على حدة، تُحاور البزقين وزارب الفنان الإيراني هومان بور مهدي من دون أن تتكئ عليها.
لا نعلم من أيّ برزخ أتت هذه الموسيقى، الأكيد أنّنا لم نسمع مثلها من قبل، ولعلّها تعيش في مكان قصيّ تنفذ منه إلى عالمنا، ليس لها اسم كامل وليست محددة المعالم، استدعاها خالد جبران ورسم طريقه: هي تلك الموسيقى التي لا تكون الآلة فيها مجرّد خادم مُطيع للصوت، تخاطب المستمع مباشرة من دون وساطة الكلمة ويبقى اللحن شرقياً، «مش فلامينكو ومش باخ».
من خلال ألبوم مزامير، نستشف الأفق المتوتّر الذي يضع فيه صاحب كتاب «آذان إلى بحور العرب» جملته الموسيقية. وهو يستعين بالواقع المأزوم عسكرياً وسياسياً مُظهراً براعة تخييلية في استثمار المشهد البصري ورفعه إلى مستوى خرافي، كحياة يختلط فيها ترتيب الأشياء ولا يعود لأيّ قوانين فيزيائية أيّ مسوغ خارج «المنطق الموسيقي» وحده: ليس للفضاء حدود ولا للزمن.
لا شكّ في أن خالد جبران أسّس لغة موسيقية خاصة جداً، تأثّر بالعمالقة مثل عبد الوهاب وزكريا أحمد القصبجي، وبالألحان الشرقية للكنيسة الأرثوذكسية البيزنطية في شمال فلسطين التي ينتمى إليها والشبيهة إلى حدّ كبير بالألحان القبطية في مصر، ولطالما استهواه تجويد القرآن وتلاوات الشيخ محمد رفعت ومصطفى إسماعيل ومحمد محمود الطبلاوي. وحين سأله المذيع خلال مقابلة تلفزيونية في فلسطين «لماذا لم يُستغل صوت أم كلثوم للأوبرا»، أجابه «ولماذا لم يهترئ نعلا موزار ركضاً خلف الموشحات؟».
يأخذ صاحب «بريدج» على الموسيقيين هذا المسلك في تطوير موسيقاهم عبر الاحتكاك بالغرب من دون مثابرة على البحث الجاد، وتطوافهم حول جاز أبيض خفيف يُثري الموسيقى الغربية أكثر مما يثري الموسيقى العربية، يقول: «لدينا في الشرق حضارتان الفارسية والهندية، لماذا لا نستشفّ منهما تأثيراً أقرب منا وإلينا؟ العازفون المعاصرون بمجملهم والنجوم اللامعون حوّلوا العود إلى غيتار شاحب عليل كأنّ الحل بيد الغرب، وعلى العود أن يصير آلة عالمية! في آلاسكا عندهم آلاتهم، لكن العود يعيش ويتنفس في الشرق».
يؤمن خالد جبران أن موسيقى الآلة لم تتطور، وأن آلة العود - وهي أكثر آلة يعشقها العرب منذ أيام العباسيين، عمرها آلاف السنين - لم تنطق بنصف إمكانياتها ولم تقل كلمتها بعد. هي بحاجة لأن تُكتشف، ولذلك لا يتوقف عن العمل بشكل محموم؛ همهمات، أصوات مبهمة، تأملات، اكتشافات، أنوار مضيئة، تتدفق الموسيقى مثل مونتاج يجرّ كل حواسنا إلى المنزل مجدداً، والحارة والمحيط والأصدقاء القدامى وأثواب الأمهات. وإذا تسنى لنا أن نفك مفرداتها يوماً، فسوف نرى ذلك الترابط بين كّل الأشياء التي عشناها وتلك التي تمنينا أن نعيشها، لكنّ كثيراً من الوقت سيمضي قبل أن نعرف كم كان خالد جبران وحيداً بيننا.



محطات
لوصفِ خالد جبران يمكننا أن نقول إن لديه مئة وخمسون صديقاً على الفايسبوك (50 من بينهم شركات) تنقط ابتسامته الجانبية وكلماته الساخرة على الدوام حتى وهو يبحث عن جواب لسؤال يشغله. ومن الأفضل أن لا يتصل به أحد بعد منتصف الليل كي لا يقنعه بالاستماع إلى شوبان بدل إزعاجه في مثل هذا الوقت. وُلد في الجليل عام 1961 وهو ابن الموسيقي وصانع الأعواد إلياس جبران، تعمّد بصوت العود منذ صغره، لكنّه اتّجه لدراسة الطب ليصاب سريعاً بملل كاسح وبذلك النوع من الخمول والكآبة الرصاصية التي تهدد بالاستيلاء عليك حين تحلم أن تصير موظفاً ولديك زوجة. وفي النهاية، استسلم لقدره وعاد إلى العود، درس العزف والنظريات الموسيقية وأسس عام 1993 قسم الموسيقى الشرقية في المعهد الوطني الفلسطينيش الذي درّس فيه حتى عام 2002. ثم جاءت فكرة تقديم دور مكمل للطالب الذي تخرّج من المعهد وما زال بحاجة للتدريب والتطوير، فأنشأ «مركز الأرموي» الذي تبنّى رؤية خاصة في تلقين الموسيقى وتوجيه المواهب الشابة. كما أصدر أسطوانات للمبدعين وبحوثاً مهمّة عن الموسيقى الشرقية. بعد ثلاث سنوات من باكورته «مزامير» (2005)، جاءت أسطوانة «بريدج» (2008) التي تُعتبر بمثابة تطوير لمفهوم التخت الشرقي، استدعى إليها سيد درويش ووديع الصافي ومنير بشير وفيلمون وهبه ومحمد مطر وجميل الطنبوري. ولا عجب أن يتيّم خالد جبران بصفي الدين الأرموي، موسيقي الخليفة العباسي المستعصم وصاحب كتاب الأدوار. ومما يروى عنه أنه كان مع مجموعة من أصدقائه في أحد بساتين بغداد في جلسة غنائية طربية، وأن طائر هزار بينما كان يعزف أتى لحسن النغم حتى سقط على غصن قبالة وجهه ثم طار ونزل إلى الأرض وهو يرفل ويصفق بجناحيه ويغرّد طرباً بصوت مرتفع، ولم يزل يفعل ذلك ويقترب منه قليلاً قليلاً حتى صار بين الجماعة.

كل الألبوم