على خطى أدب الرحلات بوصفه العين الناقلة لمن فاتته متعة الترحال، ومعها ومن خلالها أثرى هؤلاء الأدباء بكتابتهم ذاكرة البشرية وما أنجزته من حضارات... على هذه الخطى، خاضت هدى سويد في جديدها «إيطاليا الخفيّة» (بيسان للنشر) بحار الاكتشاف، و«التلصُّص» المهني بقلمِ حفّزته عين وقّادة وعقل مُتأجِّج بالأسئلة، فلعبت دوراً مزدوجاً في إنجازها هذا: كانت السائح الدليل والدليل السائح، لتقدّم للقارئ ـــ وحتى لمن زار إيطاليا أكثر من مرة ــــ صورة مكثّفة عن خصوصية ستة أقاليم زارتها وما يتفرّع عنها من قرى صغيرة ودروب ومُنعرجات، فأقامت خلفها «كمائن» بمناظير البصيرة وأدوات التنقيب و«البحبشة» خشية تسرُّب معلومة تقتضيها فرصة الرحيل والتنقُل، إضافة إلى أماكن وأسماء واحتفالات شعبية، وصورة أخرى مكثفة عن إيطاليا الخفيّة، التي تقع على نقيض البساط الوردي. تمكّنت هدى من إمساكنا يأيدينا وبالدهشة ونحن نشاركها تلك «الإيطاليا» التي «تختزن 30% من الإرث الثقافي العالمي». إنه كتاب في زمن الحجر المنزلي والسفر الافتراضي يثري مُخيّلة من فاتته السياحة إلى بلاد «يكفي العيش فيها كي تجد سلوة كل يوم في زيارة مكان من أمكنتها، لا بدّ من أن يحوي تحفة تاريخية، أثرية وفنية».

ولأن إيطاليا لم تصنعها روما والمدن الكبرى فقط وإنّما كل أقاليمها وقراها ــــ كما تقول وكما اكتشفت ـــــ فإنّ «أمكنة كثيرة في إيطاليا تترك أثرها في النفس، بالذات تلك الغنيّة بحكاياها وترتبط أسماؤها بفنانين كرسّامين، كتّاب، أو موسيقيين»، فكانت وجهتها بيت ليوناردو دا فينشي «الذي شغل العالم بعبقريّته وفنه»، وقد «نُميَ» إليها أن «أم ليوناردو كانت ذات أصول عربية تبرّأت العائلة منها» (ص253)، أو زيارتها لـ«كوللودي» التي تحولت «محطّاً للأنظار والسيّاح بفضل الكاتب كارلو لورنزيني وقصته الخرافية «بينوكيو» ذي الأنف الذي يطول بالتوازي مع زيادة كذباته! وتخليداً للكاتب، أو البطل أو الكذبة، ارتفع لبينوكيو تمثال بألوان زاهية وأنف طويل من 16 متراً و14 طناً من الوزن، (يحزننا غياب أي تمثال لجحا رمز الفكاهة بنكهة الحكمة في بلادنا)!، ومنه إلى مسقط رأس «فالنتينو» العاشق اللاتيني وراقص التانغو الشهير وممثل السينما الصامتة «الذي انتحرت النساء من أجله، إلّا أن سيرته تحمل الكثير من العلاقات الذكورية».
لم تقتصر «حشرية» هدى الباحثة على غير السائد في سياق مهنتها التي تركت منها الأثر الواسع في صحف بيروت والبلاد العربية، فعندما حطّت رحالها بزواجها من آلدو روللا، سألت عن اسم ومعنى بلدته التي استقرّا فيها وتدعى «بوكا دي ماغرا» وتعني بالعربية «فم النحيلة» (!)، ومنها ومن خلالها اخترعت هدى «غربتها» بكسرِها غياب الإلفة بداية، فزرعت في حديقة بيتها زهوراً «أسميتها باسم الغالين عليّ». ثم حملت قلمها وراحت تجوب أنحاء إيطاليا وجُزُرها، مُتقنة فن الوصف لجمال الطبيعة وسحر جبالها وشفافية مياه شطآنها، والاحتكاك بثقافات أهل هذه الأقاليم «وإن علمت فيما بعد أن النميمة تطيب لهم»، والخصوصيات المتباينة بعضها عن بعض، فأخذتنا إلى حيث كبار أدبائها ونتاجاتهم، وإلى منحوتة «يسوع الأسود أو يسوع الفلسطيني كما يصفه النقّاد لما يعكسه وجه المنحوتة من ملامح شرقية وشعر أشعث»، وإلى جبال كارارا «جبال الرخام الفريد بلونه»، والتي لأجلها «قطع الفنان النحات مايكل أنجلو مسافات لنقله واستخدامه في نحت روائعه كمنحوتة «موسى»، «دافيد»، و«الشفقة» إلخ، لتتوقّف في قرى تتبع إقليم توسكانا، ومنها مولاسو وفيها «تمثال دانتي بجماليته الفنيّة يعود للقرن الحادي عشر حاملاً كتباً بيده هو بالطبع رمز الكوميديا الإلهية»، إلى مونتينيغرو القرية الصغيرة التي تقف خلف الجائزة الأدبية المعروفة باسم «بانكاريلّا» ونالها أرنست همنغواي عام 1954، فالتماثيل الحجرية التي «تدعوك للتحاور معها»، أو «طريق الحجيج المسيحي» في «فيا فرانشيجينا» والذي أعلنه الاتحاد الأوروبي طريقاً ثقافياً عام 1994.
عن إقليم ترانتينو وجباله وغاباته والنحت الخشبي ومغاور الميلاد والأحراش والبحيرات، تُبدع هدى في ترجمة أحاسيسها «الصوفية»، فتحار في توصيف لون البحيرات ومتى أكثرها جمالاً: أهو مع انبلاج الفجر باللون الزهري البنفسجي أم الشفق الأحمر عند المغيب؟ أما صقلية فنالت نصيباً وافراً من اهتمامها بـ«الجمال والتاريخ، والتي كرّست لها حكومة إيطاليا يوم 23 آذار يوماً وطنياً ضد المافيا». مع أن صقلية ــ كما تذكر ــ أنجبت شخصيات ثقافية لامعة، في حين أن «لباس مسنيها القدامى منهم يشبه لباس الجنوبيين في لبنان. أما المآتم فلونها السواد، والندب لا يخلو من الصراخ».

لباس مسنّي صقلية يشبه لباس الجنوبيين في لبنان


سردينيا جزيرة «الغَرَابة والأسرار»، فنترك للقارئ متعة اكتشاف ما أبهرتنا به من جمال وسحر وعادات وباطنية وقطاع طرق والجداريات التعبيرية أو الموراليس، و«تتضمن رسائل شعبية تتمحور ما بين سياسية واجتماعية وإنسانية يعتريها أحياناً الأسلوب الكاريكاتوري وشيء من الحكمة».
وقبل أن تنتقل بنا هدى إلى «إيطاليا الخفيّة»، تمر على الاحتفالات الشعبية من فولكلور، ومواكب دينية «فالإيطالي قادر على اختراع أو إيجاد فكرة وصياغتها عيداً»، إلى مهرجانات الأطعمة، كالسمك، زيت الزيتون، الكستنا، والغناء.
وأخيراً، تجدنا مع «مرايا العنف»، وحسناً ما فعلته هدى بتَركِها للصفحات الأخيرة من كتابها، إذ أنها الصورة - النقيض لإيطاليا الفن والجمال والرومانسية، وأنها «عنف رافق البُنيّة الإيطالية»، فتحكي بأسى عن الوحشية الممارسة حالياً في قاع المجتمع سواء ضد المرأة وقتل العجائز والاعتداء على الأطفال، والخوّات، وتراكم النفايات لأن حصيلة بيعها يعود للمافيات (؟)، وتصاعد العدوانية تجاه الآخر...
كأن هدى سويد ما زالت تسأل أين إيطاليا التي لم أزرها بعد؟!

* صحافية لبنانية