اختارت «سكايز» (مركز عيون سمير قصير) أن تُهدي تقريرها السنوي عن «الحريات الإعلامية والثقافية» لهذا العام إلى الصحافيين المخطوفين في سوريا الذين فُقدوا أثناء قيامهم بواجبهم. التقرير الذي يقع في 64 صفحة، ويشمل نطاق تغطيته بلدان المشرق العربي (لبنان، سوريا، الأردن، وفلسطين)، يتضمن عرضاً للانتهاكات التي وقعت خلال الأشهر الماضية بحق الجسمين الإعلامي والثقافي، موثّقاً بالرسوم البيانية.


لم يخلُ التقرير من مقالات الرأي والتحليل على ضوء ما قدّمته الإحصاءات في البلدان المذكورة. عند قراءته، يتبادر إلى الذهن فوراً سؤال عن كيفية دمج تقرير علمي بالأرقام مع مجموعة آراء تعبّر عن وجهة نظر معينة (وجهة نظر المؤسسة طبعاً)، وتحمل في طياتها توجيهاً للقارئ وانحيازاً واضحاً. يبرّر مدير المركز أيمن مهنا في حديثه إلى «الأخبار» بأنّ هذا «المزج بين الرأي والسرد الموضوعي في التقرير، يعود إلى رغبة في كسر التكرار جرّاء التشابه بين تعداد الانتهاكات اليومية، وبين تقرير سنويّ أُريد له أن يكون بحلّة مختلفة». يصرّ مهنا على فكرة أنّ «كل التقارير المماثلة في المؤسسات العالمية تتضمّن مساراً سردياً وتحليلياً يعبّر عن وجهة نظرها».
سبع مقالات تضيء على الواقعين الإعلامي والصحافي في تلك البلدان، من ضمنها افتتاحية لمهنا بعنوان «ويبقى الصمت الانتهاك الأكبر»، ومقالة ختامية بعنوان «التحدّي الكبير» ليوسف الهاشم، تتضمّن مجموعة توصيات للأداء الإعلامي لا سيّما في تغطية الانفجارات وأخلاقياتها. شهر ونصف الشهر استغرق العمل على هذا التقرير، الذي يبيّن حجم ازياد الخطر وتكرار الاعتداءات على الصحافة. في لبنان مثلاً، نالت بيروت الحصة الأكبر (60%) كأكثر الأمكنة التي يتعرّض فيها الصحافيون والنشطاء للاعتداءات. تليها صيدا (20%) وطرابلس (13%). وحصدت قناة «الجديد» النسبة الأكبر من عدد الانتهاكات بحقّ كادرها البشري والتقني من قبل «جهات غير رسمية». ودائماً يُطرح التساؤل حول غياب «سكايز» عن بلدان الخليج التي ـ بطبيعة الحال ـ تسجّل فيها حالات انتهاكات عالية بحقّ الصحافة وحرية التعبير. هنا يلفت مهنا إلى «ضعف إمكانات المركز وعجزه عن تغطية هذه البلدان، مع غياب مصادر معلومات مباشرة». مع ذلك، يقول بنبرة عالية «لا نخشى القول إنّ دول الخليج هي من أسوأ المناطق في مجال حرية الرأي والتعبير بحسب التصنيفات العالمية. المركز يعمل حالياً على التشبيك مع مؤسسات حقوقية خليجية ترصد الانتهاكات هناك».
عند التعمّق في مضمون بعض المقالات خصوصاً تلك التي تتناول لبنان وسوريا، تظهر سلسلة تساؤلات حول الأسلوب والمخاطبة في التحدث عن أطراف انتهكت حريات الإعلام بنسب متفاوتة. لكن يبرز خصوصاً ذلك التوجيه الذي تحاول هذه المقالات تقديمه. على سبيل المثال لا الحصر، يتكلم فراس تلحوق عن «مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية» في لبنان. يورد جملة واحدة فقط للإضاءة على انتهاكاته (جملة: «علامات استفهام حول صلاحيات المكتب التي يلفّها الغموض») من دون اتخاذ أيّ موقف مباشر منه. بل يكتفي بسرد ما قام به من استدعاءات، بخلاف ما يفعله عند التطرّق إلى «حزب الله». تناوله تلحوق مرتين في هذا المقال حين أورد: «فيما أخذ «حزب الله» على عاتقه توقيف بعض الصحافيين وتفتيشهم». وفي مقطع آخر، يورد: «تخطّى «حزب الله» مهام الأجهزة الأمنية بتوقيف صحافيين واحتجازهم». هذه اللهجة تقابلها جملة مخفّفة تحمل تبريراً لمسلحي طرابلس، إذ اعتبر الصحافي أنّه «اختلط عليهم الأمر في الكثير من الأحيان بين عمل الصحافيين ووجهة النظر السياسية التي تمثّلها مؤسساتهم»!. في الموضوع السوري أيضاً، يظهر التوجيه في الرأي في مقاربة انتهاكات كل من النظام السوري وباقي فرق المعارضة وأبرزها «داعش»، مع تبرير واضح لممارسات هذه المجموعات التي عزاها كاتب المقال جابر بكر إلى «تلقي نظام الأسد الدعم المباشر من (..) روسيا وإيران وحزب الله، فراحت مجموعات دينية متطرّفة تحارب مجموعات (..) أخرى». مع ذلك، يسجّل مدير المركز أيمن مهنا اعتراضه على تخفيف النبرة بحقّ «مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية وحماية الملكية الفكرية»، ويحكي عن عدم قانونيته ومعاييره المطاطة في الاستجواب. لكنّ هذا ما لا نقرأه في المقالة طبعاً. وفي الموضوع اللبناني، وضع جابر بكر «حزب الله» في مصاف مسلّحي طرابلس ضمن «الأطراف السياسية المسلحة الخارجة عن القانون». وفي المقالة السورية، رفض أن تتساوى «داعش» والنظام في قضية الاعتداء على الصحافيين، وركز فقط على إنشاء النظام السوري المحاكم واستخدام القوانين للقمع والسجن.

يمكنكم متابعة زينب حاوي عبر تويتر | @HawiZeinab




«جهات غير رسمية»

في جداول الإحصاءات والرسوم البيانية في لبنان، يظهر «سكايز» بأنّ «جهات غير رسمية» بأغلبها تقترف حوادث الاعتداءات على الجسم الصحافي. وتستكمل هذه الإحصائية الكلام عن احتجاز وتوقيف لصحافيين عبر رسم بياني يُظهر أنّ «حزب الله» قام بتوقيف صحافيين لبنانيين وأجانب، مقابل «مسلحي طرابلس» الذين «اكتفوا» بالاعتداء على إعلاميين محليين. وفي سوريا، استحوذت منطقة ريف دمشق على الحصة الأكبر (30%) كمكان «خصب» لقتل الصحافيين والفنانين والناشطين، تليها حلب (18%) والعاصمة دمشق (16%). مع تسجيل لإحصاء يبيّن أن أكثر الانتهاكات جرت بحق «النشطاء الإعلاميين»، وبعدها بحق الصحافيين والكتّاب والفنانين.