45 عاماً تفصلنا عن اللحظة الأولى لبداية رحلة فوّاز طرابلسي في الحياة السياسية اليمنية من جهتها الجنوبية أثناء حكم اليسار الماركسي. الرحلة تخللتها إقامات طويلة ومتفرقة انتهت شكلياً في آخر مغادرة له عام 1993 وقد صارت البلاد يمناً واحداً بعد إعلان الوحدة في أيار (مايو) 1990. لكن سيبقى صاحب «صورة الفتى بالأحمر» مُمسكاً بخيط سميك يربطه بتلك البلاد وبشخصيات محورية في صنع القرار السياسي فيها. وفق ما يقول لنا طرابلسي، إنّ اهتمامه اليمني بدأ «تضامناً مع الجمهورية في الشمال والنضال الاستقلالي في الجنوب. مع الوقت، نما تعلقي باليمنيين وبلادهم حتى صار اليمن وطني الثاني». هكذا سيبدو القيادي السابق في «منظمة العمل الشيوعي» اللبناني الذي كان من أبرز قياديي حركة «لبنان الاشتراكي» التي اندمجت عام 1970 مع «منظمة الاشتراكيين اللبنانيين» لتشكل «منظمة العمل». حين يحكي عن الحالة اليمنية، يبدو على دراية لافتة، مستنداً إلى معلومات حقيقية مجلوبة من مصادرها الأصلية لا حكياً مبنياً على كلام مُتناقل على شفاه الناس. من هنا يظهر هذا الباحث اللبناني يمنياً أكثر من باحثين يمنيين كُثر لم يمنحوا بلدهم وقتاً واهتماماً كالذي منحه وما زال سواء عبر مجلة «بدايات» الفصلية التي يترأس تحريرها وتخصيصه فيها مساحات ثابتة للموضوع اليمني أو عبر الكتب التي يصدرها منذ «وعود عدن، رحلات يمنية» الذي ضمّ نصوصاً تقف «عند التخوم الغامضة والخطيرة بين السياسة والثقافة، وتتأرجح بين أدب اليوميات والمذكرات والسير والرحلات»... وصولاً إلى كتابه الجديد «جنوب اليمن في حكم اليسار ـــ شهادة شخصية» (حوار أجرته بشرى المقطري ــ الريس) الذي يصدر اليوم في توقيت بالغ الحساسية لأسباب كثيرة: الوضع المُرتبك في اليمن، وحالة التوهان التي يعيشها الحزب الاشتراكي، إحدى أكبر كُتل البلاد السياسية، وتمنّع من بقوا من قياداته على قيد الحياة من قول شهادتهم حول حوادث فاصلة في تاريخ الحزب واليمن الجنوبي غيّرت شكل البلد ولم يعُد على الصورة السابقة.
يعترف بأنّ الحزب «لم يصل مرّة إلى المستوى الذي يدير فيه الدولة»

يفتتح صاحب «ظفار، شهادة من زمن الثورة» شهادته بتوضيح نوعية العلاقة التي كانت تربطه بثلاثي مجلس الرئاسة في الجنوب: عبد الفتاح اسماعيل «الملهم والمرشد وباني الحزب»، وسالم ربُيّع (سالمين) «القائد الجماهيري المهيوب والمبادر»، وعلي ناصر محمد «رجل الدولة والإدارة» رغم تثبيت طرابلسي في خاتمة شهادته اعترافاً بأنّ الحزب الاشتراكي «لم يصل مرّة إلى المستوى الذي يدير فيه الدولة». كما يمكن الوقوف عند «منسوب العنف العالي» في تجربة هذا اليسار، وقد كانت مصادر هذا العنف عديدة منها العنف الكامن في الواقع الاستعماري نفسه وما أورثه للكفاح المُسلّح الذي لم يقتصر على القتال ضد القوات الانكليزية، بل تضمّن «تصفية العملاء والمتعاونين اليمنيين»، والعنف أيضاً هو «ما استقبل البلد المستقل عن طريق اعتداءات عسكرية حدودية تشنها العربية السعودية لمطامع توسعية أو لاسقاط النظام اليساري». هكذا سيبدو الممر سهلاً لفهم ما حدث في «مجزرة يناير 1986» التي وُصفت بأنّها إحدى عشر أحداث هزّت العالم. وفي باب «من المجزرة إلى الوحدة»، يقول طرابلسي إنّه كان في باريس عند وقوع تلك الأحداث، وتابع طريقه للحصول على الدكتوراه إثر استقالته عام 1987 بعدما كان نصير الأسعد قد تولى مهمة العلاقات الخارجية لمنظمة العمل الشيوعي. قبلها، كان جورج حبش وجورج حاوي قد ذهبا إلى عدن للوساطة بين الأطراف المُتنازعة في حين لم ترسل منظمة العمل أحداً عنها «مع أن موقفها كان منحازاً إلى جانب علي ناصر». ويرى طرابلسي أن المجزرة لم تكن لتحصل لولا أخطاء ذاتية ارتكبها الحزب بما فيها تردده في الوقوف أمام أزماته القيادية السابقة، وخصوصاً تلك الأزمة التي أدت لاستقالة عبد الفتاح اسماعيل وإقصاء عدد من القياديين الأساسين من قيادة الحزب قبل ذلك وتصفية آخرين. وبعد أربع سنوات، ذهب الاشتراكيون إلى صنعاء «متعددين ومشتتين وضعفاء نحو وحدة غامضة». أمّا علي عبد الله صالح فكان يتعاطى مع الوحدة على أنها «عملية عودة الجنوب إلى بيت الطاعة». أثناء حواره مع بشرى المقطري، اكتشف صاحب «عن أمل لا شفاء منه» أن الأمر كان بمثابة «امتحان ضمير» حول مسؤولياته في إبداء آراء ونصائح أملت سياسات وممارسات كانت لبعضها نتائج فادحة. وحدث أن صمت على ارتكابات «استفظعها، إذ أستعيدها الآن وأتأمل نتائجها». وعليه قرّر طرابلسي خلال امتحان الضمير هذا «أن أستبقي الامتحان لا راحة الضمير». كتاب «جنوب اليمن في حكم اليسار ـــ شهادة شخصية» (الريّس) متوافر في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب»، كما يوقّع فواز طرابلسي يوم الاثنين كتابه الآخر «الطبقات الاجتماعية والسلطة السياسية في لبنان» في جناح «دار الساقي» (س:18:00 ـــــ 20:00)
أسئلة بشرى المقطري ظهرت الأسئلة المطروحة أمام فوّاز طرابلسي من جهة بشرى المقطري على صورة أسئلة قادمة من ناحية الجيل الشاب اليمني، وهو يريد معرفة حقيقة تلك الأيّام الغامضة التي لا تزال غير مكشوفة إلى اليوم. تكتب صاحبة «خلف الشمس» في المقدمة الثانية لهذا الكتاب أنّ ولادة أسئلة هذا العمل بدأت إثر لقاء جمعها بطرابلسي عام 2011 في القاهرة ولقاء آخر في المدينة نفسها خلال مؤتمر عن اليسار العربي. هكذا، تمت جلسات «الشهادة» التي أثمرت تسجيلات لنحو 30 ساعة «وفوّاز يروي أخطاء وإيجابيات حكم اليسار بحياد شاهد معاصر». وبدافع الحرص على توثيق التجربة، زارت المقطري عدداً من الرفاق اليمنيين الذين شاركوا في السلطة، لكنّ كثيرين ترددوا في الإجابة ورفض آخرون منحها بعض الوثائق متذرعين بقولهم: «هكذا كتاب سيؤثر سلباً على الحزب في حال نشره» و«علينا أن ندع الماضي ينام».