لزيارة موقع تصوير «شارع شيكاغو» (إخراج محمد عبد العزيز ـــ وتأليف ورشة بإشراف المخرج وإنتاج محمد قبنض ـــ إشراف على الإنتاج فراس جاجة)، سنحتاج للعب دور المرشد السياحي، على اعتبار أن من يقود السيارة لبناني لا يعرف الكثير عن شوارع دمشق. وهو، بالتأكيد، لم يسمع أنه في ستينيات القرن الماضي، كان هناك شارع شامي مخصّص للمقاهي والبارات تديره فتيات حسناوات اسمه «شارع شيكاغو» نسبة إلى كثرة المشاكل التي كانت تحصل فيه. في هذا الشارع، تياترو غنّت فيه فتاة دمشقية تركت وراءها قصة بالغة الأثر يتقفّاها هذا المسلسل. كي تصل إلى موقع التصوير، يكفي أن تقول «قصر محمد قبنض» في مشروع دمرّ. سيعرفه الجميع، خصوصاً العشّاق الذين سلكوا درب «الجزيرة 16»، ويعتبرونه نقطة علّام تودي إلى مقصدهم. لن يتوقّف فراس الجاجة عن حبك الكوميديا على الطريق. سيتصل مرّات عدّة بمدير الإنتاج يحدد له المدة الزمنية المتوقعة لوصول الوفد، ويؤكد ضرورة «استعراض حرس الشرف وإجراء البروتوكالات اللازمة لاستقبال ضيوف عرب، وإعلاميين في موقع التصوير»!

ما سبق كان من ملامح زياتنا الأولى إلى موقع التصوير، قبل أن يحكم فيروس كورونا قبضته على العالم، ويُحظر التجوّل ويوقف التصوير ويخرج المسلسل من الموسم الرمضاني، لكنه سيعرض في غضون أشهر على الشاشات كما على منصة «وياك». بعد مرور أكثر من شهرين، ها نحن نقصد اللوكيشن ذاته لكن بمفردنا هذه المرّة. إذاً نحن في بيت رجل الأعمال والنائب والمنتج السوري محمد قبنض، والكاميرا تدور لتصوير مشاهد النجمة أمل عرفة! علماً أن المسلسل تتوزع بطولته بينها وبين: سلاف فواخرجي، وعباس النوري، ومهيار خضّور، وناظللي الروّاس، ونادين سلامة، والممثل القدير دريد لحام، إلى جانب مجموعة من الممثلين الشباب أمثال مصطفى المصطفى، وخالد شباط وريام كفارنة... الغريب أنه في مكان دوران الكاميرا، سيطلب كلّ من نتحدث معه ألّا يكون حديثه للنشر، كأنه يروي تفاصيل انهيار مفاعل نووي! لذا لن يكون مجدياً مع هذا المنطق سوى حفظ الحديث من دون تسجيل، واستخلاص المهم منه للمساهمة في الترويج للعمل الدرامي، وهي المهنة التي يجهل تفاصيلها وأهميتها غالبية العاملين في الدراما السورية!
يروي المسلسل قصة فتاة دمشقية تهرب برفقة بطل شعبي في حقبة الستينيات، فتلجأ إلى تياترو كائن في شارع شيكاغو الذائع الصيت، كان يمثّل وقتها الامتداد الحضاري والمعاصر للمجتمع الدمشقي. ينتهي الصراع بجريمة قتل غامضة تتكشّف خيوطها في الوقت الحالي على يد محقّق يعثر بالمصادفة على ملف القضية. هكذا، تتحول الحقبتان الزمنيتان إلى مرآتين تعكسان قصص الصراع والحب والتضحية.
في البداية، سنلتقي بالنجمة أمل عرفة في غرفة المكياج. في دردشة سريعة، تروي لنا «أنها أمام دور من العيار الثقيل»، إذ تجسّد شخصية «مغنية ملاهي ليلية من النوع الرخيص. تلتقي برجل أعمال مصادفة في المرحلة المعاصرة من العمل، فيقلب حياتها رأساً على عقب. يفتح لها أبواب المجد، لكن خيوطها ستكون بيديه». كأننا أمام دور يتقاطع من حيث الفكرة مع شخصية فضة في مسلسل «خان الحرير» (نهاد سيريس وهيثم حقي)، و«عشتار» (كتابة أمل عرفة وإخراج ناجي طعمي). ترد عرفة بالقول: «بحثت في كلّ تيمات الشخصية ولغتها ومنطقها، وباعدت بينها وبين أي تقاطع مع شخصيات سابقة قدّمتها، بذريعة موهبة الغناء أيضاً، بالاتفاق والتنسيق والتشاور الدائم مع المخرج. على سبيل المثال، أبعدنا الشخصية عن الغناء باللهجة البدوية كي لا تتشابه مع «فضّة» حتى من ناحية اللهجة. هنا صنعنا مرجعية وتاريخاً وصيغة تفكير بالنسبة إلى هذه الشخصية تجعلها لا تشبه غيرها، وتحرّض الممثل ليقول فيها الكثير من الأشياء والتفاصيل بلغة الأداء».
ننتقل إلى صالون كبير جداً، جهّز فيه مشهد احتفال ضخم. يجتمع فريق المخرج حوله ليرسم له تفاصيل المشهد، ويعدد متطلباته الضرورية التي يجهّزها فريق الإنتاج! ما إن ينتهي، ستكون أمامنا فرصة لتبادل أطراف الحديث معه. أكثر ما يثير فضولنا هو فكرة المراوحة بين الزمنين، وكيف سيعمل على ضبطها. يجيب على هذا السؤال: «جرّبت النحو باتجاه خيار سينمائي في هذا التفصيل، بحيث لا تكون هناك مراوحة بين مشهد وآخر، إنما انتقال بين مجموعة مشاهد في الزمن الحاضر وقد اخترته قبل الحرب إلى مجموعة مشاهد في الزمن الماضي، كي يكون السرد أكثر سلاسةً ويتمكّن المشاهد من الانسجام أكثر». وأخيراً، يهمس لنا: «مفتاح المسلسل سيكون عند النجم دريد لحّام الذي يصل إلى مركز جنائي يعترف بجريمة قتل جرت في 28 أيلول (سبتمبر) من عام 1961 أي في نفس اليوم الذي وقع فيه الانفصال بين سوريا ومصر! لكن المحقّقين لا يأبهون كثيراً بروايته، فيما يصرّ أحد الضبّاط على سماعه حتى النهاية، بخاصة أنه يريد لدورية أن ترافقه إلى المكان الذي دفن فيه الجثة... لتبدأ رحلة الأحداث من الشيء الذي يُعثر عليه في المكان الذي يدلّهم إليه لكي يحفروا فيه»!



خليل درويش: هذه الرواية لها أصحاب!
في مصادفة جمعتنا بالشاعر السوري خليل درويش، أبدى غضبه وانفعاله، لأن الإعلام صامت عن قصة هذا المسلسل التي «لها صاحب أصلي» على حد تعبيره. ويستشهد بمجموعة أسماء من أصدقائه المثقفين الذين أصغوا طويلاً إلى أحداث هذه الرواية بصوت كاتبها، وعلى شرفة منزله، وهو الروائي السوري الراحل برهان بخاري. يضيف درويش لـ «الأخبار»: «كنا نجلس لنستمع لفصول الرواية التي كتبها برهان بخاري ولم ينشرها. كان يريد الاستئناس بآراء مجموعة من رفاقه. لكنه فارق الحياة وظلّت روايته حبيسة أدراجه مع مجموعة من الروايات الأخرى. كان ينهي الأشياء ولا ينشرها. وحدث أن اقتبس أحد الروائيين العراقيين شيئاً مما كتبه برهان مرة، ونشره باسمه بعد رحيل برهان، لكنه خرج ممسوخاً بسبب القيمة الحقيقية عند منجز بخاري ومهارته في صوغ الأحداث، وحرفته في التوغّل باتجاه أماكن لا يعرف الوصول إليها أحد مثله! لا نريد كأصدقاء لبرهان شيئاً من صنّاع المسلسل سوى عربون وفاء بمثابة حق معنوي واضح هو أن تفتتح شارة العمل بشكر صاحب رواية «شارع شيكاغو» للراحل برهان بخاري»!