العنصرية القائمة على العرق منتج أيديولوجيّ محض لفّقه صانعو الهيمنة الثقافية الرأسماليّة معماراً اجتماعياً ثقافياً، وهويّة مختلقة ليس لها أساس من الواقع بيولوجيّاً. وخلال عصور الحداثة، وظِّفت كأداة من أدوات الهيمنة التي تمارسها النخب الغربيّة البرجوازيّة الحاكمة لتأبيد سيطرتها على السلطة والموارد من خلال تعميق وهم تفوّق مجموعة بشريّة دون أخرى. الاختلافات بين البشر لا تحمل معاني قطعاً، بل تُحمّل تلك المعاني، ويتقبلها الجهلة وأصحاب العقول المستقيلة من الخيال اللازم لاختراق الأوهام المؤدلجة.

«العلم ينزف» للفنانة فايث رينغولد (أكريليك على كانفاس ــ 193×200.7 سنتم ـــ 1997)

تشير الأرقام التي نشرتها هيئة الصحة الوطنيّة البريطانيّة في أيار (مايو) الماضي إلى أن الوفيّات (في المستشفيات) نتيجة وباء كوفيد – 19 بين السكان المنحدرين من أصول أفريقيّة هي أكثر أربع مرّات مقارنة بنسب الوفيّات بين السّكان ذوي البشرة البيضاء. تتطابق تلك الأرقام مع إحصاءات أميركيّة رسميّة حول ضحايا الوباء أعطت نتائج مقاربة. وقد جدّدت هذه النتائج جدلاً دائماً في أوساط النخب الغربيّة – وقبل حادثة القتل العلني الأخيرة لجورج فلويد خنقاً – حول أساس علمي ممكن لمسألة الفروق بين البشر على أساس لون بشرتهم. فالمؤسسة الطبيّة الغربيّة التي ترى مثلاً أن مجموعة السكان المنحدرة من أصول أفريقيّة معرضة للإصابة بمرض ارتفاع ضغط الدم أكثر بمرتين من ذوي البشرة البيضاء، وتضيف «العرق الأفريقي» كعامل خطر مضاعف لدى المرضى المحتملين، وجدت في تحليل وفيّات كوفيد - 19 دليلاً (علميّاً) آخر على أن العرق مسألة بيولوجيّة أساساً. ولم يجد حتى المعارضون للعنصريّة بدّاً من ملاحظة فروق بيولوجيّة على مستوى ما تتوازى مع خبرتهم المعاشة في تباين أسلوب حياة ومصائر المجموعات العرقيّة المختلفة من السكان في المجتمعات المعاصرة.
بالطبع فإن هذه الأرقام ـــ ومثيلاتها سابقاً ـــ تُطرح علناً وتتحوّل إلى جزء من قناعات تحكم صياغة سياسات الدول وتتسرب إلى ثقافة الشعوب وممارساتها اليوميّة، فيقبلها ذوو البشرة السوداء والملونة ـــ أطباء ومرضى ـــ مثلهم مثل رفاقهم ذوي البشرة البيضاء من دون أن تُدرس كفاية في إطار سوسيولوجي عريض يأخذ في الاعتبار ظروف الفصل العنصري ـــ المبيّت منها والمعلن ـــ اقتصادياً وثقافيّاً واجتماعياً التي تعيش فيها تراكمياً مجموعات معينة من السكان (السود في الولايات المتحدة، السّكان الأصليون في كندا، الفلسطينيون في لبنان وهكذا. هذا من دون الحديث طبعاً عن أشكال العنصريّة الرسميّة في الدول الدينية المختلقة في السعودية و«إسرائيل» وباكستان)، والتي تنعكس في النهاية ظروفاً مواتية لإعادة خلق الفقر، والجهل والمرض والجريمة والتفكك المجتمعي.
سوسيولوجياً (انظر مثلاً أعمال ثيودور ألين حول اختراع العرق الأبيض)، فإن فكرة العرق برمتها ليست سوى معمار اجتماعي ـــ ثقافي، وهويّة مختلقة ليس لها أي أساس من الواقع، وأداة من أدوات الهيمنة التي توظفها النخب الغربيّة البرجوازيّة الحاكمة لتأبيد سيطرتها على السلطة من خلال تعميق وهم تفوّق مجموعة دون أخرى. فالاختلافات بين البشر لا تحمل معاني قطعاً، بل «إن المعنى مضاف إليها من قبل صانعي الهيمنة الثقافيّة في المجتمع» كما يقول المفكّر البريطاني بول جيلروي ـــ وهي بالتالي «ليست حتميّة من دون أدنى شك، بل نتاج مباشر لتفاعلات السياسة والسلطة والثقافة في مناخ فكر محدّد». فالعنصريّة كمنتج أيديولوجي محض هي وحدها سر بقاء مفهوم العرق حيّاً.
وللحقيقة، فإن الفكرة العنصريّة ـــ بمعنى التفريق السلبي بين البشر على أساس لون بشرتهم ـــ مسألة مرتبطة حصراً بالحداثة، ولم يكن العرق مفهوماً بتلك الصيغة في أي من الحضارات البشريّة القديمة من بكين إلى روما، رغم وجود صيغ أخرى متفاوتة لاختلاق التباينات. ويمكن تاريخيّاً تتبع آثار نشوئه إلى لحظة تاريخيّة محددة في التاريخ مرتبطة عضوياً بصعود الرأسماليّة، وما استتبعته تلك اللحظة/ الحدث، في المفهوم الفلسفي كما عند ألان باديو، من إعادة تكوين نوعيّة لبنية المجتمعات، ولاحقاً إطلاق صناعة التجارة بالبشر.
الفكرة العنصريّة مسألة مرتبطة حصراً بالحداثة


كانت القوى الأوروبيّة الكبرى قد شرعت وقتها بتأسيس مستعمراتها في العالم الجديد (سلب من سكانه الأصليين الذين أبيدوا بالملايين وعاشت بقاياهم المتفرقة المتناثرة في مناطق عزل للقتل البطيء أطلق عليها ـــ للصدفة ـــ اسم مناطق السلطة الوطنيّة الهنديّة، لكن تلك قصّة أخرى). في تلك المستعمرات، كانت الأراضي شاسعة، ومن السهل زراعتها بالمحاصيل المربحة (كالسكر)، فاستجلب الأثرياء من أجل ذلك ملايين العمّال الأوروبيين ورؤوس الأموال لبناء صناعات تحويليّة ضخمة وبنية تحتيّة للتصدير. لكن تعاظم رقع الإنتاج وتوسع الطلب العالمي جعلا الحاجة ماسة للمزيد من الأيدي العاملة التي شرعت ترتفع كلفة استيرادها من أوروبا. في تلك الأجواء تحديداً، ولدت تجارة العبيد على أيدي مجموعة من التجار الأوروبيين الذين شرعوا ـــ بالتعاون مع تجار مسلمين وأفارقة ـــ باختطاف أكثر من 12 مليوناً من سكان غربي القارة، ونقلهم كما الحيوانات إلى العالم الجديد في ظروف مروعة تسببت وفق تقديرات تاريخيّة بموت حوالى مليونين منهم قبل وصولهم بالفعل إلى منافيهم الجديدة عبيداً فاقدين للحريّة وأيدي عاملة شبه مجانية عند مالكي المزارع والمصانع الأوروبيين الذين ابتاعوهم كما الماشية.
نخبة لندن من تحالف البرجوازية ـــ الأرستقراطيّة وجدت نفسها عندئذ في تناقض فكري حاد بين أفكار التنوير التي فتحت الباب للعلم والتكنولوجيّات الجديدة وتراكم الثروة الرأسماليّة والديمقراطيّات الحديثة، وبين التجارة المخزية بالبشر، فكان أن تفتقت أذهان البعض عن تفسير بيولوجي عرقيّ مرتبط بلون البشرة لتبرير التفوق الموضوعيّ للبيض على السود. وقد بنيت حوله حركة أدلجة هائلة لتعميم العرقنة كمكوّن ثقافيّ وافق حاجة الرأسماليين وتقبلته العقول الجاهلة والكسولة التي استقالت من الخيال اللازم لكسر أيديولوجيا النخبة.
خلال عقود قليلة من نشر أول النصوص المكتوبة التي تقارب العالم عرقياً (كتاب «نظام الطبيعة» لكارل لينّايوس 1735) لم تعد العنصريّة تطرفاً يقتصر على حفنة من المهووسين اليمينيين. إذ كان كل متعلم ومثقف تقريباً في عالم القرن التاسع عشر الأنغلوفونيّ يعتبر أنّه من المسلمات كون ذوي البشرة البيضاء وحدهم دون البشر لديهم ملكة التفكير والحكم، ويمتلكون الميزة الأخلاقيّة بيولوجياً للتربع على قمة الهرم العرقي المزعوم، فكأنها مشيئة الربّ لا نملك تجاهها – بيضاً وسوداً - سوى التسليم والإذعان.
ومن المثير هنا أن الهويّة العرقيّة البيضاء النقيضة للسوداء لم تنشأ عملياً في الولايات المتحدة إلا بعد ستة عقود من وصول طلائع التعساء الأفارقة المختطفين إلى فيرجينيا عام 1619 وبعد ثورة عمّال الزراعة في 1676 هناك (المعروفة بثورة باكون) التي شارك فيها على قدم سواء العمال الأوروبيّون الفقراء ورفاقهم السود جبهة واحدة ضد مالكي المزارع، وأرعبت الرأسماليين من احتمال قيام حرب طبقيّة ضدّهم. هكذا تمّ الترويج لهوية بيضاء تجمع سيكولوجياً ـــ مع بعض الامتيازات عديمة القيمة فعلياً ـــ الأثرياء البيض مع العمال البيض في فئة مزعومة ضد ذوي البشرة السوداء. وما لبثت أن انتشرت بجهود صنّاع الثقافة في المجتمع لنجاعتها البراغماتيّة المذهلة في كسر طبقة الفقراء إلى معسكرين متنازعين متعاديين. ومن المثير للسخرية أنّه تتوافر لدينا وثائق من تلك الفترة تظهر أنه أمكن في بعض المستعمرات الأوروبيّة للسكان السود والملونين الذين يصيبون ثراء استثنائياً أن يشتروا شهادات رسميّة مكلفة تسجلهم «بيضاً» لدى السّلطات، وتمنحهم حقوق العرق «المتفّوق». وكثيراً ما كان هؤلاء ينخرطون بلا هوادة في خدمة عرقهم المكتسب ضدّ أهلهم من السود والملونين.
وخلال 300 عام التالية، والمراحل اللاحقة من التاريخ الرأسمالي (الإمبرياليّة وهجرة الملونين والسود إلى الغرب بعد عصور الاستقلال الشكلي بعد الأربعينيات من القرن الماضي) تم نسج العنصريّة المؤدلجة رويداً رويداً في إطار الممارسة السياسيّة والثقافية والعلميّة للمجتمعات الغربيّة. بُذلت جهود هائلة لتكرّسها واقعاً مجتمعياً في إطار انعدام العدالة الاقتصاديّة الممنهج والفصل العنصري المموه الذي يسم الرأسماليّة بشكلها المعاصر، فيما حوربت كل محاولات النهوض والترقي بين السود الملونين بالعنف السّافر، فقتل قادتهم بلا رحمة، وسجن من نجا منهم، واخترقت حراكاتهم بالعملاء والمخبرين، ونفّذت المخابرات المركزيّة الأميركيّة ضدّهم ـــ وهذا لم يعد سراً ـــ أسوأ حرب منظّمة لنشر المخدرات والفساد والجريمة، فصارت كأنها قدر مجتمعاتهم المحليّة. حتى أصبح معروفاً أن لانغلي هي سوق الجملة الأكبر للمخدرات في العالم، وأن كل خطوط النقل المعولم لتجارتها من أفغانستان وكولومبيا ولبنان وغيرها من الأسواق المنتجة تعمل تحت رقابتها اللّصيقة رغم كل العواء الرسمي الكاذب بالحرب على المخدرات التي توظّف حصراً ضد المعادين للولايات المتحدة. ويشارك اليسار الغربيّ الفاقد للتأثير في هذه المهزلة عبر دعمه لحركات حقوق السّود (كما الأقليات الجنسيّة والثقافية والفولكلوريّة الأخرى) لتعمّق بذلك وهم الهوية المختلقة المؤدلجة.
لا أيها السّادة، العنصريّة التي قتلت أخانا جورج فلويد بالأمس ـــ وستقتل فقراء آخرين مثله مستقبلاً ـــ واقع خلقته الأيديولوجيا الرأسماليّة البغيضة. أما الفروق العرقيّة فهي محض اختلاق ووهم.