الأغنية، وأقل منها الموسيقى، لا تُغيّر العالم. لكن لم يحدث أن تَغيَّر العالم بدون أغنية أو موسيقى. النغمة ليست ماكينة تغيير، لكنها تزَيِّت هذه الماكينة. تبعث في العامل خلفها بعض النشاط والمعنويات. تؤنسه، تدعمه، تعانقه، تعزّيه. الأغاني الثورية أو السياسية أو الاحتجاجية أو الملتزمة عددها هائل في التاريخ. لا يخلو ريبرتوار شعبي منها، إذ لم يخلُ مجتمع من ظلم، كأنه إحدى رِأتَيه. بالتأكيد «المارد اللطيف» جورج فلويد ليس أول المظلومين، وبالتأكيد لن يكون الأخير، وهذا النوع من الأغاني، كالوجع، لن يموت. السود لهم لائحتهم الخاصة، الطويلة، المؤثّرة والخالدة. كيف لا، وهم يتنفّسون إيقاعاً ونغماً ويُقتَلون خنقاً وشنقاً. في ما يلي خمس أغنيات تنوب عن هذه اللائحة. إنها روائع موسيقية وأدبية ووصمة عار على جبين البيض.


Strange Fruit ـــ بيلي هوليداي
لا يهمّ الترتيب الذي ستَرِد فيه الأغنيات الأخرى، لكن في المرتبة الأولى لا مكان إلّا لهذه الأغنية. المفارقة أن من كتبها ولحّنها هو رجلٌ أبيض. أميركي، شيوعي في فترة من حياته، يدعى آيبل ميروبول (كتبها تحت اسم لويس ألِن) عام 1937 بعدما شاهد بعينَيه التنكيل بشابين أسمرَين علّقتهما زمرةٌ من الجبناء البيض على شجرة. هي ليست أغنية ثورية ولا احتجاجية ولا سياسية… إنها أغنية سريالية. رأى ألِن الشابين كأنهما ثمار هذه الشجرة. ثمار غريبة.
سجّلت بيلي هوليداي هذه الأغنية عام 1939، لكن النسخة التي تخطّت فيها أي قدرة بشرية على التعبير والغضب المكبوت والحزن تعود إلى 1956. من يسمع Strange Fruit سيتذكر طوال حياته متى وأين سمعها أول مرّة. فهي تغيِّر في صميمنا مكوّناً نفسياً عميقاً سيدوم ما حيينا. صوت بيلي هوليداي في هذه الأغنية لا يشبه صوتها في أي من أغانيها. سجّلتها في 7 حزيران (يونيو) بمرافقة موسيقية أقل ما يقال فيها إنّها «غريبة» هي الأخرى: ترومبت (تشارلي شايفرز) عدائية، موجوعة، نبرتها فريدة، حادّة، صُراخية، كأنها تعرضت لطنعة سكين. نسمع منها مقدمة قصيرة تسبقها ضربة مخنوقة على البيانو (وينتن كيلي، الكبير)، ولاحقاً مرافقة خفية ستدوم حتى النهاية… ويدخل صوت هوليداي الدامي. يقشعرّ بدننا حتى عند كتابة هذه الجملة. نفكّر بالإصبع الذي ضغط على التسجيل يومها. ماذا لو لم يفعل؟ يا إلهي! تطرح المغنية المقطع الأول. يظهر الترومبت ليقول مرّة ثانية: هيّا يا بيلي، تابعي، صِفِي بعد، ماذا شاهدتِ على تلك الشجرة؟ بعدها سينكفئ ولن يعود. هل تأثر إلى هذه الدرجة؟ فهذه آلة نفخية، ومن يبكي، لن يستطيع العزف. صَمَد البيانو. تصرخ الليدي صرختها الأخيرة، فيدخل الغيتار (كيني بارل، أيضاً الكبير) ليختم بنوطات قليلة. لكنه كان هنا. كان يعزف بعيداً، نصف مشلول، طوال الوقت. وتقفل الحكاية على ضربة طبول عشوائية (ليني ماكبراون). إذاً، لقد كان أيضاً عازف الدرامز هنا. نتخيّله جالساً طوال الوقت. يسمع. يشمئز. ولا يشارك أبداً. ربما لم يكن مقرراً أن يعزف على هذه الأغنية بالذات، إنما آلته تسمح له بفشّة خلق من خارج المتفّق عليه موسيقياً. الشريط يلتفّ على عنق البكرة لثلاث دقائق. ينظر مهندس الصوت إليه. ترتجف يده. يضغط على stop… ويصرخ: لا أستطيع أن أتنفّس.

Respect ــــ أريثا فرانكلين
ما ينقص السود في أميركا هو القليل من الاحترام. هذا باختصار ما التقطه الموسيقي ومغني السول والـR&B الكبير أوتيس ريدينغ. قال كلمته عام 1965 ورحل عن 26 ربيعاً عام 1967 عندما تحطمت طائرته وهو في طريقه إلى إحدى حفلاته. إنها تحفة موسيقية في فئتها، تنضح حيوية واعتراضاً محبّباً على طريقة السود. أريثا فرانكلين ما كانت لتدع هكذا أغنية وشأنها… فنفخت فيها جرعة إضافية من الطاقة جعلت منها نشيداً ثورياً. سجّلت «الملكة» هذه الأغنية عام 1967 فطبعتها باسمها الذي أصبح Respect مرادفاً له، ويكاد لا يخلو ظهورٌ لها من دون هذه الصرخة. لكن كل التسجيلات، لفرانكلين وغيرها، للأغنية الخالدة في دفة، وفي الدفة الأخرى أداء فرانكلين التمثيلي لها في فيلم Blues Brothers 2000. بالمناسبة، في النسخة الأولى من الفيلم المذكور (1981) غنّت الملكة Think وطالبت بالحرية، وفي النسخة الثانية (1998) طالبت ببعض الاحترام. أما اليوم فكل ما يطلبه السود هو القليل من الأوكسيجين.

صوت بيلي هوليداي في Strange Fruit لا يشبه صوتها في أي من أغانيها


What’s Goin’ On ــــ مارفن غاي
كان مارفن غاي (1939 ـــ 1984) مسكوناً بروح ليست من هذا العالم، يتمتع بطاقات صوتية وأدائية ليست مألوفة. قتله والده، مارفن غاي الأب. تشاجر والداه لسبب تافه، فتدخّل مارفن الابن مدافعاً عن والدته. كان والده يردّد دائماً على مسامع ابنه: أعطيتك الحياة ويمكنني أن آخذها منك… وفعلها. أطلق عليه النار، قبل يوم من عيد ميلاده الـ45، من مسدس كان قد أهداه إياه المغني الكبير لمناسبة عيد الميلاد قبل ثلاثة أشهر. خسارة كبيرة، لكن ما أنجزه مارفن غاي في حياته أكبر من أن يُقتَل. من ضمن أشهر أغانيه عموماً، ومن أهم الأغاني التي تناولت معاناة السود في أميركا، What’s Goin’ On (ماذا يجري؟). الهدوء في صوت مارفن غاي في هذه الأغنية مقلق. إنه نوع من السلام المخنوق بوجع عميق. لا أحد يؤدي هذه الأنغام كما سجّلها صاحبها عام 1970. إنها تحفة على مستوى اللحن وكيفية بنائه تدريجاً ليبلغ ذاك السؤال. تشكل هذه الأغنية ثمرة تحوّل مارفن غاي من مغنٍّ عاطفي إلى فنان لديه هموم اجتماعية. أحداث عدة ساهمت في تبلور وعيه السياسي في النصف الثاني من الستينيات، منها الداخلي ومنها الخارجي المرتبط بالداخل الأميركي (الحرب على فييتنام)، فتزاحمت الأسئلة حول كل تلك المواضيع لتنتهي، بشكل هادئ، إلى نبذ العنف والدعوة إلى الحوار. لكن إن أردتَ أن تحاور إنساناً، عليه أن يرفع رجله عن عنقك أولاً.

Mississippi Goddam ـــ نينا سيمون
نينا سيمون غنية عن التعريف، ليس في عالم الفن والغناء الأسود فحسب، بل في النضال أيضاً. هذا موضوع طويل، لا يمكن معالجته هنا، لكن يمكن اختصاره بهذه الأغنية التي ننتقل فيها، بحسب التسلسل المطروح، من وصف المعاناة، إلى المطالبة بالكرامة، ثم من الدعوة إلى الحوار، إلى… العدائية. فعندما تفشل كل محاولات التلاقي، يبقى الحل في الهجوم العنيف. إنها بدون شك من أجمل الأغاني في فئتها… «ميسيسيبّي اللعينة» (أو «ميسيسيبّي العاهرة» إن أردتم). هكذا، وبكل وضوح.
أدّت نينا سيمون هذه الأغنية في تسجيل حيّ أول مرّة. كأنها تقول إن تسجيلها في استوديو قد يعرقله منتجٌ خائف على مصالحه من هنا أو صديق حريص من هناك. كتبتها نصاً ولحناً بسرعة قياسية «ردّاً» على أحداث حقيقية واعتداءات مجرمة بحق السود في مسيسيبّي وجارتيْها، اللعينتين كذلك، ألاباما وتينيسّي. ما شهدته هذه الولايات الأميركية الجارة من بشاعة في القرن العشرين، من السذاجة مقابلته بالهدوء والحوار. فهي معقل الإرهاب الأميركي الأبيض وفيها نشأت تلك المنظمات المتطرفة، أمثال Ku Klux Klan وغيرها. منذ مطلع الأغنية، نشعر أن نينا سيمون محقونة غضباً. تبدأ بتعريف الأغنية، وتضيف: أعني كل كلمة فيها… وتنهال أصابع الاتهام، وصولاً إلى الكفر بالوطن وبالدين، مروراً بسرد المعاناة. وإن رفعت رأسك يقولون: إنها مؤامرة شيوعية! هكذا كان… وما زال.

Say It Loud – I’m Black and I’m Proud ــــ جايمس براون
عندما يقول جايمس براون Say it loud (قُلها عالياً) فإنه يعني ذلك جيداً، لأنّ القنبلة صوتها عالٍ. قلباً وقالباً، براون هو قنبلة. يختزن في جسده وحنجرته من الطاقة والحيوية ما يهدّ الجبال، لذا كان لا بدّ من أن توجد موسيقى الفانك وأن يتربع على عرشها. هنا ما عاد على أصحاب البشرة السوداء سوى أن يفتخروا بكونهم سوداً. لا بكاء، لا مطالب، لا حوار، لا شتائم… فخر خام.
نحن في عام 1968 والأغنية نصاً وموسيقى وأداء (ومن غيره لهذا الدور؟) لجايمس براون. العمل فانك من الطراز الرفيع، مع نحاسيات لمّاعة، زخمة، تماماً كملامح براون. محور الكلام التحدّي بحقّ. الصمود للحصول على الحقوق، ودائماً، عودة إلى المفاخرة بالأصول العرقية، فاللازمة الكلامية هي: قُلها عالياً… يقول براون، ويردّ عليه الكورس: أنا أسود وأفتخر بذلك. وأهم ما في هذا الردّ أن الكورس يتألف فقط من أولاد، فقد أراد براون أن يشير، بشكل واضح، إلى أن هذا ما يجب أن تُربّى عليه الأجيال... ومستقبلها لناظره قريب.