يخرج صنو المخرج إلى المنطقة التي دمّرها الزلزال عام 1990 شمال غرب إيران. يخرج برفقة ابنه الصغير بحثاً عن الممثلين الذين كانوا أطفالاً في فيلمه السابق «أين منزل صديقي؟» (1987). خلال بحثه، يلتقي بعاشقين تزوجا على الفور بعد الزلزال واستقرا في منزل صالح للسكن بشكل معقول. يلتقي بأشخاص يحاولون بحماس إنشاء سلك هوائي للتلفزيون لمشاهدة كرة القدم. يبحث عن الطرق المؤدية إلى القرية التي تضرّر معظمها أو أقفلها الزلزال. يتقاطع مساره مع الذين كانوا شهوداً على الزلزال، ويسألهم عن الاتجاهات. ينطبق العنوان «وتستمر الحياة» (في عنوان آخر «الحياة، ولا شيء سواها»/ 1992) على كل لقطة من لقطات الفيلم. إذ تستمرّ الحياة في سينما المخرج الإيراني عباس كيارستمي (22 حزيران/ يونيو 1940 – 4 تموز/ يوليو 2016) على الرغم من أن الموت واضح، لكننا لا نراه. وجوده ينتج دائماً علامات جديدة للحياة. هذه الحياة السينمائية التي بدأت مع الأطفال، تنفخ في الوجود روحاً تتوافق مع الأسئلة البسيطة والأساسية التي يطرحها الطفل على والده، ومن بعدها ينام. حياة سينمائية بدأت بنظرة الأطفال غير القابلة للفساد، تندهش بالواقع المرئي، وتتساءل عنه بالقدر نفسه. فضول بريء تجاه الحياة لا يعرف أيّ حواجز ثقافية.

بدايته كانت مع أفلام قصيرة بروح الواقعية الجديدة. كانت قصصه بسيطة، صوراً لأطفال وشباب بهدف واضح ومباشر. في فيلمه القصير الأول «الخبز والزقاق» (1970)، لا يستطيع طفل العودة إلى المنزل لأن الكلب الذي يخاف منه يقف في طريقه. في «المسافر» (1974)، يبذل صبي قصارى جهده لحضور مباراة كرة قدم. في «بدلة الزفاف» (1976)، تتورط مجموعة من الشباب في تدمير البدلة. تبلورت بدايات كيارستمي السينمائية في عالم الصغار تحديداً، حيث الأطفال والمعلمون والبيئة والمناظر الطبيعية هي التي تزيّن القصص. جذبنا إلى طبيعة الحياة اليومية، وقدم الأطفال وصراعاتهم الصغيرة. لم يتعامل مع القضايا السياسية العلنية، لم يغفل عمّا يحدث في المجتمع الإيراني وقتها، ولكنه ركّز على الأشخاص الأقل حظاً؛ على الفجوة الطبقية الثقافية والاقتصادية في المجتمع الإيراني. تجلّى ذلك في الفيلم الروائي الطويل الذي دفعه إلى الساحة الدولية «أين منزل صديقي؟» الذي يقدّم قصة طفل يحاول إعادة دفتر ملاحظات زميله في الفصل الدراسي، كي لا يتسبّب في طرد الأخير الذي يبحث عن منزله الذي لا يعرف عنوانه. الفيلم هو قصة المسؤولية والصداقة التي تبدو للوهلة الأولى بسيطة، ولكنها محفوفة بالتعقيد في تصوريها المجتمع الإيراني والمناظر الريفية في ذلك البلد.

تميزت سينماه بشاعرية بصرية معطوفة على أسلوب شبه وثائقي


من هناك، بدأ كيارستمي بتركيز اهتمامه على تقليص الحواجز بين الواقع والخيال كي تكون شخصياته أكثر تعبيراً عن المجتمع الفارسي. في فيلم «لقطة مقرّبة» (1990)، يتبع جريمة ساذجة مدثرة في طبقات من الواقع والمهزلة. في مقابلة له عن الفيلم، قال كيارستمي: «لا يمكن الاقتراب من الحقيقة إلا بالكذب». يعمل الفيلم على هذه الفرضية؛ حيث ما يُرى على الشاشة في معظم الحالات كاذب، ولكن القصة والأحاسيس حقيقية للغاية. في «عشرة» (2002)، يعكس الفكر النسوي المعاصر في إيران. نقد اجتماعي يتعامل بشكل رئيسي مع الحياة اليومية للطبقة الوسطى في طهران. نظرة إلى النظام الاجتماعي والسياسي. خطوط سردية تتعلق بالمرأة وتناقش الزواج، والجنس، والأبوة، والأمومة والدين. يتألف من عشر محادثات بين سائقة في طهران وعدد من الركاب ومنهم ابنها، يتسايرون ويسترسلون في الحديث عن أنفسهم... لنكون أمام مسار حياة وأسرار لنساء نادراً ما تسمع أصواتهن. كيارستمي صانع أفلام متعاطف مع شخصياته ومع جمهوره، صريح كدفتر ملاحظات مفتوح. سعى إلى وضع المشاهد مكانه هو، لجعله في حالة ذهنية متكافئة، وليشعر بأحاسيس من خلال وجهة نظر الشخصيات... إنّها سينما يرويها أناس عاديون.
تتعامل أفلامه دائماً مع قصص بسيطة ومع عملية صناعة الأفلام نفسها. شخصياته تتساءل عن اليقين المزعوم وتتفاوض في الأسئلة الوجودية بجهد قليل. في سينما كيارستمي جدلية لطيفة، حركة تمهد للأخرى، وكل حدث مرتبط بآخر. في الصورة التي تبدو أحياناً مكونة فقط من ضوء ورياح ومناظر طبيعة، لا شيء نهائياً. لن نعرف أبداً لماذا يريد الرجل في «طعم الكرز» (1997)، الذي يقود سيارته على الطرق الترابية عبر ضواحي طهران، أن يقتل نفسه. نراه في سيارته، حيث يدخل كبار السن والشباب معه ويتجادلون حول معنى الحياة وجمالها، يتحدثون عن الذكريات والشباب والله والعالم. في «عبر أشجار الزيتون» (1994) يبقى كل شيء مفتوحاً مع الشاب حسين وطاهرة، وأحاديثهما التي لا تنتهي مع العائلة عن الحب وأدوار الذكور والإناث. من خلال محادثات أبطاله وخلافاتهم التفصيلية وعنادهم حيناً وسخافتهم أحياناً أخرى؛ تخلق أفلام كيارستمى إيقاعاً مرناً من الكلام والسرد، إيقاعاً يأخذ المفاهيم ووجهات النظر المختلفة ويعطيهم قيمتهم الجوهرية، ولا يتركهم يتصارعون. القضايا الكبيرة والأسئلة الوجودية تأتي دائماً من تناقض الحياة نفسها. هذا هو الانفتاح الذي ينعكس أيضاً على الشكل السينمائي الذي يروّج له ويعكسه. تكمن حريته العظيمة أنّ أفلامه تأتي من بلد يفرض القيود على السينما، في ظلّ قيم دينية محدّدة منصوص عليها من قِبل الدولة، تضع الخطاب والنزاع والاستجواب دائماً تحت المراقبة. سينما كيارستمي حرة تعارض القيم الشمولية، وتعمل على حلّ الأسلاك المفروضة على الفن نفسه.
مع ذلك، رفض الهجرة. كان يردّد دائماً جملته: «إذا أخذت شجرة متجذّرة في ترابها وزرعتها في مكان آخر، فإنها لن تؤتي ثماراً من نفس النوعية». بعد الثورة الإسلامية في إيران؛ هرب المثقفون من البلاد، لكن كيارستمي قرّر البقاء. «إن صنع فيلم في كل مكان هو شيء صعب، عليك أن تجد السيناريو والمنتج والمال» قالها سنة 1995. «في إيران مشاكل أقل مما هي عليه في أماكن أخرى، في ما يتعلق بالقضية والتمويل». أما بالنسبة إلى الرقابة، فقد جادل بأن «صنّاع الأفلام الإيرانيين يجدون دائماً الحل». مع ذلك، جعلت الرقابة حياته مستحيلة، فقرّر المغادرة والتصوير في الخارج في نهاية مشواره المهني. «نسخة طبق الأصل» (2010) صوّره في توسكانا في إيطاليا، و«مثل شخص واقع في الحب» (2012) صوره في اليابان وكان وصيته السينمائية الأخيرة. لقد منح كيارستمي السينما الإيرانية المكانة التي تتمتع بها الآن، ولكن لسوء الحظ لم تتم مشاهدة أفلامه في بلاده.

مشهد من فيلم «لقطة مقرّبة»

تميزت سينماه بشاعرية بصرية معطوفة على أسلوب شبه وثائقي يتشرّب من فيتوريو دي سيكا وإريك رومير، وأيضاً سخرية خفيفة قريبة من سينما جاك تاتي الذي كان يعشقه. يتغلغل موقف كيارسمتي الليبرالي في السينما وصولاً إلى تفاصيل الصورة والأساسيات العظيمة لإبداعها، لأن الانفتاح بالنسبة إليه لا يعني دوماً التنوّع في عناصر الصورة والإطار السينمائي. صورته المفضلة هي اللقطة الطويلة المأخوذة بكاميرا ثابتة. مع ذلك، لا تبقى صورته جامدة. يبدأ بالتحرك مع قطيع من الماعز يمرّ فجأة، ومن خلال الأصوات والضوضاء وتغريد الطيور التي تخترق المشهد من خارج الشاشة. لا ميزانية كبرى ولا أزياء فارهة ولا مؤثرات خاصة، ومع ذلك لا يمكن الهروب من دهشة المشاهد. كل فيلم من أفلامه هو درس في التوقف والحركة في السينما، ما يجب إظهاره وما يمكن الصمت عنه. كيارستمي ليس مخرجاً كبيراً فحسب، بل شاعر وقارئ عظيم. أحد أجمل المشاهد يأتي من فيلم «الريح ستحملنا» (1999)، عندما تنزل الشخصية الرئيسية في الفيلم إلى قبو مظلم لإحضار رسالة. يمكن أن نتخيل الشاشة كيف تضيء بكلمات قصيدة الشاعرة فروغ فرخزاد «إذا أتيت إلى منزلي، حبيبي/ أحضر مصباحاً ونافذة، حتى أتمكّن من رؤية الأشخاص السعداء في الشارع».
يتنوع المشهد السينمائي الإيراني، فهو تاريخي وثقافي وفلسفي، وحرب ضد قواعد قمعية. هناك أفلام مثيرة، عروض ميلودرامية حيث تكون الشخصيات وقراراتها المحور المركزي للسرد. في الكثير من الأحيان، تعد السينما الإيرانية احتجاجاً شديد اللهجة، وانتقاداً للنظام. لكن سينما عباس كيارستمي فريدة، رفضت الدخول في فئة معينة، بل سلّمت نفسها للمشاهد لتفسيرها. هل أفلام كيارستمي نقد اجتماعي؟ استعارات فلسفية؟ صوفية؟ قصص عن العالم الفارسي؟ رؤى يومية؟ نعم، من المؤكّد. وهذا أيضاً جزء من حرية هذه السينما التي لا تفرض علينا أيّ قراءة. تناقش الأسئلة الوجودية في السيارة، وخلال المشي بين أشجار الزيتون بطريقة هادئة ومريحة ومبهجة. عباس كيارستمي يصنع سينما كبيرة لا تفرض علينا حجمها.