في مجموعتها «مُفردة» (دار النهضة)، وهي الثالثة لها بعد «Mes Actes» بالفرنسية، و«هرطقة بلون سرير»، تأتينا قصائد ريتا باروتا (1979) من مكان أجنبي. ربما يكون هذا الانطباع مجرد وهم، وربما تكون معرفتنا المسبقة بأنها تكتب بالفرنسية سبباً لذلك. لكنّ شيئاً ما في بنية الجملة أو في اصطياد الصور والاستعارات أو في طريقة استهلال القصائد وإنهائها، يجعل هذا الوهم مستمراً ومرافقاً للقراءة، ويمنح القصائد نفسها حياة مختلفة لدى المتلقي.

القصد أن الشاعرة اللبنانية تفرض علينا، وعلى اللغة، انحرافاً ما يبدأ من القصيدة الأولى التي تحمل عنوان «كهناك»: «جملةً وتفصيلاً، أسيحُ/ كسائحٍ أخرق أمام حماقة المطر/ إنها تمطر هنا، كهناك/ والفولاذ نفسه يغسل المبرّة، فالمجرّة، فالأسباب/ القطط تتبلل أيضأ، ولا تخجل من لعقِ إثمها/ اسمُكَ، خجلٌ من لونٍ آخر، سيقانٌ من داءْ/ من أشياء قيلتْ كي يختنق ما في الهواء، وأصبح أنا/ قيئاً من نوعٍ آخر/ يُلعَقْ».

لا نعرف متى قرأنا قصيدة تبدأ بـ «جملةً وتفصيلاً»، أو تُستأنف فيها جملة واحدة بفاءات مثل «المبرة، فالمجرة، فالأسباب»، لكنّ انطباعاً آخر تحدثه القصيدة كلها يُزيح هذه الأفكار جانباً، كي نحتفي بهذه النبرة الذاهبة إلى معانيها بلا شفقة، وتورّط القارئ في مناخات وعوالم يتخفف فيها من الروتين الشعري، ولكنه – ينبغي القول أيضاً – سيعثر مع تقدمه في القراءة على تفاوتات في الجودة. تفاوتاتٌ تجعله يُعجب ببعض القصائد، بينما لا تلفت قصائد أخرى انتباهه كثيراً، أو تجذبه سطور وصور في قصائد كاملة تحتوي على تفاوت واضح. هكذا، سيقرأ «عن طفلٍ بطعم العسل/ يدندن ويسيل»، و«ما بالُ الموت يعود حافي القدمين/ ليلقّن الذكرى درساً في الأحذية؟»، و«عاهدتُ ألا أعاهد/ فالفسقُ مكتوب/ والله رحلْ»، و«كتبتُ يوماً قصيدة/ لن يعرّيها أحدْ»، و«كعذراء خجولٍ/ ضاجعت يداً»، ولكنه سيقرأ أيضاً سطوراً مثل «أنصافي وأقدامي/ وأشيائي واختناقي/ وعورة أحشاء فجرٍ/ أضاع المعبر»، و«أتبحثون عن معنى؟/ لقد تركته معلقاً على شفة فنجان/ وتفل وملعقة»، و«حين أعشقك/ تعترف السماء بقعرها».
مع هذا التفاوت، هناك مزاجٌ لغوي شامل يطغى على قصائد المجموعة، ويصنع انطباعاً أوسع من فكرة التفاوت، وأكثر استهدافاً من أجنبية النبرة. الشعر هنا هو مسرح لحالات وجدانية وارتطامات نفسية، ولعبٌ على المفردات ومعانيها، واشتغال على الحذف والاقتضاب. تخاطب الشاعرة ذاتها أحياناً: «تنذر بالمطر/ بالشهيق فالغسيل فالعليق القابع قرب الرقع/ تشتهي أن تلعق/ خنصر القلق/ أن تستحمّ برغوة الانتشاء»، أو تجد مخاطباً آخر قد يكون رجلاً أو امرأة: «فاكتبْ لي فمكَ/ ليُغلقَ البابْ»، أو تخاطب جموعاً: «تناسوا قبوركم/ وإن أغلقت افتحوها/ قبّلوا الأموات/ انتشلوهم/ وخذوا من الأمكنة الملطخة بصراخهم/ أسرّةً وغطاءً/ ورائحة ياسمينٍ/ ضحكتْ لكفنٍ/ لن يتوقف عن الممات». يمكننا أن نبدي ملاحظاتٍ وانطباعات سلبية تختلط مع حفاوة بمقاطع وسطور عديدة، ولكننا – في النهاية – لا نستطيع أن نتجاهل سعي الشاعرة إلى خلق عالمٍ يستجيب لمتطلبات الشعر كما تعتقده هي. عالمٌ محكومٌ بـ «هرطقات» واعترافاتٍ مشفّرة.


يمكنكم متابعة حسين بن حمزة عبر تويتر | @hbinhamza