قد يرى بعضهم أنّ كتاب رشيد الخالدي «وسطاء الخداع» (Brokers of Deceit ـــ دار Beacon Press، واشنطن) مهم لكونه عَرَضَ الأخطاء التي ارتكبتها السياسة الخارجية الأميركية في مفاوضات السلام الإسرائيلية – الفلسطينية وخضوع الرؤساء الأميركيين لضغوط الحركة الصهيونية ونفوذها في الولايات المتحدة. هذان الموضوعان يشكلان الجوهر الأساسي لهذا الكتاب. لكن القراءة المعمّقة للعمل تشير إلى أنّه يلقي ضوءاً مشعّاً على ما يجري في سوريا والكثير من الأزمات العربية التي تفاقمت في الفترة الأخيرة وترتبط بالشأن الفلسطيني. العمل الذي يرجَّح صدوره بالعربية قريباً، يعرض بشكل معمّق سياسات رئيس أميركا الحالي باراك أوباما. يكتسب العمل أهمية خاصة؛ لكون الخالدي (1948) الذي يحتل كرسي الراحل إدوارد سعيد في «جامعة كولومبيا» في نيويورك، كان أحد المشاركين في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية في التسعينيات واطّلع على الأمور التي لم تنشر عن هذه المفاوضات، وجمع وثائق عن المفاوضات السابقة واللاحقة (السرّية وغير السرّية).


خلاصة ما استنتجه الخالدي أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق مناحيم بيغين وضع الأسس لمقاربة استخدمها جميع رؤساء وزارات إسرائيل بعده، ألا وهي أنّ من غير المسموح تقديم دولة مستقلة للفلسطينيين وإعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل إلى القيادة الفلسطينية وقبول إسرائيل بالتخلي عن مشاريع الاستيطان في هذه الأراضي. كل ما يمكن تقديمه للفلسطينيين ـ بحسب بيغين ـ هو سلطة ذاتية في بعض المناطق، لكن على أن تبقى ملكية أراضي هذه المناطق لإسرائيل.
سمح الرؤساء الأميركيون لبيغين بفرض هذا التوجه على السياسة الأميركية (هو ومن تبعه من قادة إسرائيل) منذ نهاية السبعينيات حتى الساعة، ولو بدرجات متفاوتة. كذلك فإنّ الحكومات العربية (وخصوصاً الخليجية) وقفت موقفاً ضعيفاً إزاء هذه التطورات لاعتمادها غير المحدود على الدعم الأميركي. يشير الخالدي إلى كيفية تحويل بعض القيادات الخليجية، بالتعاون غير المباشر مع قيادات إسرائيل الليكودية، ومع شخصيات ملتزمة مصلحة إسرائيل في مركز القرار في وزارة الخارجية الأميركية، التركيز الأميركي من السعي لحل النزاع العربي - الإسرائيلي إلى اعتماد سياسات المواجهة مع إيران وحلفائها في المنطقة.
يرى الخالدي، وهو صديق سابق لأوباما ومطلع على خلفياته الشخصية وخلفيات سياساته أنّ الرئيس الحالي حاول اعتماد مشروع مختلف عن أسلافه من الرؤساء الأميركيين في التعامل مع القضايا الإسلامية والعربية ومع قضية فلسطين. لكن اللوبي الصهيوني القوي في أميركا المدعوم من معظم أعضاء الكونغرس وضغوط الإعلام المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة وسكوت الأنظمة العربية حالت دون نجاحه في هذا التحول، كما حدث سابقاً لرؤساء أميركيين جرّبوا هذا الخيار ودفعوا ثمنه بينهم جيمي كارتر وجورج بوش الأب.
يشير الخالدي إلى أنّ العاهل السعودي الوحيد الذي حاول مواجهة قادة أميركا وسياساتهم التعسفية نحو العرب، كان الملك فيصل بن عبد العزيز الذي مات اغتيالاً. علماً أنّه كان يحاول التمسك بوعدٍ في عام 1945 قدّمه الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت لوالده الملك عبد العزيز بن سعود تعهّد فيه التشاور مع السعودية قبل اعتماد سياسات متعلقة بحقوق الفلسطينيين والعرب. يؤكد الكاتب أن العكس تماماً حدث منذ منتصف السبعينات، إذ تعهّدت القيادات الأميركية التشاور مع القيادات الإسرائيلية قبل اتخاذ أي قرار متعلق بسياساتها في الشرق الأوسط. اعتمدت هذه الخيارات بفضل شخصيات أميركية مؤيدة لإسرائيل توصلت إلى أعلى المراكز في القيادة الأميركية على شاكلة هنري كيسنجر، ودينيس روس، واليوت ابراهمز...
بالنسبة إلى تأثير الأنظمة العربية المحافظة وإسرائيل على سياسات واشنطن في الشرق الأوسط، يقول الخالدي إنّ حلفاء واشنطن في العالم العربي وإسرائيل نجحوا في إقناعها بشن حملة مشتركة معهم، ما أدى إلى نشوب حروب طائفية ضد الدول المدعومة إيرانياً والمجموعات المنتمية إلى الطائفة الشيعية في البحرين واليمن والسعودية نفسها. ويضيف أنّ الحرب التي تُشنّ في سوريا بين أميركا وحلفائها من جهة، وإيران والجماعات المؤيدة لها ولسوريا من جهة أخرى تشكل البرهان على أنّ حلفاء واشنطن (إسرائيل وبعض الدول الخليجية) نجحوا في جعل السياسة الأميركية الخارجية مصابة بوسواس إيران بدلاً من التوصل إلى اتفاق شامل مع إيران يحمي مصالح أميركا القومية. ويحذر الخالدي من أنّ السياسات الأميركية غير المتوازنة التي تستخدمها واشنطن وحلفاؤها في سوريا، أثّرت وستؤثر سلباً في دول أخرى في المنطقة، بينها لبنان والعراق، وأوضاع الفلسطينيين.
يرى الخالدي أنّ سياسات أوباما إزاء فلسطين وإسرائيل والقضايا العربية لا تختلف جذرياً عن سياسات الرؤساء الأميركيين الأربعة الذين سبقوه في السنوات الـ35 الأخيرة. يعيد هذه المواقف إلى ما قاله هاري ترومان الذي ترأس أميركا مباشرة بعد روزفلت (بعد الحرب العالمية الثانية). يومها، زاره وفد من الشخصيات العربية الأميركية، فقال له إنّه لا مجموعات عربية فاعلة على الساحة الأميركية تؤثر في نتائج الانتخابات، فيما توجد لوبيات أميركية ناشطة تدعم إسرائيل وتؤثر في النتيجة، ولهذا، دعم إسرائيل واعترف بها كدولة.
وبالنسبة إلى أوباما، فقد واجه ــ وفق الخالدي ــ صعوبات أكثر من غيره من الرؤساء في هذا المجال. إذْ صعدت إلى السلطة في إسرائيل حكومة متطرفة إلى أقصى حد عام 2009 بقيادة نتنياهو، مباشرة بعد انتخاب أوباما لولايته الأولى. هذه الحكومة تمسكت بسياسة الاستيطان ووسعت علاقاتها مع اللوبيات المؤيدة لها في أميركا وفي الكونغرس إلى درجة جعلتها قادرة على فرض المواقف على أوباما. ويشير الخالدي أيضاً إلى أنّ الانقسام بين «حماس» و«فتح» في فلسطين والانقسامات بين الأنظمة العربية في الشأن السوري والإيراني أسهما في تصعيب عملية دعم أوباما للمواقف العربية.
مع ذلك، يشير الخالدي إلى أنّه في السنتين الأوليين من ولاية أوباما الأولى، حاول تبني سياسات إزاء فلسطين وإسرائيل أقرب إلى سياسات جورج بوش الأب وجيمي كارتر وبيل كلينتون وبعض سياسات رونالد ريغان. لكن بعد فوز الجمهوريين في الانتخابات النيابية النصفية لمجلس النواب عام 2010 بفضل تأييد اللوبي الصهيوني، شعر أوباما بأنّ السكين قد تصل إلى عنقه في الولاية الثانية. انطلاقاً من هنا، تجنب الخطوات التي قد تؤدي إلى هزيمته، وعاد إلى البراغماتية المحافظة، وتأثر بمستشارين مؤيدين لإسرائيل.
كتاب الخالدي وثيقة قيّمة تفضح خطورة ما آلت إليه العلاقة الحميمة بين أميركا وإسرائيل، وكاتبه أكاديمي بارز ومفاوض متمرس ومقرب من أصحاب القرار في أميركا.