على الكورنيش البحري، تتلاصق المقاهي والمطاعم في خطّ نصف دائري يتماهى مع شكل الشاطئ. صفّ طويل هو أهمّ الإنجازات الحديثة في صور. باستثناء الشاطئ الشهير، والآثار البحرية والبرية، لا شيء في المدينة الجنوبية.


على هذا الكورنيش، مشى كرنفال ملوّن قبل شهرين. بالرقص والموسيقى، بدّد الشبّان والشابات المشهد المتكرر والواحد لروّاد المقاهي. عبر هذا الفرح المجاني، أراد قاسم إسطنبولي (1986) أن يفتتح فضاءه الجديد في صور: «مسرح إسطنبولي». لا نبالغ إذا قلنا إنّه كاف للنهوض بالمدينة وأبنائها. إنه حلم يتحقق. طلع من باطن الشارع، مستغنياً عن أمنيات المثقفين الفارغة حول التنمية في المناطق البعيدة عن بيروت. تراكم الخيبات وضيق جدران المدينة بأرخص الأحلام، دفعا إسطنبولي إلى تأسيس مسرح حرم منه من دون انتظار تمويل الجمعيات والوزارات. بعد تحضير استمرّ ستة أشهر، انطلق الممثّل والمخرج المسرحي بمبادرة فردية على نفقته، بمساعدة أبناء المدينة وطلاب الجامعات. عندما نقول مبادرة فردية، نقصد تخلّي الجهات الرسمية والثقافية الداعمة. في «حي الآثار»، استأجر غرفة صغيرة تتسع لثمانين كرسياً تقريباً، تتصدّرها خشبة مسرح. إضاءة وستائر، وغرفة جانبية وضعت فيها أغراض المشروع المتواضعة. علّقت في الخارج لافتة كتب عليها «مسرح اسطنبولي». وإذا كانت عبارة «مسرح» تبعث على الأمل، إلا أنها تتخطى وظيفة المسرح في الواقع، لتؤمن تجمّعاً فنياً تفاعلياً، لا يكتفي بتقديم العروض فقط. منذ افتتاح المسرح حتى اليوم، لا يمرّ ليل سبت من دون أمسية غنائية أو موسيقية أو مسرحية أو شعرية. هكذا، شاهد أهل صور حفلات على العود وأخرى صوفية، وعروضاً مسرحية، كما خُصِّص يوم للأطفال السوريين.
«المسرح غير مسيّس ومفتوح أمام الناس. كل شاب موهوب، مدعو لتقديم ما عنده مجاناً» يؤكّد طالب فنون في الجامعة اللبنانية على توجّه المسرح إلى الجميع. طموحات إسطنبولي كبيرة، ويضاعفها بالطبع الإقبال المتزايد على العروض والأمسيات. لكن البحث عن المواهب التي لا تجد من يكتشفها، وخصوصاً لدى الأطفال يشكّل هاجساً أساسيّاً له، حتى خارج المدينة. من هنا، سيُطلق «محترف مسرح إسطنبولي» المجاني ابتداءً من اليوم. يضمّ المحترف ورش عمل في المسرح والسينما والفنون التشكيلية، والتصوير، والموسيقى، والتعبير الإيمائي والرقص بإشراف متخصصين وفنانين، بالتنسيق مع المدارس والمؤسسات. تتّسع مساحة هذا المختبر الفني لأحلام وطموحات أكبر من حجمه. قبل كل شيء، ستربّي هذه الفسحة علاقة منتظمة لم تكن موجودة قبلاً، بين الجيل «الصوري» الجديد من جهة والمسرح ومختلف الفنون من جهة أخرى. سيؤسس هذا لتاريخ هذا الجيل، ويوثق يومياته، وينبش مواهبه، ويبدّد قلقه المتوارث. لا صناديق في هذه المدينة تحفظ قصص الأطفال الذين لا يجدون مكاناً لتفريغ أيامهم العادية وحكايات الأزقّة. ألغيت «مهرجانات صور الدولية»، ونشاط المنتديات الثقافية لا يتعدى المحاضرات واللقاءات السياسية. مع ذلك، يبدو اسطنبولي متفائلاً. لا يستطيع أن يخفي شغفه بالمسرح، «لا أريد أن يحرم غيري كما حرمت منه» يقول. أما علاقة الصوريين بالمسرح، فقد تبخّرت منذ حوالى ثلاثين سنة، حين أقفلت «سينما الحمرا» في صور. من عايشها، يذكر حتماً استثنائية المكان. نشطت السينما بين أوائل الستينيات حتى ثمانينيات القرن الماضي، وشهدت أكثر العروض المسرحية والغنائية والأفلام شهرة في ذلك الوقت. أفلام مصرية وعربية كـ«آنسات سيدات» (1974)، وعروض لريمي بندلي، وشوشو، ودريد لحام وغيرهم، وبعض الاحتفالات اليسارية بمشاركة الراحل جورج حبش ومرسيل خليفة ومحمود درويش. واليوم، يعمل إسطنبولي وحيداً (أيضاً) على إعادة افتتاح هذا الفضاء بما يمثّله من رمزية للجيل السابق. مغامرة أخرى سيستحضر فيها تاريخ صور الجميل، مستغنياً أيضاً عن الدعم المعنوي والمادّي المتردِّد من قبل الجهات المعنية.
في ظل استثمار المسارح والفضاءات الثقافية كمشاريع تجارية، تفتتح «سينما الحمرا» أبوابها من جديد في شهر أيار (مايو) المقبل تزامناً مع إطلاق «مهرجان صور المسرحي» بمشاركة دول أوروبية وعربية. وبعيداً عن الفن التجاري، وضع إسطنبولي برنامجاً للسينما. يُفترض أن تستضيف الصالة مهرجاناً شعرياً، ومهرجانين سينمائيين (أفلام تسجيلية، وأفلام قصيرة) لطلاب الجامعات. هكذا، ستعيد السينما المهرجانات إلى صور، وتجعلها مختبراً للأفكار والإبداع والفنون، بما يليق بالإرث الثقيل الذي حملته عبر حقبات التاريخ.

«محترف مسرح إسطنبولي»: ابتداءً من اليوم ــــ «مسرح إسطنبولي» (صور ــ جنوب لبنان). للاستعلام: 70/903846




التواصل مع الناس

همّ الوصول إلى الناس لدى قاسم إسطنبولي، ليس بعيداً عن إطار الأعمال المسرحية التي قدّمها ونالت جوائز عدة في مهرجانات مختلفة. في مسرحيات «نساء بلا هوية» و«زنقا زنقا»، و«فخامة الرئيس»، و«قوم يابا» التي حملت أبعاداً إنسانية وهموم النساء والشعوب العربية تحديداً، بنى إسطنبولي علاقة مباشرة مع الناس. كان يتقصّد عرض أعماله في الشارع أوّلاً، إلى جانب مشاركتها في مهرجانات عربية وعالمية. وها هو اليوم يبني تواصلاً مباشراً معهم من خلال فضائه الجديد في مدينة صور.