الكتابة فعل تطهر، ولها دوافع أخرى عديدة بينها التعبير عن الرأي. وإذ يحكمها هذان الدافعان عند أسامة المغربي، إلّا أن الكتابة تتحول لديه لتكون أداة ناقدة لما هو موجود، ووسيلة رفض له، وكشف العطب الذي يعتريه، وصولاً إلى تعريته. نجد ذلك بوضوح في روايته الثانية «اغتراب» («منشورات دار السكرية للطباعة والنشر» ــ القاهرة ــ 2020) وبشكل أقل في روايته الأولى «العناب المر» (وزارة الثقافة الفلسطينية ـ 2019)؛ لأن المرحلة التي رصدها في الرواية الأخيرة تصوّر «أجمل وأروع ظاهرة عرفها تاريخ الشعب الفلسطيني» كما وصف الكاتب فترة الانتفاضة الشعبية الفلسطينية عام 1987.

كل واحد يُحضر عوالمه إلى النص، وهذا ينطبق على القارئ كما على الكاتب في آن. لذلك، «فرضت الرومانسية العنيدة والحب المستحيل» نفسيهما على تفاصيل روايته «العناب المر» على حدّ تعبيره، بينما خبا وهجهما ـــ الرومانسية والحب ـــ ولا نقول غاب، عن روايته «اغتراب»، وهي التي تصور المرحلة التي تلت توقيع اتفاق أوسلو عام 1993، بكل ما حملته، ولا تزال، تفاصيل هذه الحقبة التاريخية من تناقضات سياسية، وضبابية في الرؤية، تصل إلى حد الشعور بالاغتراب عن الذات والآخرين، وتردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، والأهم ربما، الثقافية.

جي بارزيزيك ــ بولندا (1989 ـــ موقع أرشيف ملصق فلسطين)

وبينما عبر البطل في رواية «العناب المر» عن «فعل تراكمي شارك فيه الجميع، من خلال الاحتضان والدعم المعنوي»، كان البطل في رواية «اغتراب» يعاني من الوحدة. لذلك مضى إلى تقرير مصيره بنفسه، مع ما يحمله ذلك من غياب الحدّ الأدنى من التضامن الاجتماعي والحسّ الوطني المطلوبَين لشعب ما زال يخضع للاحتلال، وبحاجة لتعزيز صموده باقتصاد شعبي يكفل هذا الصمود، ويوفّر أسباب النضال لتحرّره الوطني والاجتماعي، والأهم، الحفاظ على شخصيته الوطنية من الاستلاب والتشظّي!
«العناب المر»: لم يمضِ يومان بعد على اندلاع الانتفاضة الشعبية إثر استشهاد أربعة شبان في رفح، وكأنها شرارة ووجدت طريقها إلى الهشيم، ها هي قرية «الحميدية» تزدان بالأعلام، والشعارات، والقلوب الثائرة، والسواعد المتحمّسة (ص 70).
«اغتراب»: لم يحتمل غربته، ذهب بنفسه ليُسدل الستارة، ترى ماذا كان يجول في خاطره عندما قرّر ذلك، هل هو التمرّد على الخوف، والهروب المستمرّ، إنّه بذلك يثبت تفوّقه في أن يحدّد مصيره هو بدلاً من أن ينتظر من يحدّد مصيره (ص 233+234).
وإذا كان سعيد بطل رواية «اغتراب» عاد إلى فلسطين بهيئة أكاديمي لإنجاز بحث عن «أحوال الفلسطينيين بعد انتفاضتَين وسلام ميت» (هذا هو عنوان مشروع التخرج خاصته لنيل درجة الماجستير في الصحافة من جامعة واشنطن)، فإنّ كاتب الرواية - أسامة المغربي- كان يهجس بالسؤال عن أسباب هذا التغير: ما الذي طرأ على حياة الفلسطينيين خلال هذه الفترة؟ وهل نسي فلسطين أبناء الجيل الثالث والرابع بعد النكبة، ومتى ينتهي هذا الضياع؟ حتى إن قلم المغربي نفسه تغير. بعدما كان سيّالاً مسترسلاً في الوصف، وجمله طويلة، والشخصيات الرئيسة والفرعية في روايته «العناب المر» عديدة، وعدد صفحاتها بلغ 304، وهناك سرد وحوار لا ينقطع، بل يسترسل بشكل طبيعي ومشوّق، تجد المغربي في الثانية – «اغتراب»- مقتِّراً، ولا نقول بخيلاً، إن في السرد أو في الوصف أو في الشخصيات أو في الحوارات، وحتى عدد صفحات الرواية كان أقل (234 صفحة).
رواية «اغتراب» تقتفي آثار أبطال رواية «العناب المر» الذين بعدما كانوا ــ بين الأعوام 1987 و1990 ــــ يمتلكون المكان والزمان والإرادة، ولم يساورهم الشكّ بالنصر، وكتبوا على جذع شجرة العناب عبارة «لا مستحيل تحت الشمس»، وجدوا أنفسهم، وفي مرحلة متقدّمة من مشوار تعمّد بالعرق والدم ورائحة البارود والغاز المسيل للدموع، أمام جدار صلب وطويل... أمام الحقائق وقد غدت صلدة ومرة، تماماً كما مذاق العناب الحلو وقد صار مرّاً. لذلك، أسدل إبراهيم الشامية الستار على فصل من أجمل وأطهر فصول البطولة التي جسدها رفيقاه الشهيدان حسان أبو الراتب وأحمد الصافي، ولم يشأ أن يكذب على نفسه ولا على الآخرين، وأعاد كتابة الواقع كما آل إليه، ومن دون تضليل، وحوّر في العبارة الأولى التي كُتبت في نيسان (أبريل) 1989 لتصبح في نيسان 1990 «ويستمرّ الزمان والمستحيل»!
فعن الذي جرى بعد كل هذه السنوات، من نيسان 1990، وتحديداً بعد 13 أيلول (سبتمبر) 1993 ـــ تاريخ توقيع اتفاق أوسلو ـــ يسأل المغربي في رواية «اغتراب»:
ما الذي حصل؟ هل الأندلس الجديدة تنزلق إلى النسيان؟ لماذا تغير كل شيء، وضاع البائسون أمام هيبة رأس المال في رام الله التي غاب الياسمين فيها أمام زحف البنايات، وفي أريحا كان «الهنود الحمر يعيشون في قصور المهاجرين الجدد»، ونابلس ـــ حيث تثبت الكنافة هويتها في كل مكان ـــ كان الغرباء يحرسونها من كل الاتجاهات، بينما استمرّ المخيم يغنّي أعراسه بالعبرية، وهناك فيه من يتذكّر، وهناك من يهتمّ، وهناك من يغضب، وآخرون لا يهمّهم الأمر؟!
إنّها العقدة الفلسطينية في ذروة تحوّلاتها التراجيدية، وهو – أسامة المغربي- إذ يستقصي أسباب ما الذي حصل، ويُجري مرافعات تصل إلى حدّ المحاكمات لجملة من الممارسات السياسية والإدارية وغيرها، يكون في روايته «اغتراب» كمن يخطّ الجزء المتمم لروايته «العناب المر». الثانية وصفت النفق المظلم الذي دخله الفلسطينيون حين لاحقوا سراب السلام المزعوم، والأولى رصدت الإمكانات الهائلة التي وضعتهم في دائرة الفعل حين قرّروا امتلاك المكان والزمان والإرادة. وفي الروايتين، لم يكن التحوّل حادّاً؛ فالتاريخ لا يسير بخطوط مستقيمة؛ بل متعرّجة، صاعدة أحياناً وهابطة أحياناً أخرى، وما بين المرحلتَين، الروايتَين، وقف الكاتب، تماماً، في نقطة تقاطع هذه الخطوط، وراقب بعين المثقف الرؤيوي، كيف تحصل التحوّلات في حياة الشعوب، والانعطافات في مسار التاريخ.
كان الحسّ النقدي الذي تضمّنته المقولات التي ذهب إليها المغربي في رواية «اغتراب» عالياً، طال مختلف الممارسات والسياسات الفلسطينية، إن على مستوى رسمي أو شعبي، وذهب إلى حدّ طرح قضية إشكالية، أخطر ما في الأمر أنه مسكوت عنها، هي قضية «عملاء الاحتلال»، وكيف تم التعامل مع بعضهم، والأخطاء التي وقعت في هذا المجال وذهب ضحيتها أبرياء، والآثار السلبية التي ترتبت على ذلك. لقد نجح الكاتب في توجيه الأنظار إلى هؤلاء الناس الأبرياء ممن ذهبوا ضحايا للظلم المتعمّد، حيناً، ولممارسات وحسابات خاطئة أملتْهَا «سخونة» الأوضاع في تلك المرحلة، أحياناً كثيرة. أراد أن يقول: إن الشهداء، وهم يستحقّون ذلك بجدارة الدم الذي كتبوا فيه لفلسطين، نالوا التكريم اللازم، إلّا أن النسيان طال ولا يزال، كثراً من الأبرياء، لم يعد لهم حقهم المعنويّ، ولا يزال أهلهم يعانون من تبعات الظلم الذي لحق بهم!
القارئ الحصيف لنتاج المغربي الروائي، لن يُفاجأ بحجم الخراب الذي آلت إليه البنى السياسية والاقتصادية والثقافية، إن للمجتمع الفلسطيني بطبقاته المختلفة، أو لتشكيلاته القيادية، رسمية كانت أو أهلية.
إنّ هذا الخراب، الذي طال حتى المشهد البصري الفلسطيني، ومثله انكشاف فضاء المدينة والقرية والمخيم والأجواء الاجتماعية في كل منها، لدرجة غاب فيها روح المكان وهويته وأصالته، بدأ من هناك، بدأ مع أبو الوليد، المسؤول الأول للتنظيم، ورمز الشرعية، ومالك المال والاتصال، كما تقول رواية «العناب المر» أو يقول كاتبها أسامة المغربي. لقد أثرى أبو الوليد بشكل سريع، وكان ذلك على حساب المناضلين الحقيقيين الذين يمثلون الأغلبية الساحقة لجيش الثورة و«حطبها»، وكانت النتيجة أن الثورة لم تعُد هي الثورة، وحتى الوطن بدا غريباً وليس حنوناً على أبنائه، كما عبروا في رواية «اغتراب».
العناب الحلو يغدو مرّاً حين يتذوقه الناس وهم يستشعرون يومياً ذلّ الاحتلال في حياتهم، والوضع يصل بهم إلى حدّ الاغتراب حين يجدون أنفسهم وقد باتوا مضطرين للتعايش مع هذا الاحتلال. وبين ذلك العناب الذي كان حلواً وتحوّل إلى مرّ، تبقى فسحة أمل تكمن في «مضطرين» التي تحمل معنى الرفض، حتى لو كان ساكناً، لمغادرة حالة الاغتراب، واستعادة الوجهة الصحيحة لبوصلة الفعل!
كان المشهد البصري خلاباً ومؤنساً وحامياً في رواية «العناب المر»، للناس والمكان على حدّ سواء، وشمل الفضاء والمدينة والقرية والمخيم. وفي «اغتراب»، تحوّل ليصبح موحشاً وقاسياً وطارداً. أبدع أسامة المغربي في «العناب المر» في عرض جمال وروح اللوحة الفنية التي تصوّر هذا المشهد، حتى إنّه نافس بعض رواد التصوير الروائي الفلسطيني في هذا المجال. وإذ فعل المغربي ذلك، فإنه واكب هذا الوصف بسلسلة من الحوارات، بدأت ولم تنتهِ على لسان فلسطينيين عديدين، معظمهم قرويّون؛ لأنّ الريف كان السمة الطاغية على المكان والفعل الفلسطينيَّين إبان تلك الآونة، فترة الانتفاضة الشعبية الفلسطينية، وازدادت سطوته في الحقبة اللاحقة، إلى درجة بدأت تحسّ فيها بأنه تم «ترييف» كل شيء، ليس فقط رام الله، مقر السلطة الفلسطينية، بل حتى القدس، العاصمة السياسية والروحية للفلسطينيين، كما عبّر الكاتب المخضرم محمود شقير في غير مكان من قصصه ورواياته. «ترييف» لم تقوَ على تلطيفه «غابات الاسمنت» التي أصبحت تكتسح الأرض وأتت على الحجر والشجر، ولم تُلقِ بالاً لحاجة البشر من هواء وغذاء، ووقع الأخطر عندما أصبح «ترييفاً ثقافياً» غير أصيل، أعاد المرء إلى الغرائز الأولى للعشيرة، وترك المخيم على قارعة، يعيش عزلته، وحيداً، وشاذاً!
المعمار الهندسي لروايتَي «العناب المر» و«اغتراب» ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية


المعمار الهندسي لروايتي «العناب المر» و«اغتراب»، وإن بتفاوت لصالح الأولى، هو معمار ينتمي لصالح المدرسة الكلاسيكية. معمار تطالعه في الشكل والإطار الناظم للعملَين، لكن المغربي ــ وباقتدار يُحسب له ـــ تفلّت في لغة السرد، وفي المقولات التي أتى على إطلاقها، والمعالجات التي قام بها، والحوارات التي أجراها، من الوقوع في خطأ «التعويم»، نسبة إلى العامة، أو في خطأ «النخبوية» نسبة إلى النخبة. لم يضع في باله، لا هؤلاء، ولا أولئك، وتبع نداء قلبه، كما فعل كل من سعيد وغسان والعدوي في رواية «اغتراب»، وابراهيم وحسان وأحمد وآخرون عديدون في رواية «العناب المر». لذلك كنّا مع روايتين تنتميان إلى ذلك النوع من الكتابة «السهلة والمتمنّعة» في آن، ويمكن للإنسان العادي والمثقّف أن يُقبلا عليهما ويستمتعا بهما، في آن أيضاً.
وأنت تقرأ لأسامة المغربي تشعر كأنك تسير في حقل من الدموع، والبطولة، والصمود، والألم، والخيبة، وفي كثير من الأحيان الخذلان، ومع ذلك تمضي قدماً؛ لأن الأمر يستحق؛ ولأن هذا هو الواقع الفلسطيني عار تماماً، على حقيقته، مركب ومليء بالتناقضات. أنت تتحمل كل هذا العبء، ومعه الجفاف الذي يعتري حلقك؛ لأن الكاتب لا يتركك وحيداً، بل يرافقك في كل فصل وفاصلة، ويعتني بكل رصاصة وباقة ورد وعلم وكل قطرة دم نزفت من شهيد أو جريح وكل آهة صدرت عن امرأة تكالب عليها القريب قبل الغريب.
إن كلّ من عاشوا فصول السردية التي يحكيها أسامة المغربي، مجايلي الانتفاضة الشعبية الفلسطينية، ربما يستعيدون بالقراءة معه - على الأقل هكذا شعرت- بكارة العز والنشوة التي هلّت بهما عليهم تلك الانتفاضة. أما مجايلو الحقبة التي أتت لاحقاً، فإنّه يمكنهم فهم ما جرى، على حقيقته، ممن دون رتوش، ولا تبسيط أو تضخيم، وسيحكمون - أظن ذلك- بأن أوسلو لم يكن «ممراً إجبارياً» لالتقاط الأنفاس، بل طريقاً مظلمة تفضي إلى الضلال، ولا أقول الضياع؛ لأن البوصلة تبقى بيد الناس الذين لم تندمل جروحهم بعد، لم يتكيّفوا مع وجعها، ولا تزال تقضّ مضاجعهم!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا