«لا وجودَ لصوتٍ تقريباً... مجرد نأمة غير ذات شأن تصدر من الأحراش بينما تحنِّطُ درجاتُ الحرارة المعطرةِ خطنا الساحلي. رأيتُ جمهرةً من الناس ينتشرون في الأرض وينشرون معهم نخلهم. في وستتشر، يتفشَّى الزعفران مثل السرطان. سيكون هذا موتي. أشعرُ بأوراقِ الأشجار تطبقُ عليَّ، يأتيني التهديد من كل الجهات. هذا غير حقيقي. من ثمرة الصقلاب الخضراء، يهبط الكيس الهش للبرعمِ، يرتفع كل شيء آخر*».

لم تغب لويز غلوك (77 عاماً) يوماً عن الخارطة الشعرية الحديثة في الولايات المتحدة الأميركية والعالم. يمكن اعتبار تتويجها بجائزة «نوبل» أمس إعادة اعتبار للشعر، الغنائي منه بشكل خاص، إلا أن حصر غلوك في هذه الخانة قد يكون مجحفاً نوعاً ما، لاعتمادها في كتابتها على أساليب بلاغية أغنى من البنى التقليدية للقصيدة الغنائية، إذ تتداخل المؤثرات في قلب هذا الشعر في فضاء مفتوح من الأصوات المتحاورة، أو في نسق وتسلل معين، ما يعطي له بعداً سردياً. مروحة شعر لويز غلوك يمكن أن تتنوع ما بين القصيدة الشخصية الحميمة، مروراً بالحوارية، إلى الوَجد الديني فمحاكاة الملحمة، كما في عوليس جويس (Joyce’s Ulysses)، حيث تروي الشاعرة حياتها، ولو بطريقة ساخرة وفق قالب هوميري.


الفسيفساء ذات المصادر الثقافية في شعر غلوك هي التي جعلت من رؤيتها الشعرية مادةً متنوعة ومتناقضة من قبل النقّاد، إذ وصفت الناقدة هيلين فندلر أسلوب غلوك بـ«الغنائية بالنبض العالي، كما في الثلاثية الدلفية (Delphic tripod) التي لا تكشف عن نبوءة اجتماعية، وإنما عن نبوءة روحية، بنبرة لم تجرؤ إلا قلة من النساء على تبنّيها». كما أن المتعمق في شعر غلوك يمكنه أن يتبين ملامح كبرى ثلاثة تتضمن التناص والنسوية الفرنسية والنظرية اللاكانية في التحليل النفسي، إذ يقرأ الناقد اريك سالينجر مثلاً نصها العظيم «أرارات» على ضوء نظرية جوليا كريستيفا في الحب وطرحها النفسي المؤسّس على التماهي مع «أب افتراضي ما قبل تاريخي»، بينما تعالج دايان بوند قصيدة «كل الأقداس» بباروميتر نسوي مشتق من ربط لاكان بين اكتساب اللغة والتنصل النسوي من الرمزية المعقدة للتواصل بين الأم والجنين، بينما أشارت دراسات نقدية أخرى إلى هذه الشعرية بأنها «منغمسة في التجربة البيولوجية والنفسية والروحية للفضاء الأنثوي في كل تجلياته - كابنة؛ وأخت وعاشقة وأم في أميركا القرن العشرين». هذه المروحة النقدية الواسعة إن أكدت على شيء، فهي على المواضيع الحساسة التي يتناولها هذا الشعر، من الأمومة، والسلطة الذكورية والتحليل النفسي والطبيعة حيث اللغة «تترنح بين التصريح والتلميح»، كما تقول فندلر.
نشرت غلوك المولودة في نيويورك عام ١٩٤٣ أثناء مسيرتها الشعرية الممتدة لغاية اليوم ما يقارب عشرين من المجموعات الشعرية والنصوص الأدبية، ابتداءً من مجموعتها الأولى «المولود البِكر» (first born ــــ ١٩٦٨)، فكتابها الثاني «بيت في مارشلاند» (١٩٧٥) الذي اعتبر بمثابة مراجعة للرومانسية الأدبية وشعر الطبيعة، وصولاً الى أعمال حصدت جوائز عديدة، عن كتابها «نظريات وبراهين» (proofs and theories ــ عام ١٩٩٣) الذي اعتبر بمثابة وصية شعرية، مروراً بجائزة «بوليتزر» عن كتابها الأبرز «السوسنة البرية» (the wild iris) عام ١٩٩٣، وجائزة الكتاب القومي من دائرة النقد الأدبي عن كتابها «انتصار أخيل» (the triumph of Achilles) عام ١٩٨٥، وجائزة «بولينغن» عن كتاب «الحيوات السبع» (the seven ages) عام ٢٠٠١. كما فازت عام ٢٠٠٣ بالجائزة الثانية عشرة الكبرى للشعر في الولايات المتحدة خلفاً لبيلي كولينز، وجائزة «الطبق الذهبي» (2012) عن مجمل إنجازها الشعري، بينما حصلتْ في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2014 على جائزة الكتاب الوطني عن مجموعتها «ليلةٌ رضيّة ونزيهة». كما أنها عضو دائم في لجنة «جامعة يال» عن سلسلة الشعراء الشباب.
عملها يتنوع ما بين القصيدة الشخصية الحميمة، مروراً بالحوارية، إلى الوَجد الديني فمحاكاة الملحمة


في شعر غلوك عصب ديني وأسطوري، تُخلق فيه سرديات شخصية ذات دلالات عامة، مستعيراً أقنعة من شخصيات أسطورية من العهد القديم (موسى)، ومن التاريخ (جان دارك)، ومن الأساطير المؤسسة للشعر (أورفيوس ويوريبيديس)، ومن الحكايات الخرافية (غريتيل)، ليضفي على هذا الشعر مسحة روحانية تتلون بالغنوصية كما بالتقاليد العبرانية القديمة. في التصنيف المعتمد للشعر الأميركي المعاصر حيث يصنّف الشعر المكتوب بعد الحرب العالمية الثانية بمدرسة أو حركة «ما بعد الحداثة» تمييزاً لهذا الشعر عن الشعر الحداثي الذي ظهر مع ت.س. إليوت وعزرا باوند وفروست في العشرينيات من القرن الماضي، فإن شعر غلوك لا يمكن تصنيفه تماماً في خانة الشعر «الانقلابي» لما بعد الحداثة الذي يستقي موتيفاته من مؤثرات مثل معسكرات الاعتقال وأوشفيتز والتمييز العرقي والحركة الايكولوجية والهيبيز والمخدرات والثورة الرقمية وارتياد الفضاء. كما أنه لا يتناسب مع تأكيد إليوت في مقالاته النقدية أن الشعر الجيد هو دائماً «لا شخصي»، إذ إن في شعر لويز غلوك ذلك المزيج بين الأغنية والترنيمة والطقس والابتهال والأسطورة البدائية واليومية تُستخدم بنبرة أوتوبيوغرافية اعترافية أحياناً يبدو فيها بوضوح أثر الحوادث المؤلمة في حياة الشاعرة وتأثيرها العميق في علاقتها بأفراد عائلتها وعشاقها والطبيعة المحيطة بحيث تشكل كل واحدة من هذه الخسارات ملحمةً خاصةً. وهي بالمحصلة توليفة تمسك بيد القارئ لكي يفهم ويقبل نغمة القصيدة وروحها. تتويج «شاعرة صريحة» مثل لويز غلوك بجائزة نوبل بعد دورات عديدة تناوب عليها روائيون (ايتشيغورو وتوغارشوك) ومغنٍّ (بوب ديلان) يعيد الاعتبار للشعر، وبخاصة الأميركي المعاصر، الذي لطالما حفر بصمته الخاصة في التاريخ العالمي للأدب من «الأرض اليباب» لأليوت، وقصائد «الكانتو» لباوند، مروراً بذلك الجيل المدهش من بيشوب وبلاث وبلاي وميروين وليفرتوف وكوفمان، وفرانك أوهارا وقصائد غينسبرغ المسجلة على كاسيت أثناء ترحاله، وصولاً الى لويز غلوك التي تثبت أن الشعر ما زال ينبت في حديقة العالم المدجّنة كسوسنة برية، يرتفع على إيقاع برعمها كل شيء آخَر.

* نُقل عمل وحيد للويز غلوك إلى العربية بعنوان «عجلة مشتعلة تمرّ فوقنا» عن «منشورات الجمل» بترجمة سامر أبو هواش، ٢٠٠٩. كما نشرت «كلمات» في عدد سابق باقة من قصائدها بترجمة محمد الحموي، ومنه النص المترجم أعلاه)

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا