ليس من السهل تعريفه بجملة واحدة. هو فنان متعدّد المواهب: عازف متمكّن على آلة العود، وملحن عبقري موهوب في التأليف الموسيقي جادت موهوبته بأعذب الألحان في أغانيه الدسمة كـ «الربيع»، و«أول همسة»، و«عِش أنتَ»، و«حكاية غرامي»، و«بقى عايز تنساني» و«سألني الليل» و«بنادي عليك»... فضلاً عن كونه مطرباً يجيد تطريب أذن المستمع حين يشدو بالكلمات بإحساس فنان مجروح حقيقة غير متصنّع الإحساس والمعاناة. وهذا ما صبغ معظم أعمال فريد الأطرش (مواليد 1910 وفقاً لمذكراته وليس 1917 كما هو شائع( باللون الأسود الباكي، ولربما يتساءل محبوه وجمهوره: هل يُعقل أن يكون كل هذا الحزن لدى فريد بسبب العشق والوله والغراميات مع الحبيبة الجافية الصادة الغادرة بالمحبوب؟

إن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب منا الوقوف على محطّات مهمّة في حياة فريد، وعلى الظروف الاجتماعية والنفسية والصحية التي أحاطت به، وخلقت له كل هذه المعاناة في حياته، وقد كشف فريد بعضاً منها في مذكراته التي دفع بها بعد كتابتها إلى مجلة «الأسبوع العربي» ثم طبعتها ونشرتها «دار الجماهير» منها:
-الهجرة القسرية من وطنه الأم سوريا عام 1923 بعدما نكّل الانتداب الفرنسي بعشيرته وأهله في جبل العرب في السويداء وطارد الفرنسيون آل الأطرش لقيادتهم الثورة ضدهم، فاضطرت والدته الأميرة عالية المنذر أن تهرب بأطفالها الثلاثة فريد وفؤاد وآمال (اسمهان) إلى لبنان ثم إلى القاهرة عبر حيفا ويافا وغزة. سعى لترتيب إقامتهم الثائر سعد زغلول لمعرفته الشخصية بفهد الأطرش (والد فريد) ودوره الوطني في مواجهة الاستعمار. فالشعور بالغربة كان قاسياً على فريد رغم أنه أحبّ مصر وأهلها. فحنين الإنسان لوطنه لا يتوقف، وهذا ما لاحظناه في أداء فريد لأغنية «أول همسة» في حفلة سورية في ملعب العباسيين في دمشق عام 1972، حيث كانت النشوة والسعادة والنشاط تغمر أداء فريد وهو يغني بين أبناء بلده حتى أضاف جملة من عنده خارج النص الأصلي «أنا إلي بهواكم أبناء بلدي».

غطى بفنه معظم الألوان الغنائية المختلفة، فغنى اللون العاطفي والوطني والقومي العربي

-الظروف المعيشية الصعبة التي عاشتها أسرة فريد في مصر تركت جرحاً نفسياً في وجدان الطفل الموهوب الحسّاس الذي يتذكّر طفولته البائسة مع أسرة فقيرة عانت قسوة الحياة وضيق المسكن، فعايش كدّ والدته بالإبرة في الخياطة لتأمين حياة أولادها ومستقبلهم. أخفت الأم اسم العائلة الحقيقي «الأطرش» من أسماء أولادها كي يتم قبولهم في المدرسة الفرنسية (الخرنفش)، فكان نصيب فريد أن يكون اسمه «فريد كوسا» ليصبح بعدها موضع سخرية واستهزاء من قبل الطلاب حتى كره فريد المدرسة وطلابها. وكان يعود كل يوم باكياً إلى البيت، فتأخذ أمه العود وتغني له بصوتها العذب حتى يعود لصوابه وأصبح العود والغناء في ما بعد علاجاً نفسياً بالنسبة إليه يمارسه بنفسه.
-اغتيال توأم روحه أخته اسمهان في عزّ شبابها وعطائها لم يكن صدمة عابرة في حياته. ظلّ فريد يبكي فقدها طول حياته، حتى حين رحل في لبنان، أوصى أن يُدفن في مصر بجوار أخته الغالية.
- عدم الاستقرار العاطفي والفشل في إيجاد شريكة العمر، جعلا فريد يعيش حالة عُزلة ووحدة وفراغ في حياته يتنقل بين العشيقات من دون ارتباط حقيقي دائم. ففي البداية، كان رافضاً للزواج، معتقداً «أن الفنان لا يتزوج إلا فنه ولا ينجب إلا ألحاناً». لكن مع مرور الأيام وتقدم العمر، تغيرت قناعته، فسعى للزواج ولم يُوفق. ولربما اسم «وحيد» الذي رافقه في معظم أفلامه يعكس معاناته تلك.
-بقدر ما كان فريد محباً للحياة ومقبلاً عليها بفنه وأعماله المتواصلة، كان يُدرك بأن قلبه العليل لن يترك عمره يطول معها، وسيخطفه الموت باكراً، فعليه أن يسبق الوقت ويحقق ما يستطيعه. فالعمل الجاد المتقن هو سبيل النجاح. أما الاعتماد على الحظ، فهو عذر الكسالى هكذا كان يعتقد. فكل تلك المآسي والمحن صنعت من فريد إنساناً عصامياً.
- أخلاق الأمير: عُرفت عن فريد شخصيته الطيبة المحبة لكل الناس، ونفسيته الكريمة، فكان بيته مضيافاً في القاهرة مفتوحاً لكل الفنانين والفنانات، وكان يقيم غداءً كل جمعة لأصدقائه، حتى في وصيته كتب أن تُوزع أمواله على كل مَن رافقه في حياته من شقيقه وسكرتيرته الخاصة وخدمه بلا استثناء.
أما عن إسهاماته الفنية، فقد ترك فريد أثراً خالداً في الموسيقى العربية بمثابة البصمة التي تدل على صاحبها سواء في الغناء أو التلحين أو العزف. أولاً، ابتدع لنفسه أسلوباً خاصاً في الغناء والتلحين ميّزه عن العمالقة السابقين والمجايلين له في مصر كسيد درويش وعبد الوهاب والسنباطي وزكريا أحمد والقصبجي وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ. كما حرص على إبراز تمكّنه بالعود من خلال التقاسيم في بداية الحفلات، فكان الجمهور يتمايل طرباً مع أولى ضرباته بالريشة على الأوتار، بينما كان صوت عود القصبجي مغيّباً في معظم حفلات أم كلثوم. تعلّق فريد بالعود دفعه إلى أن يخطّ لنفسه أسلوباً خاصاً في العزف على هذه الآلة الجميلة، مختلفاً تماماً عن أسلوب معلمه في المعهد رياض السنباطي. فقد اعتمد على توليد الجمل الموسيقية الطربية والقفلات المقامية السريعة الساحرة التي غالباً ما كان يعتمدها في مقامي الكرد والبياتي، خلافاً للمدرسة العراقية في العود التي تعتمد على التكنيك والسرعة في العزف حتى أصبح أسلوب فريد الأطرش في ما بعد مدرسة في العزف تأثر به كبار العازفين مثل الفنان علي الإمام وعبادي الجوهر وسيمون شاهين. كذلك، فإنّ شرقية فريد وأصالته العربية لم تمنعاه من الانفتاح على موسيقى العالم، فقد أدخل الآلات الغربية في فرقته الشرقية مثل الكلارينيت والأورغن. وقد عزف مقطوعة إسبانية (استورياس) على العود في مقدمة أغنية «حكاية غرامي» نقل فيها تقنيات العزف من الغيتار إلى العود. فكان هذا الاتجاه المنفتح عند فريد وعبد الوهاب أيضاً مرفوضاً عند بعض الفنانين المتمسكين بهوية الموسيقى الشرقية كسامي الشوّا وأمثاله.
اعتمد في التلحين على التنويع في المقامات حتى لا يشعر المستمع بالملل


اعتمد فريد في التلحين على التنويع في المقامات حتى لا يشعر المستمع بالملل، فمعظم أغانيه كانت على مقام الحجاز والكرد، ومع ذلك كانت تتخللها تحويلات مقامية ذكية توصلك مع الراست والبياتي، وهذه تعكس عبقرية الملحن وإلمامه بالأنغام الشرقية. وفي أغانيه الدسمة الحزينة الباكية كـ «الربيع» و«أول همسة»، كان فريد يدخل في صميم اللحن مقطعاً فرحاً راقصاً ينقل حالة الحزن واليأس عند المستمع إلى الفرح والسرور، فيصفق الجمهور ويبتهج.
غطى فريد بفنه معظم الألوان الغنائية المختلفة، فغنى اللون العاطفي والوطني والقومي العربي حين أنشد «يا حبيب الشعب»، و«حبيبنا يا ناصر»، و«حيوا البطل جمال»، وغنى للوحدة العربية في «بساط الريح»، وغنى لفلسطين المحتلة (وردة من دمنا). كما أدى الموال المصري والشامي والعراقي. وهذا يعكس أصالة فريد وثقافته والتزامه بقضايا أمته العربية ووقوفه مع كفاح شعبه ضد المعتدين.
وقد روى لي المؤرّخ المختص بالمرحلة الناصرية الطبيب كمال خلف الطويل قصة لفريد مع الزعيم الراحل جمال عبد الناصر. حدثت مشكلة في نيسان (ابريل) 1970 قبل انطلاق مهرجان «شم النسيم» السنوي. يومها، اختلف فريد الأطرش مع عبد الحليم حافظ على الصدارة في الغناء في المهرجان، وكانت العادة أن فريد هو الأول، لكن هذه المرة أصرّ عبد الحليم على الغناء في اليوم الأول كونه مطرب الشباب، فاتفق المنظمون على حل الإشكال بأن يغطي التلفزيون حفلة عبد الحليم والإذاعة حفلة فريد. وانتهت الحفلة بهذا الترتيب، لكن فريد شعر بالتمييز ضده وتفضيل عبد الحليم عليه كون الأخير ابن البلد وهو سوري وافد، حتى باتت له شكوى مسموعة شاركه فيها بعض الفنانين العرب من غير المصريين كفايزة أحمد ووردة الجزائرية. شاعت تلك الشكوى في الأوساط الفنية ووصلت إلى المسؤولين وقرر فريد الهجرة من مصر. وفي أحد الأيام، تلقّى فريد اتصالاً من سكرتير الرئيس الأستاذ سامي شرف ليطلب منه مراجعة مكتب رئيس الجمهورية. وبالفعل زار فريد المكتب في الموعد المحدد، فوجد عبد الناصر في استقباله مرحّباً به ثم قدم له «قلادة الجمهورية» وهي الوسام الثاني في الدولة. ثم قال لفريد: «اسمع أنت هنا فنان مقدر مثلك مثل أي مصري آخر، وما يحدث بينكم في الوسط الفني من تنافس وخلافات شخصية وحكي مقاهي لسنا مسؤولين عنه». هذا التكريم والاهتمام من أعلى سلطة في مصر، أشعر فريد بقيمته ومكانته العزيزة في بلده الثاني مصر الطيبة بتسامحها وأصالتها وعروبتها وحضارتها الضاربة في أعماق التاريخ، فقرر البقاء فيها. وبعد وفاة عبد الناصر، سافر إلى لبنان في أول السبعينيات حيث كانت المحطة الأخيرة في حياته. وفي إحدى الحفلات، قدم فريد أغنية «عش أنتَ ...إني متُ بعدك» أهداها لزميله وحبيبه عبد الحليم المريض في المستشفى متمنياً له الشفاء. بعد ذلك، توقف قلب فريد عن النبض وفارق الحياة في 26 كانون الأول (ديسمبر) 1974 ليعيش فريد عمراً آخر طويلاً بفنه وألحانه الخالدة وأغانيه العذبة الباقية إلى يومنا هذا.

* كاتب من الكويت

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا