قبل سنوات قليلة، أطلق جورج صليبي فيلمه الوثائقي الأوّل بعنوان «سنوات الضوء: لبنان 1950 ــ 1975». الشريط الذي أعدّه الإعلامي اللبناني وأخرجه جان كيروز، يستعرض ربع قرن من تاريخ لبنان الحديث عبر شهادات لشخصيات عاصرت تلك الحقبة، وشاركت في رسم ملامح لبنان أيّام الزمن الجميل. في هذا العمل، استعان صليبي بمقاطع نادرة من الأرشيف تعود إلى ستينيات القرن الماضي من «مهرجانات بعلبك»، وأفلام سينمائية، وبرامج تلفزيونية، إضافة إلى صور نادرة، وشهادات لأسماء بارزة، بينها الرئيسة السابقة للجنة «مهرجانات بعلبك» مي عريضة، والكوريغراف الشهير ومؤسّس «مسرح كركلا» عبد الحليم كركلا، والفنان روميو لحود، والراحل وديع الصافي، والفنان إلياس الرحباني، والمسرحيان منير أبو دبس ونضال الأشقر، وإميل شاهين رئيس «مؤسسة إميل شاهين» لنشر الثقافة السينمائية، والإعلامية غابي لطيف وغيرهم.
مساء اليوم، يقدّم جورج صليبي مولوده الوثائقي الثاني الذي يحمل هذه المرّة توقيعه على مختلف المستويات (بمساعدة إلياس بو سابا كمخرج منفّذ). يحمل الشريط اسم «بونجور بيروت» (70 د. ــ إنتاج Metro G.S Productions)، ويركّز على البيوت القديمة في بيروت، في وقت لا تزال فيه العاصمة اللبنانية تفقد منازلها الأثرية. وآخر الأماكن المهدّدة اليوم «البيت الأحمر» في «راس بيروت» الذي يعود بناؤه إلى القرن الثامن عشر، وكان لا يزال صامداً أمام تحوّلات المدينة الاسمنتية الجارفة، وشاهداً على ما فقدته بحجة «الإعمار» الذي «نسف» الخاصية العمرانية لبيوت المنطقة (الأخبار 19/1/2015). يرى صليبي أنّ لهذا الموضوع أهمية كبرى، كما أنّه «موجع جداً»، في ظل الفشل في إبرام قانون يحمي هذه المباني. يؤكد مقدّم برنامج «الأسبوع في ساعة» (الأحد ــ 21:30 على «الجديد») في اتصال مع «الأخبار» أنّه مدرك لأهمية الحداثة، لكن «لا بد من الحفاظ على التراث والثقافة والذاكرة. هذا ما يحصل في أجمل المدن الأوروبية مثلاً. على مقربة منّا، هناك شوارع دمشق العتيقة وأبنيتها الجميلة».

تناول الشريط المنازل البيروتية القديمة والأثرية

يخوض صليبي في هذا الفيلم «مغامرة مهنية جديدة، من خلال ممارسة إحدى هواياتي»، تاركاً للجمهور الحكم على مدى نجاحها. ويلفت إلى أنّ طبيعة الشريط التسجيلية «قريبة من طبيعة عملي في مجال السياسة والأخبار ومن مزاجي».
إنّه نتيجة عمل استمر على مدى عام تقريباً، من الإعداد والتصوير والمونتاج، والبحث الذي استعان فيه صليبي بوزارة الثقافة وبـ«جمعية تشجيع حماية المواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان» (APSAD). تأسّست هذه الجمعية عام 1960، بهدف التصدي للتدهور الذي يطال التراث الوطني، وتوعية الرأي العام والجيل الجديد على قيم الهندسة المعمارية اللبنانية، وأهمية المحافظة على كل ما يحمل هوية لبنان. واعتمد مقدّم نشرة الأخبار على «الجديد» في جزء كبير من بحثه على مقابلات مع شخصيات تهتم بحماية البيوت القديمة والأثرية، أبرزهم النائب وليد جنبلاط، والوزير ميشال إده الذي كان أوّل من شغل منصب وزير الثقافة في لبنان، وقد بدأت عملية تصنيف البيوت في عهده. إلى جانب هذين الاسمين، هناك وزراء الثقافة السابقون محمد يوسف بيضون، وطارق متري، وسليم وردة، وغابي ليّون، والوزير الحالي ريمون عريجي، إضافة إلى محافظ بيروت القاضي زياد شبيب، والمؤرّخ حسّان حلّاق، والمهندسة المعمارية والعضو في APSAD منى حلّاق، والليدي إيفون كوكرين سرسق صاحبة «قصر سرسق»، ونائلة بسترس...
ولكسر الرتابة والجمود اللذين تفرضهما طبيعة «بونجور بيروت» الوثائقية، لجأ جورج إلى ثلاثة مشاهد تمثيلية بطولة الممثّل القدير عبدالله حمصي (الشهير بشخصية «أسعد») مستوحاة من شخصية «دويك» التي سبق أن عُرف من خلالها قبل أكثر من 40 عاماً في مسلسل «دويك يا دويك» الذي كتبه أنطوان غندور عام 1973 وأخرجه باسم نصر لـ«تلفزيون لبنان».
في «بونجور بيروت»، سيعود «دويك» بعد عقود إلى المدينة ويجول على أماكن بيروتية مختلفة، بينها الـ«داون تاون» وشارع الحمرا. وستتخلل الفيلم أيضاً مشاهد فيديو أرشيفية لساحة البرج، وسوق الصاغة، وسوق النوريّة، والترامواي بالقرب من مقر «بلدية بيروت».
أما الموسيقى التي أعدّتها الفنانة جاهدة وهبه خصيصاً للفيلم، فشكّلت نقطة «غنى له»، وأضافت إليه «لمسة ونكهة خاصة»، على حدّ تعبير صاحبه. وفيما يترقّب ردّ فعل الجمهور على شريطه الجديد، ما زال في جعبة الإعلامي اللبناني أفكار عدّة تتنظر التنفيذ يوماً ما.

«بونجور بيروت»: من 7 حتى 17 شباط (فبراير) ــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية بيروت). للاستعلام: 01/332661