لا شك في أنّ عام 2020، هو عام انكشاف الأوراق مع كرّ سبحة الدول العربية والخليجية المطبّعة مع «إسرائيل». قبل إعلان الإمارات عن التطبيع مع كيان الاحتلال في آب (أغسطس) الماضي، كانت تمهّد الأرضية للترويج لـ«صفقة القرن». هكذا، دخلت mbc، على خطّ الدراما المروّجة للاحتلال، وأنسنته، مع طرحها مسلسلين: الأول «أم هارون» (تأليف محمد وعلي شمس، إخراج محمد جمال العدل)، الذي أثار الجدل بسبب احتوائه على مغالطات تاريخية حول حياة اليهود في الخليج في أربعينيات القرن الماضي، لإثارة التعاطف معهم، عدا بث رسائل مسمومة تتوافق مع الرواية الإسرائيلية لاحتلال فلسطين. أما المسلسل الثاني، فهو «مخرج 7» (تأليف خلف الحربي ــــ إخراج أوس الشرقي)، الذي أقحم في حبكته القضية الفلسطينية، وراح يجاهر بأن «إسرائيل» ليست عدواً، ويقزّم كل نضال عربي أو فلسطيني لنصرة القضية. ولم تكد أشهر تمرّ، حتى أعلنت الإمارات التطبيع برعاية أميركية. وقبل توقيع الاتفاقية، استعجلت «سكاي نيوز» الإماراتية الموضوع، فاستضافت للمرة الأولى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. مقابلة وصفتها بـ«الخاصة» و«الحصرية»، سرعان ما تُرجمت الى العربية، وعرّجت على مجالات التعاون الإماراتي-الإسرائيلي في الصحة والتكنولوجيا. بعد «سكاي نيوز»، جاء دور «تلفزيون دبي» الذي عدّل اللوغو الخاص به وأضاف اللغة العبرية على كلمة «دبي»، وقسّمت الشاشة إلى ثلاث نوافذ، ضمت إلى جانب شاشته، القناة الـ12 الإسرائيلية، و«البحرين». ظهر بعدها المذيعون الثلاثة، يرحّبون ببعضهم باللغتين العربية والعبرية. خطوة انسحبت على الصحافة الورقية، مع نشر صحيفة «الاتحاد» الإماراتية و«يديعوت أحرونوت» مقالات مشتركة، شارك فيها رئيس تحرير الصحيفة الإسرائيلية نطع ليفنه، وحملت عنوان: «السلام عليكم». في هذه المقالات، حثّ الإماراتيين على القدوم إلى «إسرائيل» وزيارة القدس المحتلة وعدد من المواقع التاريخية، فيما أعرب عن أمله في أن يتمكّن الإسرائيليون من زيارة الإمارات ومشاهدة «برج العرب»! وبعد حفلات التطبيع المتبادلة، كان مدوّياً ما أقدمت عليه mbc، وتحديداً تطبيق «شاهد» من حذف لمسلسل «التغريبة الفلسطينية» (كتابة وليد سيف، وإخراج حاتم علي وإنتاج «سوريا الدولية للإنتاج الفني» عام 2004)، بعد تجميدها لمشاريع درامية كـ«الأمير الأحمر» الذي يتناول سيرة المناضل الفلسطيني علي حسن سلامة. شَطب المسلسل الفلسطيني عن القائمة السعودية أشعل غضباً عارماً على شبكات التواصل، وأجبرها على إعادته إلى القائمة.


انبرت القنوات الخليجية في الترويج لصفقة القرن

الموجة التطبيعية التي سرعان ما انسحبت على بلدان عربية وخليجية، لاقت تنديداً واسعاً، تظهّر جزء منها في فن الكاريكاتور. كلنا يذكر حادثة الرسام الأردني المعروف عماد حجاج الذي اعتُقل خمسة أيام، على خلفية نشره رسماً ينتقد فيه التطبيع الإماراتي-الإسرائيلي، وأُفرج عنه بعد ضغوط جهات وجمعيات محلية ودولية. إلى جانب التطبيع، لاقت أحداث الساحة اللبنانية أيضاً اهتماماً واسعاً، سيّما من قناة «العربية»، التي اتخذت من أزمات البلد أداة لتنفيذ أجندتها المعادية لـ«حزب الله». وعلى رأس هذه الأزمات المعضلة الاقتصادية، إذ عمدت الشبكة إلى تحميل الحزب مسؤولية انهيار الليرة واستنزاف خزينة الدولة. وجاء انفجار مرفأ بيروت ليدخل القناة في لعبة اتهام الحزب في ضلوعه بالتفجير، وتورّطه في أحداث مماثلة حول العالم.
وفي داخل الشبكة السعودية، وتحديداً mbc، التي ركّزت على خدماتها الافتراضية وعزّزت تطبيق «شاهد» ووقّعت اتفاقيات تعاون بين شركات عربية وأجنبية، ومن بينها «روتانا ميديا» في مجال الترفيه، فقد شهدت تغييرات عدة في إدارتها وفك شراكتها مع «شويري غروب»، تمهيداً لسعودة الشبكة، وانتقالها إلى الرياض. في هذا الوقت، كان يجري التحضير لإطلاق قناة «الشرق للأخبار» التي يملكها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، والتي انطلقت فعلياً قبل شهرين. القناة التي تتخذ من دبي مقراً لها، تضع على رأس أولوياتها الاقتصاد والسياسة والفن، وطبعاً تلميع صورة بن سلمان.
تصدّرت السعودية قائمة الدول التي تعتقل صحافيين وفق «مراسلون بلا حدود»


وبعيداً عن الداخل السعودي الإعلامي، وأجنداته الخارجية، استطاع وباء كورونا، أن يضرب سوق الإعلام الخليجي والعربي، بعد تجميد سوق الإعلانات. أزمة انعكست على الصحف والمجلات والقنوات، مع صرف bein sports، أكثر من مئة عامل لديها، ووقوع الصحف الكويتية من ضمنها «الكويت» و«الرأي» و«القبس»، في أزمة حادّة، أُجبرت من خلالها على صرف موظفين أو تقليص رواتبهم. على صعيد الحريات، كشف تقرير «مراسلون بلا حدود» عن حجم الصحافيين المعتقلين سيّما في البلدان العربية، إذ تصدرت السعودية القائمة (34 معتقلاً) تلتها مصر (30). في الجزائر، لم يختلف الأمر كثيراً، إذ تعاظمت حملات الاعتقالات بحق الصحافيين ومن ضمنهم عبد الكريم زغيلاش، مدير إذاعة «راديو سربكان»، إذ يواجه عقوبة السجن لمدة 3 سنوات، والتهمة «الإساءة إلى رئيس الجمهورية»! يأتي ذلك ضمن حملة قمع تمارسها السلطات هناك على المدوّنين والناشطين المعارضين للنظام. وسط أجواء القمع والاعتقال والترهيب، تعرّض الإعلام السوري بدوره إلى أجواء مماثلة مع إصدار «المنظمة الأوروبية للأقمار الصناعية والاتصالات» (يوتلسات)، قراراً بإنزال قنوات الإعلام الرسمي السوري عن قمرها. اعتُبر هذا القرار محاولة لإسكات هذه القنوات بعد إنزالها عن «عربسات» و«نايل سات». أما فلسطين، فقد واجهت هذا العام قمعاً من نوع آخر، تمثل في تكرار المضايقات التي مارسها تطبيق «زووم» كمنع ندوة كانت المناضلة الفلسطينية ليلى خالد تنوي المشاركة فيها. مضايقات «زووم» تنضم إلى غيرها من الممارسات القمعية التي تمارسها شركات التكنولوجيا العالمية بهدف تقليص الحيّز الفلسطيني أو ما سُمي بـ «التمييز الرقمي بحق الفلسطينيين».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا