محطّات مفصلية طبعت هذا العام الذي يتفق الجميع على وصفه بالأسوأ على الإطلاق. وطأة 2020، كانت الأشدّ لبنانياً، مع دخول البلد مرحلة اقتصادية صعبة، أسهم في تأزيمها تفشّي وباء كورونا، الذي أصابت نتائجه المباشرة الجسم الإعلامي، وصولاً إلى انهيار الليرة اللبنانية، وتفاقم الوضع الاقتصادي داخلياً. هذه الأزمة التي أثّرت على حركة القنوات المحلية، وساهمت في تراجع الإنتاج داخلها، معطوفةً على أزمة سوق الإعلانات، هزّت أمان موظفي القنوات الذين باتوا يتلقّون نصف راتب، كما أثرّت على شكل البرامج ومضمونها. لم تكد هذه المحطات تتنفّس الصعداء، بعد أشهر من التظاهرات الشعبية وحفلات الانقسام السياسي، حتى جاء وباء كورونا ليطيح بآخر أمل لها باسترجاع جزء من برمجتها وحركتها الاعتيادية. تفشّي الوباء الذي غيّر صورة العالم، وقطاعات حيوية كثيرة، حطّت تداعياته بشكل مباشر على القطاع الإعلامي، وغيّرت في شكل تقديم المادة الإعلامية. هكذا، لجأت وسائل الإعلام اللبنانية الى أساليب مستجدّة لتتأقلم مع نتائج الوباء، فاستبدلت ضيوفها في الاستديو بظهورهم على «سكايب» وأخذ مراسلوها ينفذون التقارير الإخبارية من المنازل بدل النزول إلى الميدان. وسط ذلك، ظلت أزمة حضور الجمهور في الاستديوهات، بل أُوقفت بعض البرامج التي تعتمد على عنصر التفاعل داخل الاستديو، عدا التغيير الذي طاول نوعية البرامج سيما الاجتماعية منها التي تبدّلت أنماطها ليضحي أحدُها شبيهاً بالآخر، كما حصل مع برنامجَي «طوني خليفة» و«أنا هيك» على «الجديد» اللذين باتا نسختين، أحدهما عن الآخر في استضافة أطباء الأمراض التنفّسية والجرثومية. الأزمة الاقتصادية والنقدية تظهّرت في الأشهر الأولى من السنة مع امتناع المصارف عن إعطاء المودعين أموالهم، إلى جانب تصدّر حاكم «مصرف لبنان» رياض سلامة، المشهد الإعلامي، وتجنّد بعض القنوات سيّما تلك التي «ناصرت الثورة» لتلميع صورته، خاصة بعد طلب رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب من سلامة مصارحة الناس، واستدعاء من قاموا بعمليات مضاربة في الأسواق وإفقاد الليرة قيمتها. الدور السلبي لبعض القنوات المحلية أسهم في تضليل الرأي العام، وتضييع البوصلة بشأن المسؤول عن انهيار الوضع الاقتصادي، مرة عبر تحوير الأنظار صوب قضايا أخرى كالتهريب إلى سوريا، أو السير بالبروباغندا الخليجية، التي تكرّر اتهام «حزب الله» بإيصال لبنان إلى أزمته الاقتصادية الحالية.


■ السفيرة الأميركية
الأزمة الاقتصادية التي ظهرت جلياً في القنوات المحلية، بتقليص استديوهاتها ورواتب موظفيها، وتغييب عجلة الإنتاج والعرض في المواسم الرمضانية والخريفية، استدعت في المقلب الآخر، سلوكيات أخرى، تمخّضت على شاكلة مساحات ترويجية وأخرى سياسية تحريضية. أبرز ما حصل في هذا الخصوص، مع الأزمة التي نشبت في حزيران (يونيو) الماضي، حين أصدر القاضي محمد مازح، قراراً يقضي بـ «منع أي وسيلة إعلامية لبنانية أو أجنبية تعمل على الأراضي اللبنانية، سواء أكانت مرئية أم مسموعة أم مكتوبة أم إلكترونية، من إجراء أيّ مقابلة مع السفيرة الأميركية أو إجراء أي حديث معها لمدة سنة». هذا القرار كان كفيلاً، بخلق استنفار واسع عند بعض وسائل الإعلام، والتنافس على استضافة السفيرة الأميركية دوروثي شيا، كسراً لقرار القاضي اللبناني، وسعياً نحو تقديم فروض الطاعة للضيفة الأميركية، عبر حمل شعار «حرية التعبير». السفيرة التي كثّفت في الأشهر الأولى من العام من حضورها، ومقابلاتها، التي اتّسمت بالتحريض المباشر على «حزب الله» واتهامه بإيصال البلاد إلى حافة الهاوية، لم تلقَ أي اعتراض لمضامين ما تقوله على الشاشات. استكملت أجندات المحطات في هذا الخصوص، سيّما من قبل lbci، التي طعّمت إعلاناتها بالدعاية الأميركية، وفتحت منبرها لبث المضامين التحريضية أكان من السفيرة الأميركية، أو من مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى دايفيد شنكر، الذي أخذ يتوعّد بإنزال العقوبات على شخصيات سياسية لبنانية ، وصولاً إلى بث المحطة تقريراً ترويجياً في ذكرى تفجير «المارينز» وصفت فيه الحدث بـ «المؤلم»، وليس انتهاء بالاحتفاء بالعقوبات التي طاولت الوزير السابق جبران باسيل، واستضافة شنكر مجدّداً، وترجمة كلامه إلى العربية وتكراره في أوقات متفاوتة على الشاشة.

■ قانون قيصر
في حزيران (يونيو)، خرج ما يُعرف بـ «قانون قيصر» وخرجت معه، حفلات التهليل اللبنانية. أبرز هذه المنصات mtv، التي كانت من بين المروّجين للقانون الأميركي، والادعاء بأنه سيحمي الاقتصاد المحلي، واستضافة شخصيات اندرجت ضمن عرّابة القانون، والهدف إحداث حالة من القلق في الشارع اللبناني، والتحذير من مغبّة عدم الالتزام بالقانون، لأن هذا الأمر سيجلب المزيد من الانهيار الاقتصادي، عدا طبعاً، استثمار «قانون قيصر» لتصفية الحسابات السياسية مع النظام السوري، وهذه المرة من البوابة الأميركية.

■ تفجير المرفأ
الرابع من آب (أغسطس)، تاريخ شكّل الحدث المفصلي هذا العام، مع تفجير مرفأ بيروت، وقلب الأداء الإعلامي رأساً على عقب، وظهور أجندات سياسية لبعض القنوات المحلية، التي لعبت بقوة على وتر التحريض وسوق الاتهامات، ولم تعبأ بتداعيات ما تقوم به على مكوّنات الشارع اللبناني والعمل على تشظّيه بشكل أكبر. التفجير الذي بدأ على شاكلة روايات متضاربة حول حقيقة ما حدث في ذاك اليوم، مع صورة دموية ملأت المستشفيات والشوارع، وخلّفت مشاهد الدمار، استُثمر سريعاً إعلامياً: خرج مارسيل غانم في «صار الوقت» على mtv، ليستغل تلك اللحظة العالية الحساسية، ويصفي حساباته مع رئيسَي الجمهورية والحكومة وباقي الطاقم السياسي الذي تعارضه المحطة. في تلك الليلة، وصف غانم هؤلاء بـ «الفاسقين» و«السفلة» وأنهى مقدمته بترداد كلمة «تفو» على الطبقة السياسية. استضاف بعدها، وجوهاً راحت تتهم «حزب الله» بالتفجير. البرنامج الحواري السياسي، بات في تلك الفترة، يُبث مرتين في الأسبوع، كمنبر يحشد أكبر قدر من الحملة التحريضية الممنهجة على حكومة دياب، ومن خلفها «حزب الله». أخذ يركز في استهلاليّاته على هذا المسار، ويقطع أي صلة مع باقي الأطراف المتورّطة في الأزمة النقدية والمالية. إذاً، شكّل التفجير فرصة لاستغلال غضب الناس وتحويله صوب خصوم قناة «المر» السياسيين، إلى جانب تعمّد غانم توزيع لوائح «العار» و«الشرف»، كما تنصيب نفسه متحدثاً باسم الشعب.

توظيف إعلامي وسياسي لتفجير المرفأ

يضاف الى ذلك، تعمّد المحطة التحريض شبه اليومي على «حزب الله» واتهامه بالضلوع في تفجير المرفأ، بالاستناد إلى تقارير أجنبية من دون أخذ المسافة منها. تفجير المرفأ، شكّل أيضاً متنفساً لبعض الوجوه السياسية التي أقصتها «انتفاضة 17 تشرين»، لتعيدها mtv إلى الساحة، على رأسها «الكتائب» و«القوات» في وقت ادّعت فيه المحطة أنها قاطعت خطابات الساسة. وبعد 10 أيام، من وقوع التفجير الدامي، قرّرت lbci، حجب تصاريح السياسيين عن شاشتها، كاستفاقة متأخرة تواكب أوجاع أهالي ضحايا التفجير، بعيد فتحها الهواء في الأيام الأولى، لمسؤولين مباشرين عن التفجير. قرار لم يصمد طويلاً، مع نقلها لكلمة رئيس حزب «القوات» سمير جعجع، وللكلمة التأبينية السياسية لسامي الجميل في جنّاز الأمين العام للحزب نزار نجاريان في مقابل مقاطعتها (كما mtv) لكلمة الأمين العام لـ«حزب الله»، السيد حسن نصرالله. حادثة تفجير المرفأ، التي استقطبت طواقم إعلامية عربية وأجنبية استوطنت في العاصمة اللبنانية مواكبة للحدث، كشفت سلوكيات أخرى، لوسائل الإعلام سيّما مع الحدث الذي تلا التفجير، والدعوة إلى «تعليق المشانق» للسياسيين المتورطين في الجريمة التي هزّت بيروت، وإذ بها تتحول الى وجهة أخرى اتخذت من وزارة الخارجية مقراً لـ«الثوار» الذين أعلنوا من على شرفتها أن «بيروت منزوعة السلاح»، من دون أن يُفهم سياق هذا الشعار، أو تحاول وسائل الإعلام استيضاحه. أداء إعلامي طبع ذاك اليوم، ومارس فيه المراسلون دور شهود الزور، في التعتيم على ما يجري على الأرض، وتجزئة الحدث، وشيطنة قوى الأمن.

■ المحكمة الدوليّة
لم تكد نيران 4 آب تخمد، حتى هبّت رياح «المحكمة الدولية». في ذاك اليوم، تبارت القنوات اللبنانية في ما بينها على إفراد تغطية خاصة لهذا الحدث، حتى إنّ قناة «المستقبل» التي أُقفلت قبل عام، عادت للبث مواكبةً لقرار المحكمة. وبعد صدور القرار، الذي اتهم شخصاً واحداً أي سليم عياش وتبرئة بقية المتهمين، نزل الخبر كالصاعقة على بعض وسائل الإعلام التي كانت تراهن على إحداث هزّة كبيرة في لبنان، ستطاول شظاياها المكوّنات اللبنانية. لكنّ «حسابات الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر»، مع الإصرار على إشعال الشارع اللبناني، والاتجاه صوب «الطريق الجديدة» معقل «تيار المستقبل»، علّها تُشعل بعضاً من الفتنة الأهلية، فخاب ظنّ بعض وسائل الإعلام، لما أظهره هذا الشارع من عقلانية حيال قرار المحكمة.

■ معركة أرمينيا- أذربيجان
في تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، اندلعت معارك طاحنة بين أرمينيا وأذربيجان، على خلفية، النزاع على إقليم «كاراباخ» أو «قره باخ». طبعاً المعركة التي تبعد عن لبنان مئات الأميال، وتحتاج إلى خمس ساعات ونصف ساعة للوصول إلى العاصمة الأرمينية، ومن ثمة إلى الحدود مع أذربيجان، انخرطت فيها بعض وسائل الإعلام المحلية، وأوفدت مراسليها إلى هناك، على الرغم من الخطر الشديد الذي سيواجهه المراسل، عدا جهله بطبيعة الميدان هناك. رأينا مثلاً، نجاة مراسل lbci، إدمون ساسين، مع المصوّر، بأعجوبة، مع باقي الأطقم الصحافية الأرمينية والفرنسية والروسية، عندما انهالت فجأة على رؤوسهم القذائف وأصيبوا بحالة من الهلع. هكذا، انشغلت هذه القنوات بنقل وتغطية ما يحدث في تلك البقعة، من أجل أهداف سياسية في الدرجة الأولى، وسعياً نحو كسر الجمود الذي اعترى الشاشات في تلك المرحلة.

■ هجرة الإعلاميين
قبل أن يُطوى العام الحالي، شهدنا موجة هجرة أشبه بالجماعية، لمراسلين وعاملين في قنوات محلية إلى فضائيات عربية، وبعضهم ناهز عمله في المحطة أكثر من عشرين عاماً، كما حصل مع مراسل lbci بسام أبو زيد الذي انتقل إلى قناة «العربية/ الحدث» أو إلى قنوات أجنبية ناطقة بالعربية على غرار ما حصل مع كل من ليال الإختيار وريما عساف، وجويل الحاج موسى اللواتي انتقلن إلى «الحرة»، أو أقله «نزوح» من قناة إلى أخرى، كما حصل مع مراسلة otv سابقاً جوزفين ديب التي انتقلت إلى «الجديد».
استثمرت القنوات التلفزيونيّة حادثة تفجير المرفأ للتصويب على خصومها السياسيين

موسم الهجرة، كان دافعه الأساسي ــ كما بات معلوماً ــ العامل المادي أو ما يسمى بـ «فريش ماني» Fresh Money، مع انهيار الليرة في الداخل اللبناني، والأزمة الاقتصادية التي عصفت بالقنوات. ولا ننسَ هنا ما حصل مع مراسل «الجديد» جاد غصن الذي كان يوضّب أغراضه، متجهاً إلى قناة «الشرق للأخبار» (بلومبيرغ) التي يملكها محمد بن سلمان. إلا أنّ حملات الوشاية والتحريض عليه، و«نبش» تغريدات سابقة له، ينتقد فيها السعودية، أدّت إلى الغاء مشروع السفر الى الإمارات، وبالتالي إنهاء العقد مع القناة السعودية. في مقابل مواسم الهجرة لهؤلاء المراسلين/ات، وسّعت بعض القنوات من حضور مراسليها وفتحت لهم أبواب الحضور أكثر في البرامج الحوارية أكانت الصباحية أو في فترة ما بعد الظهر كما حدث مع برنامج «نهاركم سعيد» على lbci، أو برنامج «هنا بيروت» على الجديد.

■ رحيل رمزي نجار

رمزي نجار

قبل أن يطوي شهر تشرين الثاني (نوفمبر) أوراقه، رحل رجل الإعلان والإعلام رمزي نجّار بصمت، مخلّفاً دوياً خلف وفاته جراء مضاعفات وباء كورونا. الخبر الذي نزل كالصاعقة على من عرف «عملاق الإعلام والإعلان»، خلّف حالة من الوجوم والحزن الشديد. والملاحظ هنا، أن من رثاه ينتمي إلى معسكرات أيديولوجية متناقضة، كدليل على انخراط الرجل وتعاطيه مع فئات سياسية وفكرية مختلفة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. رحل رمزي نجار تاركاً خلفه، بصمة واسعة في عالم التلفزيون والمؤلفات وكذلك الإعلان، الذي طبع في فترات مختلفة بعض المحطات الرئيسية المفصلية في لبنان.

■ «تلفزيون الثورة» ومنصّة «بيروت انترناشونال»
في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، انطلق رسمياً تلفزيون «السلطة الرابعة» أو «تلفزيون الثورة»، لينسحب من المشهد الافتراضي قبل أن يبدأ. المشروع الذي واكبته حملات إعلانية ضخمة، سرعان ما «فرط» مع انسحاب بعض وجوهه المؤسّسة أو تلك التي أرادت المساهمة في تنفيذ برامجه. هكذا، انسحبت ماتيلدا فرج الله، المشرفة العامة على البرامج، من دون معرفة الأسباب الكامنة خلف هذه الخطوة. تبعها هشام حداد الذي كان ينوي إطلاق برنامج ساخر على منصتها، وجنيد زين الدين، وغيرهما من الوجوه المعروفة، لكن سرعان ما تعثر المشروع الوليد، ووقع في أفخاخ التسييس. في المقابل، برزت منصة «بيروت انترناشونال»، أو «بيروت سيتي»، التي يملكها بهاء الحريري، ودخل من خلالها عالم الستريمينغ. استقطبت المنصة وجوهاً إعلامية معروفة، من قنوات مختلفة، من ضمنها طوني خليفة، وديانا فاخوري، وهشام حداد، لنكون في ما بعد أمام مفاجأة تمثلت في التعاون الذي طرحته lbci، مع المنصة الحريرية، فبات البث مشتركاً بين القناتين، وأفردت استديوهات أدما لهذا الغرض، مع طرح برنامج «صوت الناس» الذي تولاه ماريو عبود، وبرنامج «المواجهة» (رودولف هلال). التجربة التلفزيونية الإلكترونية التي طبعت ظهور «بيروت سيتي»، فتحت الباب واسعاً حول أهمية استخدام العالم التفاعلي لبثّ الرسائل السياسية أو حتى الاكتفاء بالترفيه، وسلّطت الضوء على المأزق الذي يعتري القنوات المحلية، من عدم حضور هذه المنصات في برامجها، إلى أن قرّرت mtv، الشهر الماضي، البدء ببرمجة متخصّصة لوسائل التواصل الاجتماعي، عبر طرح مجموعة برامج، تلائم هذه المنصات، وتتسم بالحركة السريعة وبالمضمون المشغول.
طبعاً، خطوة mtv، الموازية لعالم الشاشة التقليدية، أثبتت أنّه يمكن للقنوات صناعة حيّز في العالم الافتراضي والإفادة منه، وجذب جمهور خاصّ يختلف عن ذاك المتابع للتلفزيون.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا