«في ليلة هادئة تحت سقف القمر، والسماء كمَّلت نجومها بما تبقى من لون الشفق، و القمر سرح في بحر الغيوم و هو يغازل الناظر إليه بغمزات من حياء العاشقين» بهذا الأسلوب الإنشائيّ العصيّ على التبدّل، يصوغ محمد حمود عالمه الروائيّ في «زهرة العشق» الصادرة حديثاً عن «دار روافد». ثلاث روايات والكاتب لم يستطع بعد التخلص من عباءة مدرّس الأدب العربيّ. لم يبتعد عن ميدانه المحبب، ولا عن تيمته الأثيرة: هي «حكاية حبّ» أخرى من «الجبل العامليّ» ذاته!

تبدأ الرواية على إيقاع قصة حب أولى تجمع شاباً أصمّ بفتاة خرساء لا يعلم واحدهما شيئاً عن مشكلة الأخر، فيقتل حبّهما سوء الفهم. تعتقد لوهلة أنَّ هذين العاشقين هما أصل الحكاية ومبتداها ومنتهاها. لكنك لا تطوي صفحات معدودة من الرواية إلا وقد دخلها «العبّاس المعشوق» و«تاج النساء» وخلفهما أفواج من العشاق تتشابك حكاياتهم و تتشابه، قبل أن يستقر الكاتب أخيراً على حكايةٍ واحدة بطلاها الراعي «عباس» حامل الدكتوراه في العلوم السياسية، قريب العباس «الأصلي» وحامل اسمه، و«زهرة» الفتاة الأمية اليتيمة التي تسيل البلاغة والحكمة من مبسمها أنهراً حتى قبل أن تقرّر تعلم القراءة و الكتابة على يد «جدِّها» السيّد حكيم!
تحفل الرواية بالتناقضات والمرويّات العجائبيّة والمصادفات الغريبة كالعلاقة الثنائيّة التي تجمع بين كلّ من الراعي والإقطاعيّ سلطان الآغا و قريبته نسرينا على حدة، وبين زهرة، حيث يتبادل الثلاثة الحديث عنها من دون أن يعرفوا أنهم يتحدثون عن فتاة واحدة، قبل أن يكتشف سلطان ذلك ويردد: «فتاة نسرينا هي زهرة، فتاتك هي زهرة، وفتاتي هي زهرة!»
يتمادى الكاتب في لعب دور المراسل الصحافي الذي ينقل، بأمانة، روايات متعددة لكلّ حادثة. تختلف هذه الروايات في ما بينها إلى حد التناقض، فيضيع القارئ غير العليم في متاهة الراوي العليم. «متعبة هي كتابتك بقدر ما هي ممتعة» يقول علي عجمي مخاطباً الكاتب في مقدمة روايته الثانية «صفحات وطن شاردة». وإذا وضعنا جانباً نسبة من الإطراء والمجاملة لا بد من توفرها في كتابة كلمات التقديم، أمكننا الإعتراف أنَّ حجم التعب الذي تخلفه «زهرة العشق» لدى القارئ يفوق حجم المتعة.
وبالحديث عن «صفحات وطن شاردة»، لا يمكن تجاهل وجود خيطٍ رفيعٍ يربطها بـ «زهرة العشق» ويجعل احتمال اقتباس الروايتين عن أصل حقيقيّ واحد وارداً بقوة، و يمكن الإستدلال على ذلك بتكرار أسماء بعض الشخوص في الروايتين ("زهرة" مثالاً)، أو اعتماد مسرح الأحداث ذاته (رابية بمحاذاة بحر صور).
إتكاء الكاتب على حكاية حقيقية لإنتاج عمل روائي أو أكثر، بعد إضافة لمسته الإبداعيّة وبعض الخيال الممكن الحدوث إليها هو إنجاز يحسب له، و لكن دوره لا يقتصر على ذلك، بل يتعداه إلى ترشيق هذه الحكاية عبر حذف كلّ ما من شأنه إثقال الرواية وإصابتها بالترهل وإصابة القارئ بالإرتباك. بمعنى آخر، على الروائي ألا يكون أميناً إلى هذا الحدّ!
المقصد النبيل لا يغيب عن روايات محمد حمود، فهو يستكمل في «زهرة العشق» ما بدأه في "قمر في دنيا قاتلة" و"صفحات وطن شاردة" ويواصل فضح الإقطاع و ممارساته، ويعلن مجدداً رفضه للمحتل و "الأجنبيّ" ومحبته للأرض، لكن هذا كله لا يصنع من موضوع طويل للإنشاء، رواية!