السوريون يعيشون موتهم، بل يكتبونه. ربمّا تكون هذه العبارة اختزالاً لثلاث سنوات من المسألة السورية بتقلّباتها المتعددة. استفاق السوريون ليجدوا بأنّهم متأخّرون في كل شيء، ولا بد من الاندفاع للمساهمة في كل شيء. لعلّ هذا هو سبب تفجّر البراكين المتعددة في مختلف الحقول الإبداعيّة. وبعيداً عن الفن التشكيلي الذي لا يزال هو الذروة الإبداعية السورية كماً ونوعاً، تسلّل السرد بخفوت ليسيطر على حقل الكتابة.

من الفايسبوك إلى المدونات والجرائد، والآن إلى دور النشر، بدأت اليوميّات/ الشهادات بالإثمار لتوثيق الروح، والألم، والانكسار، والشهوة، والجرأة، وغيرها من «الفضائل»، بخاصة فضيلة الخوف.
انطلاقاً من هذا الارتباك الجمعي، يوغل محمد ديبو (1977) في البوح، فتبدأ حكاية كتاب «كمَنْ يشهد موته» الصادر أخيراً عن دار «بيت المواطن» (بيروت/ دمشق). وبالاستناد إلى مصادفة في تشابه اسم الكاتب مع اسم شهيد، يبدأ تشظّي محمد ديبو بين الأنا والهو، وفي توثيق المأساة السورية اليومية.

وينسحب هذا الارتباك الوجودي على طول الكتاب. يتماهى الكاتب مع شخصيات متعددة في مراحل موقتة، لتكتمل الصورة عبر اجتماع تلك التفاصيل/ الفصول الصغيرة، ولندرك بعد إنهاء القراءة بأنّ كل الهويات موقتة ومتعددة ومتباينة مثل تباين وثراء الأصوات الكثيرة في هذه الحكاية/الشهادة، وبأن الراوي راضٍ ببقائه في خلفية المشهد، مكتفياً بضبط إيقاع تلك الأصوات من دون أن يمارس دكتاتوريته. ومن هذه الفسحة الصغيرة للحرية، تتشابك الحريات الصغيرة الأخرى لتكرس ضبابية وأهمية هذا الكتاب العصي على التصنيف في زحمة الاندفاع لنشر كل ما هو سوري خلال السنة الأخيرة على وجه الخصوص.

توصيف موجز، وعبارة
قصيرة متوتّرة، وبراعة في
التقاط الصور المذهلة

ولعل أهم نقطة إشكاليّة في «كمن يشهد موته» (وهو كتاب إشكالي بامتياز)، هو التركيز على إبراز فكرة «الآخر» ضمن فوضى الانتفاضة/ الحرب. ومع أنّ ديبو يحاول في كتابه (كما في كتاباته البحثيّة الأخرى) كسر تلك الهوّة بين طرفي النزاع، عبر الإشارة إلى وجود «ضفة أخرى» للموت، بحيث يتحول ذلك الآخر إلى «أنا» أخرى، إلا أنّ هذه المحاولة بذاتها تكشف عن الورطة التي كرّستها السنوات الماضية، وهشاشة شعارات «التعايش» و«الشعب الواحد». ثمة «أنا» وثمة «آخر»، ثمة «أنا» وثمة «هو»، ثمة سوريا الخاصة بي، وسوريا الخاصة به، وسوريا ثالثة، ورابعة، وعاشرة. ثمة أوطان كثيرة... أقنعة كثيرة. «فالموت يوحّد. والوطن يمزّق»، كما يقول ديبو، «وماذا يعنينا الوطن، إن متنا، هل سنصحبه إلى العالم الآخر؟»
وعبر هذا التأكيد على حضور الموت وهشاشة كل ما عداه، يتابع الكتاب إيقاعه بتنويع مضبوط بين العاطفة والعقل. لا حضور للنواح في هذا الكتاب، ولا تكريس لصقيع العقل. هناك عاطفة آسرة في السرد لا تنفي تلك العقلانية الصارمة في التحليل. عبر سطور قليلة يصف فيها ديبو جارته الشهية التي كانت موضوع خيالاته الجنسية المراهقة، وتحوّلها المرعب بعد اعتقاله إلى الحقد على هذا «الخائن»، سيدرك القارئ قتامة الغد القريب الذي ينتظرنا، حيث يسود الحقد ويُثقل الروح، من دون أن تبقى فسحة للجسد بكل تجلّياته. الجسد السوري ضحية انتهاك مستمر، ذبحاً، وقصفاً، واغتصاباً، وحقداً. ولذا، كان تأكيد ديبو على أهمية ما يمكن أن نسمّيه «عبء الوعي». الوعي ليس شعاراً عابراً، بل سيرورة مستمرة. لا عجب أن نلاحظ التحولات الهائلة خلال السنوات الماضية، من الحلم إلى المسخ، ولهذا تبدو عبارة الكاتب في محلها، إذ «سأكون راضياً عن الثمن الذي تدفعه سوريا اليوم، إن أعطتنا هذه الحرب فيلسوفاً واحداً لم تنجبه ثقافتنا منذ قرون».
ويمكننا ملاحظة أن سيرورة الوعي تلك موجود في هذا الكتاب أيضاً. الجملة السابقة الواعية تكرّس توصيف «حرب»، في مقابل ما يمكن أن نصفه «سذاجة شعوريّة» في مقطع آخر، حين يصف وصول الأخبار إليه في أيام اعتقاله. كل الأخبار، جيّدها وسيئها. لكنه، في لحظة حصاره تلك، صار «يتحاشى أخبار العالم الخارجي إلا في ما يتعلق بالانتفاضة وتمددها». وعبر هذا الاعتراف الضمني الشجاع بالتناقض والتأرجح بين وهم عاطفي ودقة عقلانية، سنجد بأنّ روح التناقض التي تسكن الكاتب، وعمله، والحياة السورية بأسرها، هي ما تجعل لهذا الكتاب أهميّة وحضوراً. ليس ثمة ادّعاء أو تبجّح ببطولة زائفة، بل إنّ المطلوب هو تلك المهمة الشاقة للبناء والهدم معاً، والتقاط فُتات الأمل بين ركام الخيبات. الخيبة العامة بإخفاق أو تعثّر حلم الثورة، لا يمكن أن تخفي الثمار الصغيرة الأخرى، «الثورات الصغرى ... ثورة الأبناء على الأهل، ثورة الزوجة على الزوج، ثورة المرأة ضد تقاليد القطيع».
لا يمكن لمقال أن يغطّي الجوانب الغنية جميعها في «كمن يشهد موته». رغم صغر حجم الكتاب نسبياً، إلا أنّه يسهم في تكريس الشكل الأدبي الجديد الذي انتشر في السنوات القليلة الماضية. التوصيف الموجز، والعبارة القصيرة المتوترة، والبراعة في التقاط الصور المذهلة رغم تقشّفها. وسيلاحظ قارئ ديبو التطوّر اللافت في عالمه الكتابي، والأهم تلك الديمقراطيّة الكتابية التي تترك للأصوات حريّتها في التعبير. يبدو أيّ نص، بصرف النظر عن حجمه، مرآة فعلية للحياة السورية الجديدة، بانكساراتها، وخيباتها، وهمساتها، وبوحها، والأهم خوفها.