بغداد | قضى السباق الانتخابي في العراق على آخر ما تبقّى من أمل لدى الجمهور الباحث عن مادة اعلامية غير موجّهة، مع تدفّق الأموال من قبل كتل وأحزاب سياسية معروفة. منظمات وجمعيات ونقابات دقّت أخيراً ناقوس الخطر إزاء ما آلت اليه السلطة الرابعة في بلاد الرافدين. إذ أشارت إلى أنّ سياسيين ومرشّحين للانتخابات أغروا أهم الوسائل الاعلامية التي تحظى بنسبة متابعة عالية داخل العراق، معلّلةً الاخضاع السريع لبعض المحطات والصحف ووكالات الأنباء بغياب دعم هذه الوسائل المستقلة طيلة الفترة الماضية.


هكذا، فاجأت بعض المحطات مشاهديها بتحوّل جذري في خطابها ونشراتها الإخبارية قبل فترة قصيرة من انطلاق الحملات الدعائية للمرشحين للانتخابات النيابية المقررة في نهاية الشهر الحالي. ويدور حديث في الأوساط الصحافية عن شراء وسائل إعلام مرئية ومقروءة والكترونية مؤثرة من قبل كتل سياسية كبيرة، إضافة الى قيام بعض مموّلي القوائم المرشحة من رجال أعمال بإنشاء فضائيات ووكالات أنباء تهدف إلى الترويج لمرشحيهم وإقناع الرأي العام بانتخابهم.
«جمعية الدفاع عن حرية الصحافة في العراق» المعنية برصد الانتهاكات بحق الصحافيين، كشفت عن شراء الساسة أسهماً كثيرة في بعض الفضائيات، فضلاً عن استحداثهم وكالات أنباء وصحف قبل أكثر من ثلاثة أشهر بهدف دخول الدعاية الانتخابية بأسطول إعلامي مؤثر. يقول رئيس الجمعية عدي حاتم لـ «الأخبار» إنّ «ما نراه عبارة عن امتلاك قادة كتل وقوائم وسائل إعلام كانت مستقلة»، مشيراً إلى أنّ «هذا الجشع السياسي حرم الجمهور من تلقي الرسالة المهنية المستقلة، وحوّلها الى مادة انتخابية تهدف إلى إقناع الناخب ببعض المرشحين أو الكتل المتنافسة».

مرشّحون وسياسيون اشتروا القنوات
والمنابر التي تحظى بنسبة متابعة عالية

وأسف «لاستسلام وسائل الاعلام المستقلة أو شبه المستقلة للاغراء المادي السياسي»، معللاً ذلك بضعف الدعم الذي تحظى به هذه الوسائل في العراق، وحرمانها من الاعلان الحكومي الذي يعدّ المورد الرئيس لكل الوسائل المستقلة. ويأتي هذا الحرمان نتيجة سيطرة مافيات وزارية على الأبواب الاعلانية لمعظم الدوائر الحكومية العراقية. وكشف حاتم عن إطلاق بعض رؤساء القوائم الانتخابية والأحزاب السياسية المتمكنة مادياً، محطات تلفزيونية ووكالات أنباء الكترونية، فضلاً عن اذاعات محلية في بعض المحافظات بهدف دخول عالم السياسة من خلال الانتخابات. وأشار الى أنّ بعض الاحزاب أغرت العديد من الصحافيين رغم اختلافاتهم الايديولوجية معها. ووصف حاتم الظاهرة بأنّها «تحول خطير للصحافة من سلطة رابعة الى متاجرة بخسة تبُعدنا عما نطمح له من دولة مدنية تؤدي فيها الصحافة دورها بشكل مهني ومستقل». في السياق نفسه، عاودت فضائية «الشرقية» المملوكة لرجل الأعمال والصحافي السابق سعد البزاز فتح مكاتبها في عدد من محافظات العراق، بعدما غيّرت خطابها بشكل مفاجئ قبل أشهر لتصبح أكثر مهادنةً مع الحكومة. هكذا، زاول مراسلوها العمل في مختلف المحافظات بعد أكثر من ثلاث سنوات على اغلاق جميع مكاتبها، باستثناء مكتبها في اربيل، ما أدّى الى اتهامها من قبل نواب من كتلة «متحدون» (يتزعمها رئيس مجلس النواب أسامة النجيفي) بتلقّي أموال من الحكومة. وكانت «الشرقية» قد اُتهمت من قبل الحكومة بالتحريض الطائفي والخطاب المشوه الهادف الى تخريب العملية السياسية، كما عرفت منذ انشائها عام 2004 بنقدها اللاذع للحكومة من خلال نشرات الاخبار وبرامجها السياسية، بل حتى من خلال انتاجاتها الدرامية والكوميدية الساخرة من المسؤولين العراقيين. أما محطة «البغدادية»، فلا تزال ممنوعة من العمل داخل العراق منذ عام 2010 وتبث من القاهرة. وكانت وسائل إعلام محلية متهمة بأنّها مملوكة لـ «ائتلاف دولة القانون» (برئاسة رئيس الوزراء نوري المالكي) نقلت تصريحات عن أحد نواب الائتلاف سلمان الموسوي يكشف فيه عن استجابة الحكومة المصرية لطلب وزارة الخارجية العراقية بإغلاق مكتب «البغدادية» في القاهرة، بحجة أنّ الفضائية تدار من قبل «أجندات خارجية». وعن هذا الموضوع، يعلّق عدي حاتم بأنّه « بعد اتصالنا بالزملاء في «البغدادية»، نفوا لنا وجود أي مضايقات من قبل الحكومة المصرية بخصوص عملهم، وأنّهم ملتزمون بعقد مع المدينة الاعلامية في القاهرة». وتوقع أن يكون نشر الخبر أو دفع النائب إلى التصريح بهذه الطريقة محاولة لترهيب الفضائية وعامليها. وكانت مكاتب «البغدادية» قد أُغلقت بأمر من «هيئة الاعلام والاتصالات» المعنية بتنظيم الاعلام في العراق بعدما اتهمت الهيئة المحطة بالارتباط بجماعات مسلحة. علماً أنّ القناة اشتهرت بتوجيه نقد لاذع الى رئيس الحكومة نوري المالكي وأعضاء ائتلافه (دولة القانون)، ودعت بشكل صريح ومباشر الى عدم انتخابه مجدداً.



الداعم الأول لـ... الفساد!

أوضح عضو «النقابة الوطنية للصحافيين العراقيين» قيس العجرش لـ«الأخبار» أنّ «انزلاق وسائل إعلام الى تحيّز في الأجواء الانتخابية أمر أكثر من متوقع، وخصوصاً مع تبعية هذه الوسائل لرؤوس أموال مبهمة كانت ولا تزال تنتفع من موجة الفساد». وأضاف إنّ «العراق تتوافر فيه أموال هائلة، تصرفها الحكومة حصراً، لكن النتائج غير واضحة على مستوى الخدمات والمعيشة. وهذا يعني أنّ هناك ثقوباً تمتص هذه الأموال، وأنّ الصحافة الفاسدة والداعمة للفساد هي أحد هذه الثقوب»، علماً بأنّ الساحة العراقية تشهد هذه الأيام نشراً غير مسبوق لوثائق سرّية سرّبها بعض مموّلي الوكالات الجديدة لإسقاط الكيانات أو الشخصيات المنافسة لهم في الانتخابات.