اختتمت «أشكال ألوان» أخيراً الدورة الرابعة من «أشغال فيديو» («الأخبار» 5 /4/ 2014)، مقدّمة ستة أعمال من إنتاجها (بدعم من روبير أ. متى)، فيما دعت ثلاثة مخرجين و«مجموعة أبو نضّارة» السينمائية السورية لتقديم إنتاجاتها المستقلة. إذا استثنينا الأعمال المدعوّة إلى البرنامج، نجد أن الأفلام المنتجة راوحت بين الروائي والوثائقي، والكلاسيكي والتجريبي. وبعيداً عن التقويم، تطرح الدورة تساؤلات عن مفهوم الـ«فيديو آرت»، أولها: هل ما زال المصطلح يصلح اليوم لتصنيف هذه الأعمال؟


ولد التعريف الأساسي والمباشر لفنّ الفيديو مع اختراع كاميرات الأنالوغ أولاً، ولاحقاً الرقميّة. صار هذا المصطلح يُطلق على الفيديوات المصوّرة بالكاميرا المحمولة الخفيفة مقابل الكاميرا السينمائية الضخمة التي تعتمد الفيلم (pellicule). من هنا، نجد أن أوائل الإنتاجات في عالم الـ«فيديو آرت» كانت تحتفي بفكرة استطاعة المخرج حمل الكاميرا بيده، والتحكم بحركتها بسهولة تمكّنه من تصوير جسده الخاص. لكن اليوم، باتت معظم الأفلام السينمائية بتصنيفاتها المتنوّعة (الكلاسيكية، والتجريبية، والمفاهيمية، والتجارية...) تصّور عبر كاميرات رقمية، وبكاميرا لا تتعدى أحياناً كاميرا الهواتف المحمولة، فما هو الفرق بين الفيلم السينمائي و«الفيديو آرت» إذاً؟
لهذا، التقينا بالسينمائي غسان سلهب للوقوف عند رأيه، والموقع الذي يتخذه برنامج «أشغال فيديو». قدّم سلهب بنفسه أفلاماً سينمائية روائية، ووثائقية، وتجريبية، وفيديو، كما أسس مع كريستين طعمة (مديرة «أشكال ألوان») برنامج «أشغال فيديو» الذي لا يزال يشارك فيه حتى اليوم عبر اللجنة التي تختار المشاريع المنتجة فيه وتتابعها.

أفلام غودار
وهيرتزوغ لا تقلّ تجريبية عن أعمال الـ«فيديو آرت»
افتتح سلهب النقاش محدِّداً موقفه الشخصي الرافض لمختلف التسميات والتصنيفات التي اخترعتها السوق الفنّية كي تحصر الأعمال السينمائية في فئات وتسهّل عملية بيعها لاحقاً. إذا عدنا إلى ولادة فنّ الـ«فيديو آرت»، لا بد من التذكّر أنّ التلفزيون كان الأول في استعمال الفيديو قبل الفنانين. كان أوائل فناني الفيديو يستعيرون كاميراتهم من المحطات التلفزيونية لإنتاج فيديواتهم الخاصّة. في تلك المرحلة، كانت التقنية التي تقوم على التصوير الرقمي أو الفيلم، هي ما يميّز الفيديو عن السينما. أمّا التجريب، فلم يكن يوماً حكراً على الفيديو فقط. منذ ولادة السينما، عرفنا مع الأخوين لوميير إنتاجاً سينمائياً يمكن تصنيفه ضمن الأعمال الوثائقية الكلاسيكية، فيما كان جورج ميلياس قد بدأ التجريب منذ ذلك الحين. على صعيد التحكم بالكاميرا ونوعية الصورة وألوانها، فإن الكثير من مخرجي الأفلام السينمائية يعمدون اليوم ــ عبر الكاميرا الرقميّة ــ إلى تعديل تركيبة صورتهم وإجراء تجارب عليها تتخطى ما نشهده في مختلف فنون الفيديو، وليس Melancholia للمخرج لارس فون تراير إلا مثالاً بسيطاً على ذلك.
لا يمكننا أن ننسى أيضاً أنّ ما أتاحه فنّ الفيديو عند ولادته (سهولة التحرك والتحكم بالكاميرا)، كان بعض المخرجين السينمائيين قد اختبروه عبر استخدام كاميرا ١٦ ملم. اليوم، يستخدم بعض المخرجين السينمائيين من أصحاب التجارب المهمّة مثل غودار وهيرتزوغ الفيديو في أفلامهم التي لا تقلّ تجريبية عن أعمال الـ«فيديو آرت»، لا بل تضاهيها أحياناً.
أمّا النقطة المفصلية، فجاءت مع ولادة حقبة الفنّ المعاصر. قبل ذلك، كان الفنّ التشكيلي لا يعرف الصورة المتحركة، بل فقط الثابتة مثل اللوحات والصورة الفوتوغرافية والنحت. لكن الفنّ المعاصر أمّن المساحة الأولى لعرض الصورة المتحركة في الغاليريات والمتاحف التي كانت تعتمد الفيلم في بادئ الأمر قبل أن يجد الفيديو مساحته، أكان عبر شاشات صغيرة، أم ضمن تجهيزات فنيّة. بناءً عليه، هل ما زالت هناك حدود فاصلة بين السينما والفيديو، أكان عبر الطرح أم التقنية؟ لا، الفارق الوحيد هو مكان العرض، على شاشة سينما أو في غاليري.
انطلاقاً من هنا، وعودة إلى موقع «أشغال فيديو» من تلك التصنيفات، يخبرنا سلهب أنه اختار مع طعمة اسم «أشغال فيديو» لتلك التظاهرة كتكملة لمنتدى «أشغال داخلية» الذي تنظمه «أشكال ألوان» أيضاً. أراد استعمال كلمة «فيديو» انطلاقاً من علاقتها باللغة الفرنسية بفعل المشاهدة (Video - Voir). وعندما تأسس «أشغال فيديو» عام ٢٠٠٦، كان يهدف إلى توفير مساحة لفنانين شباب بهدف تطوير أعمالهم التجريبية وإنتاجها وعرضها. مساحة لم تكن متوافرة وقتها. كان معظم هؤلاء الفنانين يعملون في السينما التقليدية كالروائي أو الوثائقي التقليدي، أو في حقل الكليب والإعلانات. لكن بما أنّنا نشهد اليوم انفتاح المهرجانات السينمائية في لبنان والعالم العربي على هذا النوع من الأفلام، كان لا بد لـ«أشغال فيديو» من التوجّه أكثر نحو السبب الثاني لوجوده، أي المنطقة الهامشية والراديكالية. هكذا يجد سلهب أن «أشغال فيديو» يحاول تأمين تلك المساحة للفنانين الذين يقاومون السوق الفنيّة، إن كانت سينمائية (المهرجانات والتوزيع) أو تلك التي تحتكرها الغاليريات الفنية، إيماناً بأهمية تلك المنطقة الهامشية والجذرية التي لا تكتمل الصورة الفنيّة المتحركة من دونها.




عباس كياروستامي

نجد اليوم مخرجين سينمائيين مكرّسين أمثال عباس كياروستامي، ممن يواصلون إنتاج الأفلام السينمائية، لكنّهم يقدمون أيضاً أعمالاً أنتجت خصيصاً للغاليريات والمتاحف. لهذا الإطار خصوصية فنيّة مختلفة تجذب المخرجين. كذلك هناك عامل المال المتوافر في هذا الحقل على عكس السينما. لكننا نعلم جيداً أن الفنّ المعاصر اليوم صار بدوره كلاسيكياً، ولا بد من أن تأتي مرحلة جديدة كي تحلّ مكانه.