صنعاء | فقدت السودان هذا الشهر اثنين من رموزها. رحل «شاعر الشعب» محجوب شريف (1948_2014) ليلتحق به الموسيقار ناجي القُدسي (1944ــ 2014) بعد يوم واحد فقط. قضى الأوّل في الخرطوم، في حين مات الثاني في صنعاء. أيّام شريف والقُدسي تقاطعت في نقاط كثيرة أهمّها النبض الشعبي الذي أسهم في تقريبهما من الناس العاديين. الكتابة والتلحين بنغمة تحمل همّهم، هو ما يعني بالضرورة اتخاذهما لموقف واضح من الأنظمة المتتالية التي قبضت على أرواح السودانيين وتحكّمت في عدد ذرات الهواء الداخلة إلى صدورهم. ولهذا كان طبيعياً أن يكونا من الزوّار الاعتياديين لزنازين العسكر.


أمضى «شاعر الشعب» ــ كما أُطلق على محجوب شريف ــ نحو 13 عاماً متنقلاً بين معتقل وآخر، خلال مختلف فترات حكم الأنظمة العسكرية السودانية منذ نهاية الستينيات حتى أواخر التسعينيات. في السجن، كتب أول دواوينه «يا والدة يا مريم». بحسه المتيقظ، كان من أوائل من توقّعوا «انقلاب مايو 1969» وكتب قصيدة «في حكاياتنا مايو» وتحولت إلى أغنية عن طريق المطرب الراحل محمّد وردي. لكن قبل أن يُكمل «انقلاب مايو» أشهره الأولى، كان محجوب من أول معارضيه بعدما رأى تلك الثورة تسير عكس السير بواسطة الرئيس السابق جعفر النميري، فكان طبيعياً أن تُحجز له إقامة طويلة في أحد المعتقلات.
حال ناجي القُدسي كانت مختلفة قليلاً في ما يخص تعامله مع السلطة. ناجي مولود في مدينة عطبرة السودانية من أب يمني وأم سودانية، ولا بد لـ «الغرباء» من أن يكونوا على قدر من الهدوء في الأرض «الغريبة». لهذا لم يكن صدامياً بوضوح ضد الأنظمة التي تعاقبت على حكم السودان. كان عليه أن يُخفي يساريته وراء الألحان التي كان يصنعها على كلمات كان يختارها بعناية تامة. أغنية «الساقية» واحدة منها (كلمات عمر الدوش وغناء حمد الريح).

كان طبيعياً أن يكونا من الزوّار الاعتياديين لزنازين العسكر

أشعلت هذه الأغنية الأرض السودانية وصارت على كل لسان، ما دفع جعفر النميري لاعتبارها موجّهة ضده، خصوصاً بعدما أطلقتها الجماهير شعاراً لها أثناء خروجها في التظاهرات الاحتجاجية «وعشان يكون الحق ليك/ تعبر بحور/ تهدم جبال/ الحق هوا النضال/ والحق في ساحة مجزرة». لم يكمل العام دورته حتى كان ناجي القُدسي في المعتقل، لكن «الساقية» ظلّت حتى اليوم واحدة من علامات الغناء السوداني العظيم.
كان محجوب شريف مؤمناً بقاعدة بقاء مساحة فاصلة بين أي مبدع وسلطته، أياً كانت ومهما كانت سلطة عادلة. مساحة الابتعاد تلك تسمح للفنان بأن يكون مستقلاً وغير واقع تحت أي تأثير. هكذا، كان طبيعياً أن ينحاز للشارع ويقول قصائده بصوته في الوقت الذي يتطابق فيه بشكل عملي مع ما يقوله كعضو حقيقي وأصيل في الحزب الشيوعي السوداني. في مناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه، كتب محمود لهذا الحزب قصيدة عام 1986 بعنوان «أنا قلبي مساكن شعبية»، تقول مقدمتها «الحزب حبيبي وشرياني، أهداني بطاقة شخصية». وما لبثت أن تحولت أثناء تلحينها عن طريق الملحن وردي الصغير إلى «الشعب حبيبي وشرياني». وقد أعاد المطرب المصري محمد منير قبل سنوات قريبة توزيع هذه الأغنية لتلاقي نجاحات كثيرة.
ناجي القُدسي، قرر العودة إلى اليمن والاستقرار فيه. لكن كيف يهرب الفنان المنقسم بين مكانين وجنسيتين من تنكُّر الجهتين له؟ في السودان، شعب متسامح لكن النظام حاصره من كل الجهات، وفي اليمن، بلاد أبيّة، فكان الحصار من الجهتين ــ نظاماً وشعباً ــ أبقى القُدسي في نهاية الأمر «ابن سودانية». عاد مطربنا إلى اليمن ليجد نفسه ضائعاً وموضوعاً في خانة ضيقة. حاول تلحين قصائد لكبار شعراء اليمن لكن بلا فائدة ولا ضوء يلوح في آخر النفق. حالة دفعته إلى الدخول في تصوف راحلاً نحو تلحين «مأساة الحلاج» لصلاح عبد الصبور التي راح رددها في الأماكن العامة، وفق شهادة صديقه اليمني الشاعر علوان الجيلاني. وقد تمّ، إثر هذا، تكفيره وسجنه والاعتداء عليه.
في السنتين الأخيرتين من حياته، تعرّض محجوب شريف لشائعات شبه رسمية متتالية تؤكّد موته، فكتب قصيدة «أموت لا أخاف أين وإمتى وكيف/ أموت لا اخاف/ ليَّ مصيري/ أموت لا اخاف/ قدِر ما اخاف يموت في لحظة ضميري» في الوقت الذي بقي فيه ناجي القُدسي حزيناً أبدياً في صنعاء يسأل المقرّبين منه حتى قبل أيّام من رحيله: ما الذي فعلته حتى يحدث لي كل هذا؟