إحياءً «لعراقة السينما العربية والمصرية تحديداً»، يقدّم «مترو المدينة» شهرياً، بالتعاون مع «نادي لكل الناس»، فيلماً عربياً من أرشيف السينما المصرية. وقع الاختيار هذه المرّة على «زوجتي والكلب» (1971) لسعيد مرزوق (1940) الذي نشاهده عند السادسة والنصف من مساء الاثنين في «مترو المدينة». لا يمكن الحديث عن مصطلح سينما المؤلف من دون التوقف عند سعيد مرزوق الذي استطاع أن يحجز لنفسه مكاناً بين مخرجي جيله.


لم يدرس السينما، لكنه راقبها عن قرب وتعلّق بعالمها بعدما شاءت الظروف أن يكون منزله بالقرب من «استديو مصر». هكذا، ألمّ بالقراءة وانكبّ على صقل موهبته بمتابعة التقنيات، فكانت له مدرسته الخاصّة. أخرج مرزوق فيلمين قصيرين وبعض الأعمال التسجيلية، إلى أن أنجز باكورته الروائية الطويلة «زوجتي والكلب» (1971) التي قلبت موازين السينما المصرية المعتادة. كسر مرزوق القيود لناحية الرؤية الإخراجية، والتصويرية ولا سيما لغة المونتاج.
تدور أحداث الفيلم معظم الوقت بطريقة داخلية جوّانية، وتحديداً حول أفكار وعواطف الممثل الرئيسي مرسي (محمود مرسي) الذي يعمل في فنار منطقة معزولة، يرافقه معاونه الشاب نور (نور الشريف). ترك الأوّل زوجته (سعاد حسني) بعد شهر العسل، فيما يكتفي نور بدور الصديق والمحدّث الدائم لمرسي، الذي يروي له مغامراته مع النساء وخصوصاً المتزوجات. يكتفي الشاب اليافع نور بجمع صور بعض النساء العاريات، «هواية» تعززها خبرته القليلة مع النساء. وعندما يقرر تمضية إجازته في المدينة، يكلّفه مرسي توصيل رسالة إلى زوجته. من هنا تبدأ دوّامة الشك لدى مرسي، متخيّلاً أنّ زوجته تخونه مع نور.
لم يبتعد مرزوق في هذا الشريط عن الوضع الإنساني والسيكولوجي والاجتماعي لممثليه. اعتمد أساسيات سينما المؤلّف بطريقة متشرذمة، كالحياة نفسها. أعطى أهميةً لكل ما هو جمالي، معتنياً بالشكل الفني للصورة. ولأنه الحرفي في مجاله، ارتكز لديه الإخراج، والمونتاج، والتصوير على مقوّمات سينما المؤلّف.
إخراجياً، اهتم مرزوق بلغة الصورة، واختار أماكن تصوير تتوافق وعلاقة الممثلين في ما بينهم من جهة، ومع الأماكن من جهة أخرى. هكذا، يبتعد الفنار عن أبسط متطلبات الحياة، ويدلّ على عزلة الشخصيات ووحدتها، كأنه منفى أو سجن.

شكّل الفيلم درساً ومرجعاً فنياً
متفرّداً في بلاغة الصورة والمونتاج

حتى إنه يعكس حالة الاضطراب والقلق والحرمان التي يعانيها الريّس مرسي ونور. أما البحر، فظهر كبطل آخر، متماهياً مع بطولة محمود مرسي. هو المضطرب والهادئ معاً، المرتطم بالصخور، كارتطام الريّس مرسي بالشك والقلق والفراغ. يمكننا القول إنّ الإخراج ما كان ليبلغ هذا الحد من الحرفية الفنية، لولا تعاون مرزوق مع عبد العزيز فهمي الذي كان أحد أهم مديري التصوير في العالم العربي آنذاك. أظهر فهمي قدراته في الفن التصويري، والنتيجة صورة جديدة وحديثة، عزّزتها الكادرات الجميلة، والإضاءة الطبيعية التي منحتها بعداً درامياً واضحاً. أما شخصية الكلب، فلم تنجُ من المقارنات الذكية. تارةً، كانت رمزاً للحب والوفاء، وطوراً رمزاً للحرمان الجنسي. أتى المونتاج داعماً للصورة البلاغية، وخصوصاً عبر استخدام الذكريات أو الفلاش باك التي شاهدناها مع مرسي، وتذكره لمغامراته مع زوجته، وشكّه المرضي بخيانتها له. ورغم اللقطات السريعة في العمل، استطاع مرزوق أن يمنحنا اكتفاءً، من الناحية الفنية والتقنية خالقاً إيقاعاً مشوقاً ومتسلسلاً لتصاعد الحبكة الدرامية. جعل مرزوق من «زوجتي والكلب» أيقونة للسينما المصرية، وتحديداً سينما المؤلف، ومرجعاً فنياً متفرّداً في بلاغة الصورة، ما منحه مكاناً بين أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية.

«زوجتي والكلب» لسعيد مرزوق: 18:30 مساء الاثنين 21 نيسان (أبريل) ــ «مترو المدينة» (الحمرا _ بيروت) _ للاستعلام: 76/309363




إحياء تحف الفن السابع

في حديث مع «الأخبار»، شدّد مدير «نادي لكل الناس» نجا الأشقر على أهمية «زوجتي والكلب»، باعتباره تحفة فنية في تاريخ السينما المصرية. يحرص النادي بالتعاون مع «مترو المدينة» على عرض فيلم من المكتبة السينمائية العربية كل شهر بهدف «إحياء هذه الأفلام النادرة، لأنها قليلة في الأسواق، ولأنّ ابتعادها عن النمط التجاري يجعل عروضها التلفزيونية شبه معدومة». ويضيف الأشقر أنّ هذه الأفلام تلقى استقطاباً واسعاً، وخصوصاً لدى الجيل الشاب، وتلامذة المسرح والسينما. لهذا يسعى النادي جاهداً إلى «تطوير هذه العروض وتكثيفها وإنشاء نواد سينمائية في الجامعات».