دمشق | ثلاثة أعوام شكّلت فاصلاً زمنياً بين مناسبتين احتفلت فيهما دمشق بـ«زواج فيغارو». خشبة دار الأوبرا شهدت عام 2010 تقديم نسخة محلية من الأوبرا العالمية التي ألفها الموسيقي النمسوي موزار سنة 1786 استناداً إلى رواية الكاتب الفرنسي الشهير بومارشيه. هذا العام، انسلخت حكاية الحلاق الإسباني الفقير عن موسيقاها، ليقدّمها سمير عثمان الباش ضمن قالب قصصي اشتغل على إنجازه مع أكثر من 15 طالباً وطالبة وعرضت في «المعهد العالي للفنون المسرحية».


يعد «زواج فيغارو» استكمالاً حكائياً لأقنوم بومارشيه الأوّل «حلّاق إشبيلية». تدور الأحداث في إسبانيا حيث يقع فيغارو، خادم الكونت المافيفا، والقادم إلى بلاطه من مجتمعات القاع، في حبّ سوزانا، وصيفة الكونتيسة روزين، فيطلب يدها من شخص الكونت. يبرع الأخير في إيجاد أعذار تمكّنه من تأخير ميعاد الزواج ويحاول التقرب من سوزانا. يبدو الكونت نادماً على إلغائه العرف الذي يشرّع للكونت فضّ عذرية نساء القصر قبل زواجهن. تلتقي خطوط الحكاية على هامش الحب، لينفرط عقد الاستعراض في مشهد الختام مسدلاً الستارة على نهايات سعيدة لشخوص العرض العاشقة.

نأت النسخة السورية عن القيم التمردية التي حواها عمل بومارشيه

أقصوصة العمل متخيلة تنتمي إلى كوميديا الدسائس، ضمن هذا الإطار، تبدو صناعة الضحك فعلاً بسيطاً لا يتطلّب أكثر من إيقاع الجمهور في ورطة الشراكة الناقصة، ليجد نفسه شاهداً على مؤامرات تحوكها شخصيات المسرحية، ثم يفرض الخيال نفسه لاعباً شرطياً على مستوى التصديق. نجاح الخادم الشاب «شيروبينو» في الاختباء خلف كرسي الكونتيسة، خوفاً من عقاب الكونت، يبدو طرحاً مقبولاً غير مبالغ فيه.
ضمن هذا المعطى، يصير الممثل مطالباً بالتمثيل على كتلة المشاهدين وعلى زملائه في آن واحد لصناعة صنف من الفرجة أقل ما يُقال فيه أنّه كان متمكّناً من عنصري الجاذبية والإمتاع. يحاول بومارشيه تقديم مقاربة للصراع الطبقي بين الأرستقراطية من جهة وعامة الشعب من جهة ثانية. تنضوي الحكاية على قيم تمردية عالية، حتى إنّ طيفاً واسعاً من النقاد صار يجنح إلى صوابية الرأي الذي يتحدث عن أثر «زواج فيغارو» في تسريع الثورة الفرنسية. وهذا ما يفسر إصرار موزار على تأليف مقطوعات تحاكي عمق الموروث الإنساني الذي تنضح به المسرحية، هو الذي اشتهر بوقوفه خلف الحراكات المطالبة بإرساء ثوابت العدالة الاجتماعية.

العرض السوري ركز في أسلبته على شكل الإضحاك وانصرف عن بكائية الواقع الذي انبثقت منه شخصيات بومارشيه. ظُلم فيغارو في عيون مشاهديه، فظهر بهلواناً ماكراً يتراقص ويتباهى بصناعة الخديعة، حاله في ذلك حال سوزان التي قدّمها مخرج العمل لعوباً بعيدةً عن متلازمة القهر التي ترافق الشخصية لجهة حرمانها الزواج بالشاب الذي تحب.
يُحسب للباش اشتغاله على ممثّليه، حتّى إن بعضاً منهم بدا متمكناً من أدواته ومتجاوزاً حدود السائد عندما يتعلّق الأمر بمهارات غير مكتملة لطلبة لم يبلغوا عتبة الاحتراف بعد.